محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي
(1913 – 1996)محمد علي الشبيبي
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف
مقدمة
القسم الرابع والأخير من (ذكريات معلم) عنوانه (ثورة 14 تموز والسنوات العجاف). يتناول فيه المربي الراحل كيف كان تأثير تلقي نبأ ثورة 14 تموز على والده. وتأثير منجزاتها على الحياة العامة. ومن ثم تذبذب نهج الزعيم سياسيا، وتأليب القوى السياسية على بعضها، وتردده في الوقوف بحزم ضد المؤامرات والمتآمرين بينما كان متشدداً مع القوى الوطنية ذات المصلحة الحقيقية في الحفاظ على مكاسب الثورة.
في تموز 1958 تدهورت صحة الشيخ الجليل - والد الشهيد -، ويأس الأطباء من إمكانية شفائه أو تحسن صحته، حتى أنهم لم ينصحوا بنقله إلى المستشفى. وكان الشيخ في جميع صلواته يدعو من الله أن يشهد نهاية الطغاة. وفي صباح 14 تموز هتف أخي الأكبر "كفاح" بعد أن أستمع لإذاعة بغداد "إنها الثورة!". وبشر جده المستلقي في الفراش وهو في نصف غيبوبة بهذا الخبر السعيد. تفاجأ الجميع بردة فعل الشيخ، ومحاولته الجلوس هاتفا بفرح "الحمد لله ، شكراً لك يا رب فقد استجبت لدعائي!". فكان نبأ الثورة الدواء الشافي للشيخ.
عانى الشيخ الجليل رغم تقدمه بالعمر في ظل الحكم الملكي من الاضطهاد والمضايقات حتى في معيشته، وللأسف تحالفت القوى الدينية الرجعية مع سلطات الحكم الملكي في محاربته في كسب رزقه، وذلك للضغط عليه وحرفه عن توجهه المنبري التنويري في كشف الفساد والظلم الاجتماعي وتوعية مستمعيه. وتمادت سلطات النظام الملكي في اضطهادها للشيخ الجليل باعتقاله وإرساله إلى كربلاء، ومن ثم تقديمه إلى محكمة في الرمادي -وقد قارب الثمانين عاما- بعيدا عن محل إقامته خوفا من غضبة أنصاره. وبالرغم من هذه المضايقات وما أصابه من نكبات بدءا بإعدام ابنه "حسين" وسجن ابنه الأصغر "محمد علي" وفصل واعتقال ابنه الأكبر"علي"، فان الشيخ بقى صامدا صلبا في مقارعة الظلم وفضح عملاء النظام ومرتزقته.
أن الثورة بمنجزاتها السياسية والاقتصادية وما حققته في المجال الاجتماعي قد غيرت حياة الشعب العراقي كثيراً وكادت أن تنقل العراق نقلة نوعية متقدمة، لولا تلكؤ قاسم وشراسة المؤامرات التي اشتركت فيها جميع القوى المستفيدة من العهد الملكي والتي تضررت بمنجزات الثورة أو أنها اختلفت مع مسيرة الثورة بسبب مواقفها الأنانية الضيقة.
ويتحدث الوالد عن نجاح ثورة تموز وبداية عهد جديد. ودوره في إحياء جمعية المعلمين والعمل من أجل توحيد المعلمين في قائمة وطنية موحدة، بعيدا عن التحزب والحزبية الضيقة. ويوضح موقفه في العمل المهني، فيكتب "الواقع إني لم أكن قط متحيزا في نظرتي إلى كيفية خدمة المعلم عن طريق الجمعية أو النقابة في المستقبل. أنا أكره التمييز بين المعلمين من ناحية انتمائهم". ويصف أسلوب بعض القوى السياسية في تفاهمها من أجل وحدة قيادة جمعية المعلمين والسيطرة عليها، وكأنه يكتب ليومنا هذا بعد سقوط الصنم، فيكتب "... ولكن الغريب في الأمر إنهم تعاونوا مع الذين كانوا بالأمس مسيطرين على الجمعية -وفي خدمة العهد المباد- كما جرى التعبير".
وبعد مسيرة قصيرة للثورة برزت التناقضات بين قياداتها العسكرية، وبين قوى الجبهة الوطنية التي انفرطت عمليا حال إنجاز الثورة، وتخبط الزعيم في سياسته. يستخلص الوالد ملاحظاته وتوقعاته لمصير العهد الجمهوري الجديد، فيكتب تحت عنوان -من هو- "أنا أعتقد إن مقياس الديمقراطية الحقيقي هو إباحة الرأي والمعتقد ضمن الدستور المؤقت والدائم فيما بعد وداخل أحزاب لها قوانينها وأنظمتها، وإن الحكم يجب أن يكون بيد الحزب الذي يتم له الفوز بأغلبية في الانتخابات الحرة بدون تدخل السلطة المؤقته. وأن لم يتم هذا فإن انهيار الثورة محقق". لذلك هو يؤكد على أهمية الحياة الديمقراطية من خلال انتخابات حرة، وضرورة سن قانون للأحزاب ينظم نشاطاتها، فإن هذا هو صمام الأمان لمواصلة الثورة وإلا فإن انهيار الثورة محقق!؟
وانعكست آثار انتكاسة ثورة 14 تموز مجددا على الوالد مثلما على معظم فئات الشعب. فتعرض بسبب نشاطه في حركة السلم، واشتراكه مع بعض زملائه الذين بادروا لقيادة عمل "جمعية المعلمين" بعد سقوط النظام الملكي إلى الاعتقال والإقامة الجبرية في لواء ديالى بعيدا عن عائلاتهم. وبعد رفع الإقامة الجبرية تم نقل الوالد وزملائه إلى الأقضية التي أبعدوا إليها بقرار من مدير معارف كربلاء كاظم القزويني، وبضغوط من القوى الرجعية من المدينة وخارجها.
ويروي الوالد محاولة المتصرف (المحافظ) حميد الحصونة الخبيثة والحقودة لعرقلة إعادته للتعليم -بعد إنهاء الإبعاد- في نفس الخالص. وقد عُرف الحصونة بمواقفه الرجعية والانتهازية وحقده على القوى التقدمية وأشتهر بشعاره الذي رفعه بعد انتكاسة ثورة 14 تموز "أمي مخلص خير من مثقف هدام" وهذا يدل على مدى جهله وعدائه للثقافة والمثقف! وأثناء مقابلة الوالد له بوجود بعض الضيوف هاج وماج بدون مقدمات على الوالد بأسلوب بعيدا عن الأدب والذوق، مكيلا له السباب وإتهامه (شيوعي ..... أكسر راسك ...) وغيره من كلام لا يليق بمكانته كمتصرف! وهنا يكون موقف الوالد واضحا وجريئا في رده فيكتب الوالد: (... وقررت أن لا أغض النظر، وأن أرده مهما كلف الأمر ..... حين سكت قلت: الملفة ليست دليلا أبدا. وحتى لو تكلم الإنسان وادعى في وقت وظرف معين، فليس ذلك بكاف. ألم تعلن أيام تموز الأولى في الديوانية "أني نشأت أنا وفهد على رحلة واحدة في المدرسة؟". ألم تقل أثناء كلمة ألقيتها على تظاهرة شيوعيين في الديوانية لتأييد ثورة تموز "حتى قدور بيتنا شيوعية!؟". أنا مؤمن إنك لست شيوعيا، رغم ما صرحت به، وأنا أيضا ليس لي انتساب فعلا لأي حزب سياسي سري أو علني.). إن رد الوالد ومجابهته الصريحة بمواقفه الانتهازية الغبية أيام تموز الأولى كانت كالصاعقة عليه أمام ضيوفه، مما أضطره أن يتراجع عما أضمره للوالد من حقد، ولم يكن الوالد يبالي بما ستكون ردة فعل هذا الجاهل.
ربما لاحظ القارئ والمتتبع لجميع أقسام (ذكريات معلم) أن الوالد طيب الله ثراه كان يهتم ويتأثر كثيرا بطبيعة علاقات المجتمع الذي يعيش في وسطه. فهو ينتقد بمرارة وأسى بعض الطباع السيئة -في محيطه الاجتماعي القريب- كالنفاق والجبن والخبث وفقدان روح التضامن وعدم الوفاء والتردد، وكلها صفات يمقتها الجميع ظاهرياً، لكن البعض يرى أنها أو بعضها ضرورية في حياته اليومية!؟. بينما يشيد بكل ما هو إيجابي في أي مجتمع عاش في وسطه خلال رحلته التعليمية وتنقله. فيكتب عن مجتمع مدينة الخالص ( ... وأهل البلد على طيبتهم التي تتجلى لي في ابتساماتهم حين أمر عليهم مُسلِّما أو حين أشتري من بعضهم حاجة. يتجنبون الحديث معي ولكنهم يرحبون بي حين أدنو منهم لشراء حاجة). ويتحدث تحت عنوان "البلد الطيب" عن أسلوبه في علاقاته مع الآخرين، وهو أسلوب يعتمد على الثقة العالية بالنفس والقدرة في الإقناع فيكتب ( أنا لا أتخوف من الناس مهما كانت سمتهم، وقد جربت نفسي كثيرا. إني أستطيع أن أبدل ما في أذهان بعضهم عني، وأكسب محبتهم). ومن يقرأ ذكريات الوالد سيطلع كم من الأشخاص الذين كانوا يتخذون موقفا سلبيا منه ونجح في تغيير قناعاتهم عنه.
لم تمضي سوى أشهر على إلغاء الأبعاد ورفع الإقامة الجبرية على الوالد في الخالص حتى نجحت القوى السوداء في إسقاط ثورة تموز بانقلاب دموي في 8 شباط 1963 بتحالف القوى القومية والإقطاع والرجعية وبمباركة من الدول الاستعمارية في الخارج والقوى الدينة الرجعية الممثلة ببعض مراجعها. حيث بدأت مرحلة من السنين العجاف تخيم على حياة العائلة والشعب العراقي أجمع. وخيم على العراق جو مكفهر يعيث فيه الذئاب من أفراد الحرس القومي -وهي مليشيات من البعثيين والقوميين- دمارا. أنتهك فيه الحرس القومي الأعراض، وزج بخيرة الوطنيين في السجون، وتعرض ألاف -نساء، وأطفال، ورجال- إلى التعذيب والتصفية الجسدية. وتحولت الملاعب الرياضية والمكتبات العامة إلى مقرات للتعذيب والتحقيق.
ويتحدث الراحل عن هذه الفترة المظلمة من حياة الشعب، وعن التعذيب الهمجي الذي تعرض له شباب كربلاء في مركز التعذيب "المكتبة العامة" التي تحولت إلى "مسلخ بشري". فكان يعاني ويحس بآلام المعذبين خلال فترات وجوده للتحقيق في "المكتبة"، فكتب قصيدته - قولي لأمك -، ومن أبياتها:
أســــفاً لـــدار العلم بعــد العـــلم تغــــدو للعــــذاب
غرفاتها تحوي السلاسل لا الـمطــــالع والــكتــاب
والسوط قد خلف اليراع وعـنه في الـتعبيــــر ناب
ولم تنتهي معاناة الوالد والعائلة مع سقوط نظام البعث في 18 تشرين الثاني 1963، وإنما استمرت بإحالتنا جميعا - الوالد، وأخي كفاح، وأنا - إلى المجلس العرفي الأول. وأصدر المجلس قراره بسجن الوالد لسنتين وأنا –كاتب هذه السطور- خمس سنوات وشقيقي الأكبر بستة أشهر مع وقف التنفيذ.
وفي سجن الحلة يقضي والدي فترة سجنه بالمطالعة وتسجيل ملاحظاته ومتابعة ما يجري في العالم. فيجمع ملاحظاته في مخطوطة سماها - كشكول سجين - متنوعة المواضيع والمصادر. وفي السجن يعيش ويراقب المحيطين به وقد جاءوا من منحدرات اجتماعية مختلفة ويحملون أفكاراً وعادات متنوعة وحتى متناقضة. ويشبه السجن بالخمرة التي تكشف حقيقة شاربها وتفضح مدى مصداقيته بما كان يؤمن. فيسجل انطباعاته عن السجن ومجتمعه في موضعة -مآسي ومشاكل- فيكتب: (... السجن محك، كالخمرة، تكشف حقيقة شاربها، إن كان غليظ الطبع، خالي الوطاب من أدب أو علم، أو إذا كان ذا نفسية معقدة أو مشاكل لا يعرف عن أسبابها شيئا. ولا يدرك للتخلص منها سبيلا. والاتهامات والمحاكم العرفية دفعت بأناس لا يعرفون من السياسة حرفا...)
وبعد تحررنا من السجن، تستمر رحلة الوالد والعائلة في بحر تتلاطمه الأمواج، إنها السنين العجاف التي سادت العراق وغيبته عن العالم. حيث يستمر الفصل السياسي وتبوء كل محاولات الوالد للعودة للوظيفة. وتصطدم محاولاته بحقد ولؤم مدير الأمن والمتصرف في ديالى، وتوضع أمامه مختلف العقبات والأعذار التافهة لعرقلة عودته. وتبقى العائلة تعاني من ضعف المورد المالي الوحيد وشظف العيش، بينما الوالد في سفر دائم متنقلاً بين كربلاء وبعقوبة لمقابلة المسؤولين لعله ينجح في العودة للوظيفة أسوة بالآخرين من أمثاله. فيكتب عن معاناته هذه:
(لو كان سهما واحداً لاتقيته ولكنه ســــهم وثـانٍ وثالث
أجل والله، بالنسبة لي، هي أكثر من ثلاثة، إنها سهام متواصلة، حياتي غير مريحة، ولكني أوبخ نفسي. إني أحبها، فأخاطبها: إن الصبر طيب، تحقيق المطالب الحياتية بالسعي مع الصبر مفخرة، ويجعل الحياة لذيذة). نعم كانت هذه هي مبادئ الوالد في الحياة -الصبر والمفخرة-، فكان دائما يقول لنا: فكروا بمصائب غيركم تهون عليكم مصيبتكم، فهناك في هذا العالم من مصيبته أعظم من مصيبتكم!.
وبعد انقلاب 17 تموز 1968 صدر قرار عودة المفصولين السياسيين إلى وظائفهم، وشمل القرار عودة الوالد. وأيضا لم تخلُ عودته من خبث المسؤولين القدماء الجدد، فكانت عودته في مدينة الرمادي بعيداً عن عائلته، متجاهلين طول خدمته في التعليم وكبر سنه، وما يسببه هذا البعد من متاعب له. وحتى بعد نجاحه للتبادل -بجايش- مع أحد المعلمين في الحلة، فأن مدير تربية الحلة "جابر الدوري" أصر خلافا للعادة الجارية والتي تقضي مباشرته في نفس مدرسة المعلم البديل، على إبعاد الوالد عن مركز المدينة للعمل في أحدى قرى الحلة البعيدة!
ويختم الوالد حياته التعليمية التي أخلص لها وعمل خلالها بتفان، بتقاعده أواسط عام 1971 حيث كان معلما في مدرسة -أبو سِفن- التابعة لقضاء طوريج التابع للواء الحلة في وقتها. ومع إحالته على التقاعد ينهي والدي (ذكريات معلم). لكنه يبقى كما كان معلما ومرشدا حريصا على سمعة المعلم، فهو لا يبخل بتقديم النصح والملاحظات لطلبته القدامى وأصدقائه. وبحسرة وأسى متجاوزا كل ما أصابه من حيف واضطهاد بسبب ما يحمله من مبادئ سامية، فيكتب: " فليت لي حولا وقوة لأواصل رسالتي في أداء خدمة بلدي. ولست آسفا أبدا إنا نحن المعلمين كالجسر يعبر عليه الألوف ثم تبلى أخشابه، فلا تعود تذكر على لسان"
لقد نشرت (ذكريات معلم) للوالد وقبلها مجموعة قصائده (أنا والعذاب) وبعض كتاباته المتفرقة. إن ما قمت به من عمل متواضع بنشر بعض مخطوطات الوالد جزء من واجبي كابن، وتلميذ وفيٌ كنت ومازلت استعين به، وكزميل زاملته في المعتقلات والسجون، وكمربي أصابه الغبن والحيف في حياته من قبل أنظمة استبدادية. أرجو أن أكون قد وفقت بنشر وطبع كتاباته، وهذا أقل ما يمكن أن أقدمه وفاءاً لذكراه الطاهرة.
ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد 12/05/2011
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف
(23)
أصداء من أعماق الزمن/2
وطلقت جامع الهندي بحكم انتقالي في دراستي إلى شيوخ يلتقون بطلبتهم في بيوتهم. فقد درست على الشيخ محمد طاهر الشيخ راضي، والشيخ حميد الشيخ راضي، والسيد أمين الصافي، والسيد مير صهر المرجع الديني أبو الحسن، والشيخ محسن شرارة، والشيخ محمد شراره وهو أيضا دخل سلك التعليم. وانتمى للحزب الوطني الديمقراطي ثم أتهم بأنه انتمى للحزب الشيوعي العراقي ولا اجزم بصحة هذا ، إذ كنت قد ابتعدت عن كل حزب.
وفي بداية الثلاثينات أول شبوبي حضرت في بيت الشيخ عبد المنعم الكاظمي بمناسبة زواجه، كأي واحد من الناس. والكاظمي من أتباع الشيخ احمد كاشف الغطاء ومندفعا بحماس ضد أبو الحسن وحدث أن قام بعمل مهين ضده. وقالوا إن ذلك جرى بعلم من مرجعه، وبسبب تلك الإهانة اضرب ابو الحسن عن صلاة الجماعة وعن زيارة الحرم. وتأتي أن يمرض كاشف الغطاء. ولم يمهله الموت فمات. وعند هذا جاء الكاظمي معتذرا يعلن التوبة ويطلب الصفح وتحول إلى جانبه. ثم ترك النجف وقطن في جامع إحدى المحلات إماما له، ثم دخل سلك التعليم وانتقل إلى الزراعة ثم عاد إلى العمامة بعد التقاعد وألف كتاباً بعنوان -من كنت مولاه ...-. وقُرأتْ في بيت الشيخ -على العادة- قصيدة كانت للشيخ عبد الرزاق محي الدين، كانت بعنوان "أحلام اليقظة". الشعراء التقليديون ما كانوا يضعون لقصائدهم عناوين، كانت تقرأ القصيدة فيصيح بعض الحاضرين: لمن؟ ويجيب المنشد: لفلان! واغلبها غزل، تشبيب، وحسب المناسبة، مديح، تهنئة، رثاء. هذه القصيدة أيقظت انتباهي على غير سابق معرفة بالشاعر، بل لم اسمع باسمه قبل هذا. عنوانها والمقطع الأول ملفتان للأسماع. إنها طراز لم اسمع مثله. في محافل النجف الشعرية. أعيد هذا المقطع مرات. في المقطع الثاني لاح على وجوه البعض ما ينم أن الوتر مثير، وان المتهامسين خصوم. ثم سرى تهامس، حتى إذا ما وصل المنشد المقطع الرابع، صرخ بعض المعممين -كانوا في سن الشاعر- محتجين. وسرعان ما تطور الأمر إلى صدام. وطارت أحذية وعمائم! واختلط الحابل بالنابل وغادر المجلس من لا يهمه الأمر، فهو مهنئ أو لقضاء الوقت.
وعيت وحفظت كل ما القي منها، ولكني لم أفكر بمَ وكيف سينتهي الأمر، ولماذا؟ غدا الموضوع حديث الألسن. ليس هذا، فقد روته الألسن روايات مختلفة. وتطور الأمر. وقصد خصوم الشاعر المتحمسون أولا المرجع الديني الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. فاستجاب وكتب. على إخواننا المؤمنين أن يتجنبوا مجالسة الشاعر حتى يعود إلى نهج الحق والصواب. أما أبو الحسن وهو أشهر منه ومرجع للغالبية، فقد أجاب: إني لا دراية لي بالشعر والشعراء، وليس ما قال الشاعر عقيدة. إذن ماذا نقول عن غزل الشريف الرضي وخمريات الحبوبي؟ ولكني أؤلف لجنة من أدباء وفقهاء يدققون ويحققون مع الشاعر، ويرفعون إليّ ما يتوصلون إليه من رأي. فأصدر حكمي بموجبه.
وعقدت اللجنة في بيت والدي. مؤلفة من شيوخ عرفوا وبرزوا منهم فقهاء وأدباء حقاً. وحضر -المتهم- وطولب بالقصيدة، فاعتذر إن الذين أثاروا الزبعة مزقوها. فأعلنت متبجحاً: إني حفظت المقاطع التي ألقيت، وقد شهدت المعركة وكيف تلقفت القصيدة الأيدي الغاضبة. فأكد أبي إني لهذه القابلية. ورحت ألقي ما سمعت مقطعاً مقطعاً، فكانوا يقاطعونني بقولهم: قف، نسيت بيتاً، تذكر جيداً. فأصرُ، كلا لم أنسَ، هذا ما سمعت. فيسمعوني بيتاً:
يقولون إن الله يبعثنا غداً وذاك لعمر الله كفر وبهتان!
فأنفي، وأنا صادق لم أسمع هذا أبداً. كانت الأبيات التي لم تتجاوز الثلاثة أو الأربعة. لم اعد أتذكر غير هذا البيت، ونصف بيت آخر نسيت الشطر الأول منه. وقد كان كافياً لإثبات أن ما نسب إليه ملفق، فهذا الشطر (أدين بما قد دان شبلي وجبران) والجمع بين شبلي الرجل العالم الصريح بإلحاده كيف يدين به من يدين أيضاً بجبران وهو يدين بالله وليس بملحد مثل شبلي شميل! وفي السنوات المتأخرة قرأت كتاب لشبلي شميل "هكذا عرفت" فلم أجد فيما قرأته ما يدل على إلحاده. نوقش المتهم حولها. فنقدها وكشف الخطأ الفاضح فيها. وانتهى التحقيق ببراءته. وأعلن أبو الحسن دعوتهم إلى مائدة عنده تنزيهاً للشاعر وتكريماً له وللجنة.
ومن هنا بدأت علاقتي بالشاعر. وطلبت من أبي أن يكلمه عن رغبتي بالدراسة عنده. وهكذا تم وتعمقت الصلة بيننا وكأننا أخوان. فلم تجده إلا عندنا أو تجدني عنده في غرفته الخاصة بمدرسة -الخليلي- في شارع السلام. وبدأ يوجهني. أشار عليّ أن أبدأ بكتاب كليلة ودمنة وتأريخ الأدب لأحمد حسن الزيات، وكتب طه حسين، وكتب جبران.
وصرت واحداً من أصدقائه -الشيخ صالح الجعفري، حسين شبر، إبراهيم الكاظمي- وآخرون كانوا على الهامش. وكنا كأتباع لابن عمته الشيخ قاسم محي الدين الرجل الظريف، والأديب أيضاً، والسليم الطوية مع كرم النفس.
كان أهم مجلس يجمعنا جميعاً، وكأنه لنا بعمومياته، وخصوصياته، هو مجلس الشيخ حبيب العادلي. الرجل الوقور والشهم الكريم. مجلسه صباح الجمعة. يحضره من رجال الفقه والأدب عدد، وهؤلاء طبعاً لا يتابعون الحضور كل أسبوع، فلهم كما يبدو برامج. أما العصاري فهي لنا ولأمثالنا ولجواره المخلصين.
لقد أطلت، والذكريات التي ما تزال في ذهني، والليالي الزاهرة بتلك الوجوه، يرن صداها في نفسي، وإذا ما زرت النجف عجّ فؤادي بالحنين. ولا أكتم أمري إني كثيرا ما أتعمد المرور على تلك البيوت وأمر عجلاً، فلن تعد مساكنهم، ولكني أحس أني أسمع الصدى، وارى الوجوه الحبيبة. وان رقد بعضها في الرموس.
ونزهاتنا أحيانا مع شيوخنا، الشيخ جواد الجزائري، والعادلي وأخوه جليل، السيد مير، ونحن الشباب، وقد حملنا معنا القدور والباقلاء الخضراء، واللحم الطازج واللبن، وقمنا بالطبخ والنكات تنطلق من الأفواه كالسلسبيل، والشيوخ ليس لهم شاغل غير النكتة والتعليق. بينما نحن نغالي بالمرح مع بعضنا إلى حد الأذى والإزعاج.
ولن نكتفي بهذا، لدينا سفرات ونزه مقتصرة علينا، بطريقة -اشتراكية-. فنحن دائما لا نملك شروى نفير. يترأس الأمر، صاحبنا الماهر في تدبير كل شيء ولو عن طريق -مؤامرة- وكل يجلب من أهله ما يمكن من رز، ماش، سمن، بصل، حمص أما اللحم فهو الحمام. ومما يرويه الناس أن وجود هذا الحمام، إن أحد الهنود جاء بعدد منها وسلمها لخدم ضريح الإمام علي وان يستفيدوا عندما تتكاثر من لحمها. فلما أصبحت النجف مدينة كبيرة وتطور بناء الضريح والصحن العلوي وكثر ساكنو النجف ، تغيرت نظرتهم وصاروا يحترمون هذا الحمام!.
رفيقاي مرتضى وإبراهيم لم اهجرهما. لقاءاتنا لها وقتها المعين المعتاد. واغلبنا انتظم عضوا في جمعية الرابطة الأدبية. كان عبد الرزاق أحد أعضاء الهيئة المؤسسة، وعبد الوهاب الصافي رئيس الهيأة الإدارية. وفي إحدى الدورات الانتخابية صرت مديرا لإدارتها. وكانت لي ملاحظات حول بعض المواد في نظامها الأساسي والداخلي، ومعي عدد من الأعضاء يشاركونني الرأي، فقدمت الملاحظات وأيدني الآخرون. حاولوا إقناعي بالعدول عنها فأصررت وفُصل بعض من أيد، استغل ضعفه لكونه في الواقع خال الوطاب!
وصادف أن دعيت في الكوفة من قبل صديق هو المرحوم الشيخ علي البازي الأديب الفكه. كان قد دعا الشيخ أحمد عارف الزين، ومعه اثنان من أدباء بيروت. وطرح أمر إصراري، وقد أخذوا يبرهنون لي: إنا لا نوافق لسبب واحد، هو إن الجمعية نتيجة لتصلب أعضاء الهيأة من جانب وإصرارك من جانب فتبدي وزارة الداخلية حلاً وسطاً فتغلقها، لأمر في نفسها! اقتنعت ولكن قدمت استقالة. والواقع إن الجمعية لم تتقدم فهي ليست أكثر من أسم، والبارزون من أعضائها استغلوا كيانهم الأدبي فيها، فحصل عبد الرزاق على عضوية البعثة، ورئيسها عين قاضياً، وآخر أيضا كذلك.
كانت رسائل عبد الرزاق من مصر تردني، يصف فيها أساتذتها ومكانته لديهم، وصالونات الأدباء. كان مما يبدو من بعض تعبيره، لا يعتبر العقاد وطه حسين من وزن واحد. وحين أنهى السنة الأولى وعاد ناجحاً، كرمته بحفل دعوت إليه نخبة الأدباء كهولا وشباباً. وألقيت كلمات وقصائد من أصدقائه وطلبته بعدهم جميعاً كلمتي، وقد أدخلت، وكان هذا بتحريضه لي، فيها ما دعا الجامدين أن يثوروا أثناء إلقائي. فقد تعرضت لنمط الدراسة والنهج الذي لم يتبدل بمرور الحقب والعصور. وصفت نفسي طالباً ضجر من كتب لا تردد ولا تعرف غير دم الحيض والاستحاضة مما لا يتصل بالنفس ولا يقع على الروح ولا ينمي العاطفة! وصفت العجيج والضجيج في جامع الهندي، من عشرات السنين، وأجيال تعاقبت، وهم حتى اليوم كما كان الذين من قبلهم، ومن بين شباب بزي الكهول، وكهول بزي العجزة الغابرين! ويتخرج المستفيد لا لينهض بإصلاح وتجديد، بل ليجبي الزكاة، وسائر الحقوق الشرعية مورداً حلالاً له، أو يستمر يعاني الجوع والحرمان. فثار بعض الكهول ممن كان يبدو كشيخ جاوز السبعين، وغادر الحفل آخرون، بينما صفق الشباب تأييدا واستحساناً. وسارع شيخ، محسوب في عداد الأدباء، أيضا إلى العلامة كاشف الغطاء ليحصل منه على فتيا تجريم بحقي.
ولكن رسولا من الشيخ هادي كاشف الغطاء سارع إلى العلامة: أن لا يتعجل الفتيا! والشيخ هادي هو والد الشيخ محمد رضا وجد الشيخ علي، وكان من المجتهدين ولكنه زهد فلم يرشح نفسه لزعامة ولكنه كان إمام جماعة، فهو فقيه وأديب أيضا، ومن اخص آل كاشف الغطاء بجدنا الشيخ جواد الشبيبي، ومن نمطه في النكتة الأدبية. وبمناسبة كلمتي بعد أن اطلع عليها سارع فنبه الشيخ محمد حسين عنها. أما أستاذي محي الدين فقد توسع فيما أشرت إليه ليثير حولي ضجة يرفع بها اسمي!
السويد 27/09/2011
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (22)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (21)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (20)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (19)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (18)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (17)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (5)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (4)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (5)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (4)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (21)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (20)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (19)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (18)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (17)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (5)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (4)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (22)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (5)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (4)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (3)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (2)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (1)