| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

محمد علي الشبيبي

Alshibiby45@hotmail.com

 

 

 

                                                                                     الأحد 20/2/ 2011

 

من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي
(1913 – 1996)

محمد علي الشبيبي

اعتذار
ذكرت في الحلقة السابقة أن عنوان القسم الثالث (عودة إلى الريف)، ولأني دمجت أكثر من قسم في قسم واحد (القسم الثالث) بسبب قصر الأقسام والفترة التي تتناولها، ولأن الوالد ترك لي حرية التصرف والتنظيم، فإني وجدت من الأفضل أن يكون هذا القسم بالعنوان أعلاه لأنه الأشمل والأكثر وصفا لمجريات أحداث هذا القسم الذي يمتد من عام 1948 لغاية ثورة 14 تموز عام 1958.

مقدمة
يتناول المربي الراحل طيب الله ثراه في القسم الثالث "عودة ومصائب وعواصف" من ذكرياته "ذكريات معلم" حياته التعليمية بعد فصله وعودته للتعليم مجدداً -عام 1947- في نواحي مدينة الناصرية. وعمله في محافظة -الناصرية- يعتبر بداية مرحلة جديدة في حياته التعليمية. فقد أستقر في مدينة الناصرية ما يقارب التسع سنوات، قضى منها بضعة أشهر في إحدى القرى - أصيبح-.
فهل ستختلف متاعب الراحل وعائلته في هذه المرحلة -بعد تركه للعمل الحزبي- عن سابقتها ؟ كلا وألف كلا. التحقيقات الجنائية وسلطات العهد الملكي استمرت -كما سنرى في جميع ذكرياته- بملاحقته واضطهاده، ولم ينجُ من الاعتقال والفصل والسجن والتعذيب في جميع العهود الملكية والجمهورية.

كانت إعادته لوظيفته متأخرة وناقصة، واُبعد عن مركز المدينة -الناصرية-. فجميع زملائه الذين فصلوا تمت إعادتهم بعد انتهاء فترة الفصل -ستة أشهر- بينما لم تتم إعادته إلا بعد ما يزيد على السنة، واُعيد كمستخدم.
رغم ما سببه الاعتقال من الآم وحرمان وعذاب للوالد، فهو لا ينسى أن يتحدث عن طيبة زملائه المعلمين في مدرسته السابقة "الغربية الابتدائية". يعود إلى مدرسته السابقة فيستقبله زملاؤه بلهفة وشوق دون تحفظ أو خوف من التحقيقات الجنائية وتقارير وكلائها السرية، فيكتب: (زميلي المعلم أحمد المغربي استقبلني بلهفة، بقية الزملاء أيضاً، فنان الخط والرسم شنون عبيد ومحب فن التمثيل عبد الوهاب ألبدري كلهم كانوا طيبين ذوي نخوة وألفة ....). كان الراحل يهتم كثيراً بطبيعة علاقته بالأصدقاء فهو يشخص في كل كتاباته هذه العلاقات ويثمن الإيجابي منها وينتقد بأسى وألم شديدين العلاقات الزائفة بسبب جبن وتردد أصحابها أو حتى نفاقهم. وخلال تنقله الوظيفي بين مدن وقرى الوطن يستعرض الوالد تباين سلوك الآخرين معه، ويحاول أن يفهم ويوضح بجرأة وبعيدا عن ردود الفعل الأسباب التي تحدد سلوكهم تجاهه.

وفي مدرسته الجديدة "سيد سلمان" كما يسميها في قرية "اصيبح" وبعيدا عن عائلته، يتعرف على "أصدقاء" من فئة اجتماعية أخرى هم من بسطاء الناس وفقراء المجتمع فيكتب عنهم: (هؤلاء نداماي، إنهم ندامى برءاء في سمرهم معي، وهم أكثر ثقة بي واحتراما وأنا أحبهم وأعطف عليهم، هنا هم أحب إليّ من كثيرين أعرفهم .... ). هؤلاء هم كناس البلدية هويدي الأطرم ، وطاقة الخبازة وفليفل، وغيرهم من بسطاء القرية. فيجلس ويحدثهم ويمزح معهم ببساطة دون تكبر واستعلاء فيكتب: (الناس في مختلف ميولهم، ونفسياتهم، ودرجات وعيهم وتجاربهم، منبع أنهل منه الثقة بالحياة، وأتعلم منه الشيء الكثير....). تواضع الوالد كانت أكثر ما تخشاه السلطات الأمنية، لأنها ترى أن هؤلاء الفقراء يتأثرون بصدق الوالد وما يطرحه من أفكار تضيء لهم حياتهم وتكشف لهم أسباب بؤسهم، والفئات الكادحة أسرع من يتأثر بالأفكار الوطنية وبالظلم الاجتماعي والطبقي. وأستمر والدي في علاقاته الاجتماعية المتواضعة مع الفئات الشعبية والفقيرة إلى آخر أيامه.

وتستمر النكبات تلاحق العائلة. فيتحدث الراحل كيف سمع في نادي الموظفين خبر قرار الحكم بالإعدام على شقيقه حسين "صارم" ورفاقه "فهد وحازم". ولم يخطر بباله أن إعلان قرار حكم الإعدام تم بعد تنفيذه!؟. لا بل أن السلطات لم تسمح لعوائل الشهداء بمقابلة أبنائها وتوديعهم الوداع الأخير!. ومنعت عوائلهم من إجراء مراسيم الفاتحة، كما لم تسلم جثامينهم الطاهرة لعوائلهم. ماعدا الشهيد حسين حيث نجحت والدته وزوجته بلقائه لعشرة دقائق فقط!؟ كما منعت عائلته أيضا من إجراء مراسيم الفاتحة. هكذا كانت إنسانية النظام الملكي التي يتشدق بها البعض ممن يحاولون عن قصد تزييف التأريخ أو لا يعيرون أي اعتبار لحياة الآخرين!.

ولوعة الوالد بإعدام شقيقه كانت عظيمة وتركت أثرها في حياته. وأشهد أنا –أبنه- أن والدي لم ينساه لحظة، حتى بعد أن عانى من مرض الشيخوخة القاسي الذي أفقده الذاكرة، والتي أنسته معظم أفراد العائلة القريبين منه، لكن لم ينس شقيقه -حسين- أبداً! وعندما يذكره -في آخر أيامه- يبكي كالطفل بلوعة ومرارة يتفطر لها القلب. ورثى الشهيد بعدة قصائد هي -أحباءنا، فتى التاريخ، رمز العقيدة، اُمك، يا صليباً، على القبر، شباط-. ورغم قسوة المصيبة على العائلة يبقى الوالد متماسكا مصراً على مواصلة نهج الكفاح من أجل الثأر من الطغاة. ويرى أن المستقبل سيضع نهاية مخزية للطغاة، حينها لا يجدون مأمنا فيه على أنفسهم من غضب الشعب، وهذا ما حدث للطاغية نوري السعيد وأخيرا لصدام وربما لما بعد صدام. ففي إحدى مراثيه الشعرية "شباط" يقول:

حـلفت يمينـــاً لا أســـيل مدامعـــي      إذا لم تُسـل من قاتليك الدما الحمــرُ
بيـــوم ســيأتي لـيس منه تخلــــص     يضيق على الطاغي به البر والبحرُ

يتحدث الوالد عن علاقته بمؤسس الحزب الشيوعي "فهد" وطريقته الفذة وموضوعيته في معالجة الأمور وأسلوبه السلس وقوة منطقه في الإقناع. وينقل عن فهد كيف غضب من أحد الرفاق لأنه يسخر من بعض المعتقدات الدينية، مؤكدا لهم ضرورة قراءة القرآن والإطلاع على قصص الأنبياء في وقوفهم بوجه فراعنة زمانهم، وكان دائم الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم. ويتحدث الوالد عن شجاعة وصلابة الشهيد زكي بسيم "حازم" أمام جلاديه، ويروي قصة تحكي صموده وصلابته.

ويرى الوالد أن السر في إخفاقات الحركة الوطنية، هي أنانية الأحزاب الوطنية وقيادات الحركة الوطنية، وحبها للظهور على المسرح منفردة، ورغبتها في الانفراد بقيادة الحركة الجماهيرية والوضع السياسي. ولابد أن أؤكد بكل أسف أن هذه الظاهرة السلبية ملازمة لطبيعة القوى السياسية لغاية يومنا هذا. وكأن والدي لم يكتب استنتاجه هذا لأربعينات وخمسينات القرن الماضي وإنما لأيامنا الحالية!

تطليقه للعمل الحزبي لن يمنعه من مزاولة نضاله ولكن بطريقته الخاصة. فكتب أكثر من مقالة باسم مستعار يفضح فيها الفساد الإداري والمالي المستشري في مؤسسات مدينة الناصرية. وينتقد نفاق ملاكي دور السينما، فهم من ناحية يعرضون الأفلام السيئة التي تزيد من التفسخ الأخلاقي، ومن ناحية أخرى يقيمون في دواوينهم ذكر الحسين والرسول!؟. وكان لمقالاته هذه أثرا كبيرا في أوساط المجتمع الناصري وأثار غضب السلطات الإدارية والأمنية، التي تحركت دون جدوى للبحث عن كاتب المقالات.
ويشيد كثيراً بطيبة أهالي الناصرية وتضامنهم معه وموقفهم النبيل واهتمامهم بالعائلة خلال اعتقاله بالرغم من أن فترة إقامته بينهم لا تتجاوز بضعة أشهر. هذا الموقف والانطباع عن أهالي الناصرية كنت أحسه من خلال أحاديث الوالدين طيب الله ثراهما، فكانا كثيراً ما يقارنا تلك المواقف النبيلة والشجاعة بمواقف واجهته في مدن أخرى يذكرها بأسى ومرارة بسبب نفاق وخبث طوية البعض أو جبن وأنانية البعض الآخر!؟

بعد تسع سنوات من العيش في الناصرية نجح الوالد في الانتقال إلى كربلاء، ليكون قريبا من النجف حيث يسكن والديه المسنين. ويتناول بمرارة في موضوعة (أينما تول وجهك سبقتك سمعتك) خبث البعض في مديرية معارف كربلاء وغيرهم للعمل على مضايقته وأبعاده عن العمل في مركز المدينة ونفيه إلى نواحي المدينة!؟. فيكتب بمرارة (أسفت كثيرا إن لم أحاول النقل إلى النجف). لكنه أيضا يكتب بإيجابية في نفس الموضوع، فيثمن موقف مدير مدرسته "مهدي علي" وكذلك موقف مدير الشرطة فيكتب (على أي حال لا تخلو الأرض من الطيبين، مثلما أن المرء معرض للشر بأكثر من الخير).

يرى الوالد أن للمعلم مهمة تربوية وأخلاقية إضافة لمهمته التعليمية، فيكتب في موضوعة "حصن الاخيضر" (وأي معلم كرس جهوده للمادة العلمية التي عهدت إليه، دون أن يعني بالجانب الخلقي فإنما هو آلة أو جاهل لمهمته وشخصيته. إن أحب شيء إلى نفسي أن أجعل من طلبتي أصدقاء. أنفخ فيهم من روحي واهتماماتي بشتى جوانب الحياة ...). والتعليق الذي عثرت عليه بين مخطوطات الوالد على كلمة أحدهم "مهذار" تبين رأي الوالد بالمعلم ومهنة التعليم في بلدنا، فكتب:
(أخي مهذار. قرأت كلمتك المنشورة في عدد التآخي 1294 بعنوان "نريد معلما يضيء ولا يحترق". فاسمح لي أن أثرثر معك قليلاً، وبين الهذر والثرثرة تقارب في المعنى. وعسى أن أكون كالثرثار يجري فيه ما يكون منه كل شيء حي.
أنت تريد معلماً يضيء ولا يحترق، أمر لا يمكن أن يكون أبداً. فكل مضيء لابد أن يحترق، حتى الشمس، هذا الكوكب العظيم، يحترق منه ما يناسب جرمه العظيم. والمصباح الكهربائي، الذي يمنحنا ضوءاً جميلاً، هو أيضاً لابد أن يحترق.

أنك تعيب الشمعة إذ تترك بسبب احتراقها سخاماً. فلا تريد لهذا السبب أن يكون المعلم -شمعة- كي لا يترك -سخاماً-. ما ذنب الشمعة، وقد أنارت لأجيال كثيرة من البشر، متعتهم بالنور، حتى أنها -ولأنها كانت أرقى وسائل الإنارة- عاشت حقبة كبيرة من الزمن في قصور الأغنياء والمنعمين، بعيدة عن أكواخ المعدمين! وظلت حتى يومنا هذا رمزاً للنور والمعرفة. ولهذا السبب أطلق القدماء على المعلم هذا القول -شمعة تضيء وتحترق- ليته كان -شمعة- فمن الممكن أن نجمع حطام الشمعة الذائب فيعود شمعة من جديد. إن أقرب شبه للمعلم -جسر خشبي- يعبر عليه الملايين أو الألوف، حتى إذا تآكلت الأخشاب أبدلت بغيرها، ورميت إلى اللهب لتتحول إلى رماد.

كم يا أخي من المعلمين أضاؤا واحترقوا، ولم يتركوا سخاماً. تركوا ذكرى عبقة كأريج الزهر، تزيد أرجاً كلما تقدم الزمن. ولكن الأكثرين أيضا احترقوا وتركوا سخاما. لأنهم ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا شموعا في الظلمة تنير حسب ما يرغب المتحكمون/ الجمعة 30/3/1973)

مربي بهذه الروح وبهذا الفكر لا تذهب جهوده سدا مع تلامذته. فقد برهن تلامذته من مدينة الناصرية مدى وفائهم وحبهم وتقديرهم لمعلمهم. فهم لم ينسوا دور الوالد في توجيههم وتشجيعهم نحو الأدب والاهتمام بلغتهم العربية. وعاش الوالد ولمس وفاء بعض طلبته النجباء -من مدينة الناصرية- فيذكر ذلك بفخر في موضوعة -حصن الاخيضر- فيكتب: (وقد لمست ثمر نهجي هذا، حين التقيت بعد حقبة من الزمن وعن طريق الصدفة ببعض طلبتي، وقد أصبحوا من حملة شهادة الدكتوراه، أو من الأدباء البارزين في فن القصة والرواية. أحدهم التقى بي في اتحاد الأدباء وقدمني متباهيا لنخبة من الأدباء، تحلقوا حول طاولة. فرد عليه أحدهم: لَمْ تقدم لنا من لم نعرف أو نجهل، إنه صديقنا وزميلنا وعضو في الإتحاد .... ولكنه راح يسرد لهم حكاية تأثيري فيه، ويذكر بإعجاب: إني ما أزال أعتبر إن بعض حكاياته هي التي دلتني على الطريق اللاحب. أذكر منهم الدكتور صلاح مشفق، واعتقد أنه ليس من أهالي الناصرية ولكن أخاه موظفا فيها، ومنهم القاص النابه عبد الرحمن مجيد الربيعي، كان أبوه شرطيا وكان يهتم بابنه اهتمام عارف، ويتفقد سلوكه في المدرسة، وكان هو مؤدبا ومجدا).

إن أفضل شهادة على دور الوالد كمربي وإخلاصه وحبه لعمله التعليمي في توجيه تلامذته الوجهة الصحيحة هي شهادة بعض الأوفياء ممن تركت توجيهات الوالد أثرا في حياتهم. وسأترك القارئ مع بعض ما كتبه تلامذته الطيبين.

في حديث للأستاذ القاص عبد الرحمن مجيد الربيعي في مجلة -الزمان الجديد- بعددها السابع/ منتصف مايو 2000 في زاوية -الدرس الأول- تحدث عن دور معلمه علي الشبيبي في اكتشاف موهبته الأدبية وتوجيهه الوجهة الصحيحة، فكتب: (... تلك هي الدروس الأولى التي اقترنت كلها بالعقاب البدني والتي كونتني بشكل آخر.

لكن الدرس الذي قادني إلى الأدب كان على يد معلمي العظيم المرحوم علي الشبيبي الذي كان رجل دين نزع العمامة وارتدى الملابس المدنية. وكان رجل أدب وشعر وهو شقيق المرحوم الشبيبي الذي اعدم مع فهد مؤسس الحزب الشيوعي، وقد علمت هذا لاحقاً لأنه لم يرد إثارة هذا الموضوع وقتذاك.

ويمكنني القول دون تردد أن معلمي علي الشبيبي هو "مكتشف" موهبتي الأدبية عندما أنتبه إلى كتاباتي في درس الإنشاء وكنت آنذاك في السنة الرابعة من الدراسة الابتدائية.

وصار يمدني بتوجيهاته واذكر أن هديته لي عندما نجحت -الأول- في الامتحان النهائي كانت مكونة من أربعة كتب مازلت أتذكر أن احدها لمحمود تيمور والآخر لعبد المجيد لطفي الذي كان يحظى باحترام كبير نظرا لشجاعته ومواقفه الوطنية التي قادته للسجن مراراً.

وعندما يأتي من ينتبه إلينا، إلى قدراتنا، ويمنحنا الثقة، ويضعنا في أول الطريق الموصل ولا يتركنا نتخبط فإننا نكون بهذا من المحظوظين. فتحية إجلال لذكرى معلمي الجليل علي الشبيبي أبو كفاح وهمام الذي لولاه لما اختصرت المسافة إلى الكلمة. لما كنت ما أنا عليه بكل ما قدمت وبعناد واعتداد لابد منهما لكل من يدخل عالماً مكتظاً وعجيباً أسمه "الأدب" فيه من الذئاب والأفاعي أكثر مما فيه من الحمائم والغزلان)

أما الأستاذ د. محمد موسى ألأزرقي كتب في خمس حلقات (عن الطفولة والأمهات والوطن الذبيح) وتطرق في أكثر من حلقة عن دور معلمه علي الشبيبي في تنمية قدراته في اللغة العربية واهتمامه بتوجيهه الوجهة التربوية الصحيحة. ومما كتبه في الحلقة الأولى (کنا منذ الصغر مولعين بالقراءة والتظاهر بأننا مثقفون. وقد عمل استاذنا علي الشبيبي، معلم اللغة العربية علی ترسيخ السمة الأولی فينا، دون الثانية .... وقد اکتسب ذلك الولع بالنسبة لي طابعاً آخر بفعل تشجيع استاذي علي الشبيبي، الذي وجد ان "صوتي جميل" وکان يطلب مني ان "اجوَّد" بعض السور القصيرة خلال ساعة درس مادة الدين والقرآن)

ويضيف الدكتور الأزرقي في الحلقة الثانية (.... إني شخصياً اعترف له فضله في توجيهي لحب اللغة والأدب والقرآن، فما زال صوته يتردد في مسامعي وهو يتلو قصيدة الفخر بالأرض العربية ومهبط الوحي بلا شوفينية وبدون تطرف:

لحصاها فضل علی الشهب     وثراها خير من الذهب
تتمنی السماء لو لبست         حلة من ترابها القشب

ويواصل الدكتور الأزرقي فيكتب في الحلقة الرابعة (کان المرحوم علي الشبيبي، وهو أخو الشهيد "صارم" الذي اُعدم مع الشهيد "فهد"، مرشداً حقاً. فعلی مدی ثلاث سنوات، منه تعلمت قراءة القرآن بشکل صحيح، أين أقف، وأين امدُّ الکلمة، وأين أشدُّ عليها، وأين أغير نغمة صوتي. تعلمت منه حبَّ العربية وآدابها وقراءة الشعر والقاءه، فقد کان هو نفسه شاعراً. ومع انه بدأ حياته کرجل دين، فأنه نزع العمامة، واصبح معلماً متفتح الفکر سليم السيرة، يجعل الطالب يشعر أنه أکثر من معلم له، ويمکن الأعتماد عليه والثقة به، رغم أنه کان جاداً للغاية فيما يتعلق بأداء الواجبات وحسن التصرف والسلوك).

ورغم الظروف الصعبة التي كان يعاني منها الوالد فهو لم يتوان عن متابعته للأوضاع السياسية المحلية والعربية والعالمية. فيتناول ما أستجد من أخبار علمية ومن أحداث سياسية، ويكتب رأيه فيها بصراحة دون تحفظ. وكعادته تبقى صفة حب التعرف على وطنه والإطلاع على مدنه وما تحويه من كنوز وآثار تلازمه بالرغم من ضيق مورده المالي. وخلال جولاته القليلة يتحدث عن مشاهداته بأسلوب شيق محاولا أن يغني مادته بما سمعه وشاهده وقرأه من معلومات.


ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد ‏‏10‏/2‏/2011
alshibiby45@hotmail.com 
 

3- عودة ومصائب وعواصف
(3)

مرحباً بالعيد

لست مبالغاً إن قلت إني لم أعش في أمن، ألم يقل الإمام الحسين، هيهات، هيهات، لوترك القطا لغفا ونام.

حين عدت إلى النجف لأقضي شهري العطلة الصيفية، استأجرت بيتاً كيلا أَجَر على الأب الشيخ بعض ما أحتمل وقوعه. رغم إني لم أتي بجناية، ولكنهم اعتبروني "حِسَن"؟

أصبحت قرينتي تقص عليّ حلماً، إنها تدين بصحة الأحلام، أما أنا فلا. قالت كنت كأني أعود من بيت عمي. ولدي "محمد" الصغير، يمشي إلى جانبي، في هذه الأثناء أقبل شرطي قصير أسود الوجه، فأختطف صغيري، وتوارى عن نظري، ورحت أصرخ وأستنجد بالمارة أن يمسكوا به فما أفلحوا. وعقبتْ، هذا الشرطي موجود فعلاً، طالما رأيته، في مخفر باب الصحن، أو في السوق، لكن ما معنى هذا؟

قلت دعي عنك الوساوس والأحلام. كنا نقضي النهار في بيت الوالد، من أجل أن نتقي حر تموز في السرداب. بعد تناول الشاي عصراً تهيأت، فاعترضني الوالد.

- أجلس حدثني، أنا غير مرتاح، أحس بضيق الصدر.

اعتذرت بأني أريد أخذ الأطفال للحلاق، فالعيد بيننا وبينه أربعة أيام، كان هذا يوم 31/7/1948. وخرجت أصحبهم. وفي السوق الكبير اعترضني -وهذا أغرب ما رأيت- نفس الشرطي الذي حدثتني عنه قرينتي في حلمها، وقف إزائي وقال:

- عمي. الأفندي يريدك.

- الأفندي منو؟

- مأمور المركز.

- حاضر. أذهب وسآتي بعد أن أصل إلى الحلاق ليحلق هؤلاء الأطفال.

لكنه أصر. وبين الغضب والنكتة قلت له "أنا أريد أن أوصلهم إلى الحلاق وأنت تريد أن تحلق لحيتي على كيفك!". وبين إصراري وإصراره، وصلت الحلاق، وطلبت منه أن يسلمهم لمن يعرفني ليوصلهم إلى البيت -بعد الحلاقة- وليخبرهم بما حدث.

والتقيت بالأفندي في الطريق. سلمت عليه، وسألته ما يريد. كان لا يعرفني. فرد عليّ، من أنت. سبقت الشرطي، وأجبته. رحَبَ وأعتذر، وقال "سأعود بلا زحمة انتظرني في الإدارة؟"

وصحبني الشرطي إلى هناك، لكنه أدخلني غرفة التوقيف؟! وبت ليلتي دون أن أراه، طبعاً بلا زحمة؟ وجاء من أهلي بعضهم يحمل زاد العشاء، ويستوضح السبب. أنا لا أعرف أي سبب لهذا الأجراء، غير إني في نظرهم "حِسَن".

في اليوم الثاني استدعاني. عرض عليّ جملة أسماء، من تعرف منهم؟ المحامي موسى صبار، المحامي عزيز عجينة، المحامي محمد زيني. قلت طبعاً لأنهم أبناء بلدي، ولكن لا صلة لي بهم غير السلام إذا التقيت بهم في الطريق، أو ضمنا مجلس.

وجاء باسم لا يعرفه جيداً، ألتبس عليه الخط، قال هل تعرف جواد الشبيبي؟. قلت نعم، إنه والد الشيخ محمد رضا الشبيبي؟ ألم تسمع به؟

- لا، لا. هذا معلم وشاب، هاك، لاحظ، لعلك تعرف الخط مشوه؟

حدقت فيه ملياً، وقلت أنا أيضاً لم أستطع أن أتبينها.

وراح يمعن النظر ويسأل تذكر من تعرف؟ جواد؟ شبيبي؟ شيبيني؟

قلت لا يوجد في عائلتنا غير الشبيبي الكبير "شيخ جواد" ولا أعرف أحد غيره.

كان في الإدارة معه مختار طرف المشراق "..... شبيل" أنا في الواقع أدركت أن المقصود صديقي وزميلي أبو غالب "جواد شبيل" أبن عم المختار هذا. وسأل عن المظاهرات التي حدثت في النجف خلال وثبة كانون، ومارس ومايس. قلت كنت موقوفاً في التحقيقات الجنائية من 9/1 حتى 11/3/1948 وأطلق سراحي ببراءة، وعدت إلى مقر وظيفتي في "گرمة بني سعيد" في لواء الناصرية. وحضر والد زوجتي ليتكفلني، فيطلق سراحي. وتم ذلك، إذ وراء الأكمة ما وراءها يا "حِسَن".

على كل حال حل العيد وأنا بين أهلي وأطفالي. وعدت أواخر آب إلى الناصرية. بعد أيام من أيلول 1948 تم نقلي إلى مدرسة "السيف الابتدائية" في الناصرية. كانت بيتاً عادياً لا يصلح لمدرسة أيضاً. لكنها منتظمة، مديرها الشاب مجيد وحيد شاهين، الصموت أغلب الأحيان، هو لا يثرثر رغم معاقرته الخمرة كل ليلة في النادي. وعهد إليّ بتدريس العربي -على العادة- لكني لا أكتم الحقيقة، إني في قلق، بعد التوقيف واستفسارات مأمور مركز شرطة النجف.

يوم 13/12/1948 أطل الفراش "عُقلة" على غرفة الإدارة، وهي تجمعنا بالمدير دائماً. وقال عمي إلك منادي! وجدته شاباً عرفته رغم إني فارقته منذ كان تلميذاً في مدرسة الكوفة الابتدائية. صافحني وسأل: "علمنا أن الوالدة عندك. يرجى إرسالها إلى بغداد حالاً، لأمر هام، والدك قال هذا. لا تقلق. مع السلامة".

ودعوت والدتي التي كانت قد سافرت إلى أخيها في "كوت الخضر" جاءت والذعر مرسوم على وجهها. تسائلني، وتلح، ما الخبر؟ أصدقني. أمس يبني أبصرت حلم. وارتعت أنا! ويلي أهكذا نعيش في الأحلام في اليقظة والمنام؟!. أكملي يا أمي ماذا رأيت؟

وقصت عليّ: "في البيت قفص فيه ثلاثة بلابل. فتحته لأقدم لها الطعام والماء، فطار الثلاثة، فأصابتني الدهشة، والذعر. واحد كان على ستارة للجيران، وآخر أسمع صوته يغرد ولا أراه، أما الثالث، فلا أثر. وذهبت إلى المطبخ فإذا بالنار تشب فوق رأسي؟ وجلست مرعوبة. قل لي بربك ليش تريدون أسافر إلى بغداد؟" (فعلاً أعدم أخي حسين، وحُكم على أخي محمد علي بالسجن لمدة عشرة سنوات مع خمسة سنوات من الإقامة الجبرية في بدرة، ولم يطلق سراحه إلا في ثورة 14 تموز عام 1958. أما أنا فقدمت إلى المجلس العرفي في نيسان ومايس 1949 مرتين، وكانت التهم ملفقة، كما سأذكرها في دورها من هذه الذكريات).

قلت لا أعلم، لكني أرى أن تسافري إلى النجف لمعرفة السبب الداعي من أبي! لك الله من أم، ما أشد ما تعانين، وما أقسى سهام القدر التي تستهدفك. لأكتم عنها ما رأيت من حلم أنا الآخر، صرت كالآخرين أخشى الأحلام، كمن يؤمن بها تماماً.

أقسم بحياة أغلى الناس عندي إني لم أسمع، ولم أقرأ في كتاب عن إنسان بهذا الاسم "النعمان بن بشير" الاسم عربي ولكن أهو حقيقة، شخصية موجودة أو كان لها وجود. ثم ما العلاقة بين هذا المسمى العربي النعمان بن بشير وبين "مدحت باشا" التركي الذي عاش في العراق والياً، من قبل السلطة العثمانية. مدحت باشا خير والٍ عثماني عرفه العراق، في عدله، وحدبه على العراق، وقد بذل جهده في خدمة العراق، هو الذي عمل على تأسيس مدينة الناصرية، كي يقضي على انتفاضات أو عصيان عشائر المنتفك. وأنا الآن في الناصرية، ولقد مات مدحت باشا خنقاً ومظلوماً لأنه لا يريد فقط أن يجعل من هذه المواطن العربية التي يحكمها العثمانيون، باسم خليفة، بقرة حلوباً، تجبى منهم الأموال، وديارهم خراب، وأغلبهم فقراء. أذن ما علاقة هذا الاسم العربي النعمان بن بشير بهذا الشهيد الحر؟

قال لي -في الحلم- أنا أتخفى، جئتك لأكلفك بشراء كؤوس زجاجية عليها صورة أخي مدحت باشا أشتري لي منها، أنا لم أشهده. قتل خنقاً، وحزوا رأسه، وقد صرت أعيش متشرداً متنكراً بعده ....؟ الحلم طويل، بقيته رمز!

بعد أيام جاءت أليّ من أبي رسالة في 3/12/1948 فيها، إن كل ما علمته عن أخيك، أنه سحب هو وأثنين من رفاقه من سجن الكوت ولا يعلم أحد إلى أين ؟!

فينا صفة غريبة، لا أدري بمَ أفسرها، أهي صبر، أم عدم تنازل للحاكمين، أم هو جبن؟ أعرف أن أبانا، لا يخشى ظالماً، ولا يتملق ذا وجاهة. وأنا اثبت لنفسي أني لم أدنس كرامتي، باعتراف مشين رغم ما لقيت (مرّ ذكر ذلك في عنوان -الصدف اللعينة-). ولو حدث مني مثل هذا لقضي على أخي وعلى رفاقه الآخرين. ألا يكفي هذا دليلاً على صحة ما أقول!؟ التحقيقات حاولت هذا مني خلال توقيفي في 9/1/ 1948.

وفي صباح جمعة لقيني أحد تجار الحبوب، كان هذا من هواة صداقة الموظفين وخاصة مراتب الشرطة والشعبة الخاصة. أوقفني وقال: سمعت أمس خبر من معاون الشعبة إن الحكومة قبضت على مندائي شيوعي كبير، وهذا أعترف على جماعته كلهم، وقبضوا عليهم هَمِنه!

- ما عرفت أسمه منهم؟ أجاب: اليوم أحاول.

وانتابني ضجر عميق، هنا فك رمز الحلم، جرذ أسود كأنه ميت، على طاولة حانوت البائع الذي قصدته لشراء ما طلب مني ضيفي المشؤوم "النعمان بن بشير" كمية المشمش الجاف في صندوق مكشوف كانت تتحول إلى ديدان تدخل فم الجرذ الذي لم تبدُ عليه حركة تدل على أنه حي! حتى إذا لم يبق من المشمش شيء أنقض على الجرذ قط أسود أختطفه واختفى. لكن من هذا الذي قام بهذا الفعل الشنيع، انه بمنتهى الخسة والوضاعة والجبن! (وفي عام 1976 كنت أقرأ كتاب "علي صوت العدالة" لمؤلفه جورج جرداق. فإذا به يذكر حواراً جرى بين النعمان بن بشير -بأمر معاوية- وقيس بن سعد بن عبادة صاحب الإمام علي في حرب صفين. إذن النعمان هنا يمثل معاوية. جاء نذيرا لك يا علي فيما سيصيب أخاك "حسين" الذي رمز له العقل الباطن بـ "مدحت باشا" وذلك الجرذ كان "مالك سيف" أما القط فهو التحقيقات الجنائية)

ولكن أي قانون يجيز محاكمة المواطن بجريرة سبق أن حكم بها ولم يقض المدة التي ما يزال بسببها نزيل السجن؟!

على أية حال ما باليد حيلة!

عيـد بأية حــال عـدت يا عـيد       بما مضى اَمْ لأمر فيك تجديد

نَعـبَ الغراب؟!

هذه أبيات من قصيدة لديك الجن الحمصي في رثاء أخيه:

هـو القلب لمــا حُــمَّ يـومُ إبنُ أمه      وَهى جانب منه وأســـقِـم جـانب

ترشـــفتُ أيامي وهـــن كـوالـــح      عليك وغالبت الردى وهو غالب

ودافعت في صدر الزمان ونحره      وايُّ يدٍ لي والـزمـــان محــارب

لازمني القلق وأخذ يشتد، من تلك الأحلام، والخبر الذي علمته من أبي. فصرت أقصد نادي الموظفين عصراً إلى ما بعد الغروب بأكثر من ساعة، علّ نبأ يذاع من الراديو، إذ لم أكن أملك راديو إذ ذاك، وعسى أن يكون خيراً.

يوم الثلاثاء 15 شباط 1949 الساعة السادسة غروباً، بدأ صوت المذيع يذيع "أحكام المجلس العرفي" صوته عليه رنة انفعال، لست أدري أهو للنبأ المحزن، أم هو الحماس للظفر، والنصر المؤزر، لحكم الوكيل العام.

سكنت حركة لاعبي النرد، والأزنيف؟ وأقبل الجميع من جلاس النادي، قرب الراديو يصغون بصمت، المقدمة طويلة، على عادتهم في التهريج والتطبيل، وتضخيم التهم. وقفت أنا قبل الآخرين، لست أدري، ماذا كان الآخرون يرونه من تغير ارتسم على ملامح وجهي، كنت أصغي تماماً ناسياً كل شيء آخر. حتى انتهى إلى ذكر الأحكام التي لم أعد بحاجة لأنتظر ما بعدها. تحركت لأنسحب، ولم أرتبك. فسألني الحاج طالب:

- ما هو موقف الشيخ محمد رضا؟ ألم يكن ممكناً أن يخلصه من الإعدام؟!

قلت: لا أدري! وأدرت وجهي لمغادرة النادي.

قال له آخر كان إلى جانبه: يا حاج، هذا أخوه؟!

صفق الحاج بيده، وقال: وواقف يسمع؟!

ردَّ عليه الرجل: هُمّه بگدْهه! لكني أسرعت قبل أن أسمع التعليقات.

اخترقت الشارع بسرعة لم أعتد عليها، وكأني أمشي بالشارع خالياً من الناس، والناس كما هم ملء الشارع، أتراهم عرفوا الخبر، لم أسلم على أحدٍ، لم يعترض أحد أيضاً، بل لم أدر، هل الناس الذين كنت أمر بهم -وأنا لا أنظر إليهم- كانوا على سجيتهم يتحدثون، أم هم في صمت؟ كأي مواطن هنا هزه النبأ؟!

وجدت زوجي مشغولة بصب الطبيخ في المصفاة، فانفجرت مستعبراً، أبكي كالنساء "أتركي كل شيء، أعدي ما يلزم، الآن سنسافر إلى النجف" لم أدعها تتكلم، صحت: حسين حُكم عليه بالإعدام! فصرخت هي الأخرى، ودوى صوت أطفالنا بالبكاء والعويل.

هكذا قدمنا ما لدينا من طعام إلى الجيران، وخرجنا إلى القطار، يصحبنا بعضهم مواسين. أنا في ذهول لا يوصف، فركبت قطار البصرة بدلاً من قطار بغداد، لو لم يتدارك الأمر شخص يعرفني وعلم بالواقعة.

كنت أعتقد إن الحكم لم ينفذ بعد؟ فشفيق عدس، لم يصادق عليه التمييز إلا بعد مرور خمسة وعشرين يوماً. وهو متهم بمد الصهيونية بالمال، فهل يبلغ استهتار الحاكمين إلى حد أنهم يتروون بأمر صهيوني، ويستعجلون بالموت على مواطنين عراقيين عرب؟!

أفكر، أن أحث أبي حين أصل، أن يسارع فيتشبث، ويراجع، عسى أن يبدل حكم الإعدام بالسجن؟!

أقبلت على البيت، فاعترضني شرطي، وصاح به آخر: دعه، أنه من العائلة!

عدد من الشرطة يراقبون البيت، لا يسمحون بالدخول لكل أحد، أو يستجوبون بعضهم؟! لقد انتهى أذن كل شيء. إذن فعلها الأنذال. نفذوا الحكم، ثم أذاعوا قرار المحكمة. كان القرار قد صدر يوم الخميس 10/شباط/1949 وقد صودق تلفونياً -كما ذكر هذا أخيراً-!؟ ونفذ فجر 14 و 15/شباط 1949. وقد أشرت إلى هذا في إحدى قصائدي برثائه:

ظالم من جبنه في حكمه        بعد أن نفذ ما شاء أذاعا

إنهم جميعاً ينوحون ويعولون، ورحت دون وعي أنوح مع الأم الثاكل والأخت المنكوبة.

أمي لم تهتدي إلى مكان احتجازه إلا ليلة إعدامه!؟ حيث أعلموا أبن عمها الشيخ باقر الشبيبي تلفونياً قبل ظهر يوم الاثنين 14/2 بعبارة مقتضبة " إن كان لـ .... أحد يريد مواجهته، فليتوجه إلى الموقف العسكري في أبي غريب!" وسارعت تصحبها زوجته وأمها.

أخذ يملي على سمعها وصيته. قولي للشيخ (المقصود محمد رضا الشبيبي/الناشر)، ولأبي، ليس لديهم ما يدينونني به غير شهادة سافل واحد؟! صاح الضابط الذي يجلس خلف منضدة، يسجل ما ينطق به هو أو من يقابله: رجاءً لا تتعرض لأي موضوع غير أن تودع أمك!. ردّ عليه: لا بأس أصدروا حكماً آخر بالإعدام! فصاحت الأم يا ويلتاه! لكنه طالبها بالصبر، وأستمر: جاؤني بمعمم من شاكلتهم، لأشهد على يديه "أن لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله ..الخ" فطردته، إني من بيت رجاله أهل دين وأدب، لا حاجة لي بمثلك. صاح الضابط ثانية يعترض. وأكمل: أقيموا لي فاتحة؟ لم تعد أمنا تعي من الأمر شيئاً وهي تشهد السلاسل تربط يديه إلى الأرض. وانتهت عشرة الدقائق المخصصة لزيارته، وعادت إلى بيت ابن عمها.

لم تغمض لها عين، حتى إذا أشرقت الشمس، رن جرس التلفون يعلن للشيخ: أن تهيأوا لاستلام جثمانه!؟

هل استلموه؟ كلا! الشرطة وضعوه بسياراتهم، أرغموا العائلة أن تسلك من بغداد إلى كربلاء، وتوجهوا هم به إلى طريق الحلة!.

ودفن عند حلول الظلام، وأرسلوا من يدلهم على القبر!؟

لقد ودع الشعر بآخر قصيدة "تحية أيار" منذراً عبيد الاستعمار بقوله:

سننسف أركان ما شيدوا        فلا العبد يبقى ولا السيدُ

حسبه، وحسبنا، إننا لم ولن نتراجع أو نتخاذل أمام عسفهم واضطهادهم. وإنا نفخر إننا قدمناه قربانا من أجل الوطن والشعب المضطهد المغلوب على أمره. ورحت أرثيه أمام أبي وهو ينشج، ويقول: سميته يا أبا عبد الله باسمك، وها هو قد لقى الشهادة صابراً محتسباً.

لقد منعنا من إقامة الفاتحة من الرجال ومن النساء. وفي عام 1958 وانبثاق فجر 14 تموز عند وفاة والدي في 7/9/1958 أقيمت الفاتحة للشيخ الذي فضح الطغاة من على المنبر، وتحمل عسف الظالمين، ومضايقاتهم له، واعتقاله عدة مرات. وجد الأدباء متنفساً فتباروا في تقديم المراثي، عن جهاد ولده الشجاع، الصادق، المتفاني ... من أجل الحرية والاستقلال، ومن أجل الجماهير العاملة، وكيف قارع أشد أعوان الاستعمار، وانتهت حياته وهو ثابت الجنان، صلب العود، لم يلن ولم يتراجع، ولم يستسلم لأرادتهم. ثم يعرجون على صبر الشيخ المنكوب، ووقوفه بشموخ يفضح نوايا سماسرة الاستعمار من على منبره المكتظ بالألوف، وتعرض لأقسى أنواع المضايقات إذ يؤخذ ليلاً من فراشه ليرموه في موقف سجن خارج النجف، في كربلاء، أو عين التمر، فلم يخيفوه ولم يهادن.

لا تحضرني الآن غير كلمة الشهيد كامل القزانجي، وهو يصف أبنه الشهيد "حسين"، كيف فارقهم قبيل الفجر، وأعلن مودعاً "أخوان في أمان الله أنا ذاهب لينفذ بي حكم الإعدام -أي جلد هذا-". ويقول قزانجي "هذه الكلمة -في أمان الله- كنت أسمعها من النجفيين أيام كنت مدرساً وكان الشهيد أحد تلامذتي".

وفي كلمة الأديب ومدير التوجيه والإعلام ذو النون أيوب: "ويوم أغتال المجرم الأكبر نوري السعيد -الشهيد حسين محمد الشبيبي- ظن كما ظن أمثاله الحمقى، أنه قد أطفأ النار المتأججة بقربة النفط. ولم يخمن قط إن الحبال التي التفت حول أعناق الأبطال الأربعة المناضلين هي نفس الحبال التي سحب بها جثمانه في شوارع بغداد. لقد زاد استشهاد الابن الشاب الأب الشيخ أيماناً فاشتدت عزيمته، وتضاعفت همته وفجر بركان غضبه على ألاثمة المعتدين فقارعهم هو وأفراد أسرته مقارعة لا هوادة فيها ولا لين".

هل ارتوى ظمأ نوري المتعطش لسفك الدماء؟ لقد ورط صالح بمعاهدة بوتسموث فأفشله مثلما أفشل قبله الأرعن أرشد العمري، ليقضي على الحركة الوطنية، فاندحر مهزوماً بعد أن لطخ يده بدماء شهداء كاورباغي ومظاهرات الشباب في بغداد.

ثم دفع الصدر ليهدّء فورة الشعب بعد صالح، ثم بمزاحم، وقد كان بحاجة إلى أن يرد اعتباره، فيما واجه عام 1931 من إضراب العراق من أقصاه إلى أقصاه. فقال شاعر العراق مشيراً إلى جواب مزاحم المستخف بالشعب حين أبلغ إن الإضراب عم العراق من شماله إلى جنوبه قال "أنا الآن مشغول بتلميع حذائي!"

خبروني بأن عيشة قومي       لا تساوي حذائك اللماعـا

فماذا الذي فعل مزاحم في وزارته هذه؟ لاشيء سوى البطش بالصحف الوطنية، ربما أعتبر كبس مطبعة الحزب الشيوعي نصراً عظيماً لم يكسبه قبله أحد؟

ولكن فاته إنه غادر الوزارة مهزوماً مروعاً من الأزمة المالية التي قيل عنها. لقد بدأت أيام صالح واشتدت أيام الصدر. فماذا فعل مزاحم الذي أعلن عاقبة استمرارها؟ وسارع نوري إلى أخذ زمام الوزارة، ليكسب فخر العثور على بيوت الحزب، وإنزال الضربة القاصمة بالحزب بإعدام قادته الميامين. وقد فعل، ولكنها ليست من جهود وعبقرية أجهزته، إنها من خونة ملّوا المسيرة وتعبوا وأدركهم الخوف في ميادين معارك النضال، فدبروا أمر تسليم كل شيء. ورضي "مالك سيف" لنفسه أن يتحول شرطياً برتبة معاون في التحقيقات الجنائية. وقد علمنا أن بعد اعترافاته، وإعدام قادة الحزب، أصدرت التحقيقات "الموسوعة السرية" وهي بقلم مالك سيف -وأن لم يذكر ذلك- وقد أخرجت الموسوعة بطريقة لتنشر الشك والريبة بين أعضاء الحزب وأصدقائه، وانه عين بدرجة معاون شرطة تحقيقات براتب يناسب خيانته ونذالته.

ولكن الحركة لا ولن تموت أبداً، مهما طبل حكم نوري وزمرته، وأعلن الفرح والتشفي بعد فشل مخططه الذي أوكل أمر تنفيذه لصالح جبر، وان يوماً عصيباً لابد انه آت يوسد به نوري ملفعا بالخزي والعار بدل الأكفان، وينثر لحمه بيد الناقمين بدل القبر واللحود. وقلت في إحدى قصائدي في رثاء أخي:

حـلفت يمينـــاً لا أســـيل مدامعـــي      إذا لم تُسـل من قاتليك الدما الحمــرُ

بيـــوم ســيأتي لـيس منه تخلــــص     يضيق على الطاغي به البر والبحرُ

الصحف الموالية للحكم ظهرت غداة إعدامهم بعناوين بارزة. تهلل وتكبر للنصر العظيم، وصور الشهداء على صفحاتها مشوهة. لكن الناس علقوا بأسىً "لابد إنهم عانوا المر من التعذيب والوحشية".

ولم نسمع عن موقف الأحزاب الوطنية والتقدمية شيئاً مطلقاً!؟ ولا غرابة. وهنا السر والسبب في إخفاقات وتعثر الحركة الوطنية. قادة الحركة الوطنية في العهد الملكي بغض النظر عن كل اندفاعاتهم وحماسهم، فان صفة غير مناسبة ولا صالحة، تمتلك نفسياتهم، هي حب الظهور على المسرح وحدهم. وكل يريد القيادة له دون غيره! هذا ما شهدناه بالعين والسمع، في الدعوة إلى الجبهة الوطنية الموحدة. لقد فشلت المساعي رغم اللقاءات المتواصلة بين الأحزاب الثلاثة، التي هي في الواقع نموذج واحد. والسبب الهام هي أنهم يعتقدون إن حزب التحرر الوطني، وجه علني للحزب الشيوعي؟! ونسوا أنهم يهدفون في مساعيهم السياسية إلى نفس ما يهدف إليه الشيوعيون.

لازمت الأحزاب الصمت، وكأن الذين أعدموا كانوا زمرة من أجانب ومجهولين! بينما هم لم يغمطوا حق الأحزاب الوطنية والتقدمية، وقادتها، ولم ينكروا مكانتهم في النضال والحركة الوطنية. فحين وجه الإدعاء لفهد تهمة "بأنهم يثيرون المظاهرات ليقلقوا البلد!؟".

أجاب فهد: "ونسب الإدعاء العام إلى حزبنا جميع الأعمال والنشاط السياسي والوطني والعمالي، التي حدثت في العراق في السنوات القليلة الماضية. كإضراب عمال السكك، وإضراب الطلاب، والمظاهرات التي حدثت في بغداد والبصرة، وإضرابات عمال النفط في كركوك، وتلقين جماهير الشعب الشعارات الوطنية كالجلاء وإلغاء المعاهدة ..... إننا فخورون أن تنسب إلينا مثل هذه الأعمال الوطنية، لكن الحقيقة يجب أن تقال، وهي إن حزبنا لم يخلق الحركة الوطنية في العراق، وليس هو الوحيد في حقل النضال الوطني. فهناك عناصر وطنية عملت وتعمل."

للأسف ضاع مني كثير من الوثائق التي بذلت جهداً في الاحتفاظ بها، من تلك جريدة القاعدة من أول عدد حتى عام كامل. وفي دفاتر خاصة دونت بعض أخبار وكلمات لقادة الحزب وساسة العهد الملكي وجرائد عراقية وعربية فيما يخص الحركة وقادتها. وكان أهم سبب في ضياعها غارات الشرطة على بيتنا للتفتيش مما اضطر زوجتي أثناء توقيفاتي أن تتخلص منها. ولذا حين بدأت أواصل كتابة ذكرياتي، لجأت إلى بعض المصادر التي نشرت أخيراً واقتبست كلمة دفاع فهد من كتاب "الصحافة العراقية والحركة الوطنية" لمؤلفه الأستاذ قيس عبد الحسين صفحة 129.

لقد انتهى دور أخي ورفاقه. ولكن الحركة الوطنية لن يخمد لهيبها، ولن تقف أبداً. سيتقدم لراية النضال من يحملها، حتى يقبر نظام خانقي الشعب وماصي دمائه. إن الحياة إلى الأمام دائماً. ولا يستطيع أحد أن يوقف حركة دوران الأرض. إنها كما قال برنو "ستبقى تدور وتدور" سيأتي يومك يا نوري، وكل آتٍ قريب!


يتبـــــــــــــــع


السويد 20‏/02‏/2011


من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (21)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (20)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (19)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (18)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (17)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (5)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (4)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (22)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (5)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (4)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (3)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (2)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (1)



 

free web counter