محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com
الجمعة 14/1/ 2011
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي
(1913 – 1996)محمد علي الشبيبي
مقدمة ألناشر
"الدرب الطويل" هذا عنوان القسم الثاني من "ذكريات معلم". ففي القسم الأول "معلم في القرية" تناول والدي حياته التعليمية في قرى الفرات الأوسط منذ أواسط ثلاثينات القرن الماضي، وكان حينها غير مرتبط بأي حزب أو تنظيم سياسي، وإنما كان يحمل فكراً وطنياً تحررياً متأثراً بما يحمله من تربية دينية متحررة.
كتب والدي في القسم السابق "معلم في القرية/السياسة والأدب" كيف كان يفكر قبل أن يتفتح فكره بانتمائه السياسي. فكتب (هكذا كنا نخوض السياسة بفهم خليط بين الطائفية والوطنية بل وحتى الإقليمية أحياناً. ونتعصب للملك وهو آلة أختارها الإنكليز، ووطنيته ليست أكثر من لافتة، يحافظ بواسطتها على تاجه، بين الذين جاؤا به لينفذ مطامعهم، وبين مطامح رعيته. هكذا كنا نعتقد إن مهدي المنتفكي ورستم حيدر شيعيان ووطنيان في آن واحد، ولا نفهم مركزهما الطبقي. ولم نفكر ما عوامل مجيئهما إلى الحكم وذهابهما عنه).
وفي "الدرب الطويل" يتناول والدي ذكرياته التعليمية بعد أن أرتبط تنظيمياً بالحزب الشيوعي العراقي، وأحدث هذا الارتباط في حياته وتفكيره تغييراً جذرياً. نعم أنه "الدرب الطويل"، فالطريق الذي سار عليه الوالد بعد ارتباطه التنظيمي طويل وشاق. كله أشواك، وتجوب فيه ضواري بشرية نهمة، لا تعرف حدودا للاكتفاء ولا أي معنى للإنسانية، وكل ما يهمها الدفاع عن مصالحها الطبقية الأنانية وزيادة أرباحها بمزيد من الاستغلال للطبقات الكادحة. ومن يختار هذا الطريق عليه أن يكون صبورا وشجاعاً، وأن تكون طاقته على التحمل ومقارعة الظلم والإصرار خيالية مع علم بالمصير - كما يقول -. ويشير والدي بكل تواضع إلى إمكانياته وقدرته، ويقارن ذلك بإمكانيات وقدرة شقيقه الشهيد حسين "صارم*" وفي موضوعة "أحلام اليقظة مع ذكريات عن بلدي" يكتب: (الحق إني غير أخي "صارم" ذلك الصلب العنود، الذي وضع رقبته على راحة يده. وهو يؤكد لي دائماً، إن الطريق طويـــل جداً يا علي إنه أطــول من "وادي الأحلام"!؟ ربما لا أستطيع تحديده لك مطلقاً. ربما لا يرى الفجر الذي ننتظره إلا أحفادك، أو بنوهم. أما نحن فمهمتنا أن نعبد الطريق - ما استطعنا - من أجلهم!. هي منه دعابة معي، فـ "وادي الأحلام" إحدى قصصي التي كنت أنحو بها منحى كتابات جبران الرمزية وقد نشرت في مجلة العرفان العدد .... صحيح إني أملك طاقة من الصبر ليست بالعادية، ولكن الذي أختلف فيه عن أخي الشهيد حسين "صارم" هو ليس الصبر وحده، انه الصبر والإصرار مع علم بالمصير!؟)
جذور الوالد الاجتماعية وتربيته العائلية وتأثره بالمواقف الوطنية لرجال العائلة من آل الشبيبي كالشيخ الكبير جواد الشبيبي وأبنائه العلامة الجليل محمد رضا الشبيبي وشاعر ثورة العشرين محمد باقر الشبيبي. إضافة إلى دور بعض الأساتذة في مدارس النجف من كان لهم دورا في نشر الوعي الوطني، أمثال: ذو النون أيوب، كامل القزانجي، وجعفر الخليلي وآخرون، تركت تأثيرها عليه، فكان يحمل في ذاته خامة أصيلة من الإخلاص والوطنية وخدمة شعبه بعيدا عن المنافع الذاتية والأنانية. ولهذا رفض مقترح عميد الأسرة "محمد رضا الشبيبي" للعمل كقاضي وفضل العمل في التعليم. فكتب: (كنت أنزع إلى أن أزج بنفسي في معترك الخدمة الأساسية، ضد الجهل الآفة المدمرة، التي تسبب العقم، وتحد من قابلية الأمة في مضمار التطور واللحاق بركب الأمم المتحررة من الجهل والمرض والفقر. وما أجد في وظيفة القضاء؟ غير أن أتورط في حكم باطل، في أمر طلاق! أو مسألة ميراث، أو مشاكل المتزوجين في حياتهم التي هي عمومها لم تبن على أساس الخيار، بل الاضطرار وأحياناً كثيرة الجبر والإكراه. /معلم في القرية/ مع المعلم).
لهذا كله كان المربي الراحل ينظر إلى التعليم باعتباره رسالة إنسانية سامية لمكافحة الأمية ونشر الوعي الوطني، فيكتب: (... معلم يحمل رسالة، يعرف أن أمامه العقبات الصعاب، والمخاطر التي قد تؤدي به إلى الهلاك. إنه يدرك إن الجهل عدو، له حلفاء يسندونه، هما المرض والفقر. فلا مناص إذن لهذا المعلم من التنبيه خلال عملية التعليم إلى هذين العدوين في حلفهم البغيض. المعلم الذي ينشئ أحراراً، لا ليصيروا له عبيداً، المعلم الذي يجعل الحرف مضيئاً ينير السبيل للسارين، لا ليؤلف كلمة ميتة، أو جملة خاوية لا معنى لها..... هذا هو المعلم الذي أعجبني أن أكونه، لا في المدرسة وعلى أسماع الصغار، بل في كل مجال تسمح به المناسبة./ معلم في القرية/ مع المعلم)
في هذا القسم "الدرب الطويل" يتحدث المربي الراحل عن بداية اكتشافه الطريق الصائب في تحقيق الاستقلال الوطني والتحرر الاقتصادي والقضاء على الاستغلال بكل أنواعه، ولماذا سار في هذا الدرب الوعر. فيكتب: (إني أكره الاستغلال. أحب أن أتحرر فكرياً. كم تمردت على بعض العادات. كم أطلقت لنفسي العنان في مجال اللهو. وتهربت من كثير من الالتزامات. كم شاركت بالحركات الوطنية، وأحببت أفكاراً خلتها هي السبيل الصائب إلى تحرير نفسي، وتحرير بلدي وأمتي. ولكن ما هي القاعدة الأساسية والعلمية إلى تلك المنطلقات؟/الدرب الطويل/ بداية الطريق). ويواصل الكتابة ليؤكد اهتدائه - عبر شقيقه الشهيد حسين "صارم" (*) - للإجابة على تساؤلاته لمعرفة الأسس والمنطلقات العلمية لتحرير البشرية من العبودية والاستغلال. فقد حدث تطور هام وحاسم في حياة شقيقه الشهيد حسين. أنعكس هذا التطور إيجابيا أيضا على فكر ومنهج والدي في الحياة التعليمية والاجتماعية.
في أيار/حزيران (1) من عام 1941 نشر الشهيد مجموعة من المقالات السياسية والاجتماعية في مجلة "المجلة" لصاحبها ذو النون أيوب. وقد أعجبت هذه المقالات هيأة تحرير مجلة "المجلة" ووجدت في الشهيد حسين وكتاباته وعياً طبقياً فطرياً، وقدرة جيدة على التحليل، إضافة لتمتعه بصلابة واستعداد للتضحية. وبناء على هذا التشخيص استدعته هيأة تحرير مجلة "المجلة" لمقابلتها. واعتقد أن هذا الاستدعاء حدث في تموز/آب (1) 1941. وسافر الشهيد لمقابلة هيأة تحرير "المجلة"، وهناك ولأول مرة قابل الشهيد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي "فهد " (*) . فيكتب والدي واصفا مشاعر شقيقه حسين بعد عودته من أول لقاء بالشهيد الخالد "فهد": (عاد بعدها وعلى وجهه شعاع مبهج، وبين جوانحه عزم يكاد يطير به. أسرّ إليّ أمراً. علمت أن "المجلة" لسان فئة نذرت نفسها لتحرير الفكر، وتحرير الوطن. إنها تنهج في سلوكها منهجاً علمياً. وفق أحدث نظرية أثبتت علمياً إنها هي ولا غيرها الطريق إلى تحرير الإنسانية من العبودية بكل أشكالها./ الدرب الطويل/ بداية الطريق)
وهكذا بدأ والدي، في بداية النصف الثاني (1) من عام 1941، عبر شقيقه الشهيد حسين العمل التنظيمي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي. وقد صادف بداية انتظامه فترة الحرب العالمية الثانية وتأثيراتها على الطبقات الفقيرة والمسحوقة وما سببته من ارتفاع الأسعار وانتشار الفساد الإداري والمالي وانعكاسه على الشعب. وكان من باكورة نضالهم في مدينة النجف المبادرة لكشف الفساد، والمفسدين من المسؤولين الإداريين. مما سبب نقمة السلطات السياسية عليهم ومحاربتهم من خلال النقل الإداري والفصل والاعتقال.
كان لانتمائه للحزب الشيوعي تأثيره الايجابي في طريقة تفكير الوالد في إداء رسالته التعليمية، فيكتب : (الواقع إني غيرت كثيراً من نظراتي في مواد دروس العربية، في الأمثلة، ومواضيع النحو، في الإنشاء، والمحفوظات. سخرتها جميعاً لبث الوعي، ولكن بحكمة، وأسلوب لا يثير./الدرب الطويل/ مدرستي)
وبحكم جذور الوالد الدينية، حيث كانت دراسته ذات أساس ديني، كما خطط له والده، نجده دائم الاستشهاد والمقارنة بآيات قرآنية أو أحاديث شريفة. فهو ينتقد بشدة المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتشددين الروحانيين، ويفضح التناقضات الصارخة في سلوكيات البعض. كما يفضح أساليب التضليل وتخدير المجتمع من قبل المسيطرين على المؤسسة الدينية من رجعيين ومتخلفين، من خلال نشرهم المفاهيم والمقولات المخدرة فيكتب (كان الوعاظ يعينون الطبقات المتنفذة، بما يبثونه من فكرة بين أوساط الكادحين والمستغَلين، كقولهم: "الفقراء عيالي والأغنياء وكلائي. وخير وكلائي أبرّهم بعيالي!"/الدرب الطويل/ بداية الطريق)
خلال تنقله بين مختلف المدارس المنتشرة في مناطق الفرات الأوسط، واحتكاكه بمعلمين بمختلف المستويات والانحدارات الاجتماعية والقومية والمذهبية، تعرف من خلال ذلك على الأفكار الطائفية والقومية المتطرفة وتأثيرها على الوحدة الوطنية والوعي الوطني، فاكتشف في الفكر الاشتراكي العلمي العلاج الوحيد والأنجع لمرض الطائفية والتطرف القومي. لذلك لم يكن تبنيه للفكر الثوري عبثياً أو مزاجيا وإنما عن قناعة مطلقة بصواب هذا الفكر، فكتب: (وإذا اختَرتُ طريق الاشتراكية العلمية، فذلك لأني أدرك أن رجال المال من أية قومية، عرباً أو فرساً أو أكراداً إلى آخره، هم الذين عملوا ويعملون لإثارة النعرات القومية والطائفية ليلهوا الجماهير عن معرفة أسباب بؤسهم وشقائهم. ليبقوهم عبيداً يشيدون الجنان ويوفرون بكدحهم كل أسباب الرفاه لأولئك الأسياد./ الدرب الطويل/ المعلم النطاح)
ويتحدث الراحل باختصار عن نشاطه الحزبي الذي استمر فقط لست سنوات تقريبا (1941- 1947). ساهم خلالها مع بعض رفاقه وبأشراف شقيقه "حسين" على وضع الأساس المتين في بناء وتطوير تنظيم الحزب في النجف. فبعد أن تخلى بهدوء عن قيادة المحلية المعلم إسماعيل الجواهري، أصبح الراحل مسؤولا عن محلية النجف منذ أواخر عام 1943. كما ساهم بحضور الكونفرنس الحزبي الأول ومؤتمر الحزب الأول. للأسف يتجنب الوالد الحديث عن هذه الأحداث المهمة بالتفصيل، وذلك خوفا من وقوع مخطوطته بيد أجهزة الأمن في العهد الملكي والعهود التي تلته، إضافة إلى ضياع الكثير من مدوناته المهمة بسبب سوء الأوضاع السياسية، كما هو يشير إلى ذلك.
ولا يتهرب الوالد من الحديث عن الصراع الذاتي الذي عاشه قبل أن يتخلى عن العمل الحزبي المنظم. ففي موضوعة "أتق شر من أحسنت إليه" يكتب بشجاعة وصراحة نادرة: (أحس في نفسي صراعاً حاداً، هل أستمر، أم أضع للأمر حداً؟ .... إني في صراع عنيف مع نفسي، أشعر بضعف ينتابني، بل يسيطر عليّ. ومن الخير أن أتنحى كيلا أخسر شرف الكلمة، وأجني على سواي، بلطمة من شرطي، أو تعذيب في ضربات خيزرانته فينهار بناء، وأكون مثلا ولطخة عار). ويواصل الكتابة ليثبت تأريخ أعتزاله العمل الحزبي، ورفضه طلب مرجعه الحزبي "مالك سيف" للانتقال إلى جانبه للعمل الحزبي في بغداد وإصراره على قرار التنحي من المسؤولية والحزب، فيكتب (وأجبت، أصر على ذلك . كان ذلك في 12/10/1947، ولم ألتحق بعد هذا بأي جماعة).
ويؤكد الراحل بألم من خلال كتاباته عما أصابه من إجحاف وتشويه من قبل أحد أصدقائه بعد أن ترك المسؤولية الحزبية لهذا الصديق. لذلك يكتب عن هذا ببعض التفصيل والألم. وهي قصص كنت أسمعها من الوالد والوالدة عن موقف هذا الصديق. فكتب ما يلي: (لم أكن مطلقاً أفكر بأي احتمال، فقد ألقيت عن عاتقي عبئ كل مسؤولية، وطلقت العمل الحزبي، وخرجت من العهدة، دون أن أكون آثماً بحق أحد، وعلى علم من صديقي "م" والذي ألتزم المسؤولية بعدي! أليس هو رفيق الشباب، وأيام جامع الهندي، وأندية النجف الأدبية. ومنه تعرفت على المجلات التي تعني بالفكر التقدمي!؟/ الدرب الطويل/ ليد القدر).
ويؤكد المربي الراحل دائما أن السبب الذي دفعه لاعتزال العمل الحزبي شعوره وتقديره بأنه غير قادر على تحمل تبعات ومسؤوليات العمل الحزبي، والتوفيق بين مسؤولياته الحزبية وواجباته العائلية. لكنه يشير في أكثر من مرة في مذكراته، أن تركه للعمل الحزبي لم يعفيه من هذه التبعات والمسؤوليات ولم يبعده عن النضال بصلابة من أجل القضية الوطنية. واستمرت الأجهزة الأمنية دائما بالتعامل معه وكأنه أحد قادة المنظمات الحزبية، وأحياناً يرون في سلوكه وعلاقاته الاجتماعية أكثر خطورة من أي مسؤول حزبي!؟
وبالرغم من اعتزاله العمل الحزبي منذ أواخر تشرن أول 1947، لكنه يصر على مواصلة النضال والإخلاص لرسالته التعليمية السامية كما آمن بها. فيكتب رسالة لصديقه ورفيقه السابق "جواد كاظم شبيل" جاء فيها: (... ولكني أفهم إني واحد من ملايين في بلادي تكرع كؤوس الشقاء. وعلينا أن نواصل المسير في توعية الذين يبنون الحياة بسواعدهم./ الدرب الطويل/ رسالة إلى الكبائش). وبقي الراحل مخلصا لمفاهيمه التربوية والوطنية إلى آخر أيامه. لذلك فإن الأجهزة الأمنية في كل العهود كانت تضايقه وتضعه في رأس قوائمها وتنشر حوله هالة من المسؤولية الحزبية لتبرر ملاحقاتها ومضايقاتها له!.
في بعض الأحداث تطرق الراحل لبعض الشخصيات فتجنب ذكر أسمائهم الصريحة، وأحيانا كان يشير إليها بالحرف الأول، ومرات أخرى يشير إلى الاسم بنقاط -فراغ- لكنه يذكر الاسم كاملا في هوامشه. فكتب في أحد هوامشه تحت عنوان "مدرستي": (لم أصرح بأسماء بعض الذين أذكر عنهم شيئاً، خصوصاً إذا كان ما فعلوه غير مستساغ، فقد انتهت حياة أكثرهم. المهم ذكر ما فعلوه، ولهم الرحمة). لذلك وجدت أن التزم بما انتهجه الوالد في تجنب ذكر بعض الأسماء.
* * * *
(1) لابد من التأكيد من أن ارتباط الشهيد حسين "صارم" بالحزب وبالتحديد بسكرتير الحزب "فهد" كان في أواسط عام 1941. وللأسف لم يشر والدي في ذكرياته مباشرة في أي شهر بدأت هذه العلاقة. ولكن من خلال ربط وتسلسل تأريخ بعض الأحداث التي ذكرها الوالد يمكنني أن أجزم، أن الأشهر المثبتة هي الأقرب إلى الصواب والدقة.
(*) "صارم" الاسم الحزبي للشهيد الخالد عضو المكتب السياسي حسين الشيخ محمد الشبيبي. و"فهد" الاسم الحزبي لمؤسس وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي الشهيد الخالد يوسف سلمان يوسف. و "حازم" الاسم الحزبي للشهيد الخالد عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي زكي محمد بسيم.
ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد 06/11/2010
alshibiby45@hotmail.com
2 - الدرب الطويل
(16)الليلة الأولى بعد نهار طيب
حين ودعت الموقف في سراي كربلاء إلى بغداد، بصحبة شرطي حسب الأصول، أخرجني ذلك الشرطي بدون كلبجة "قيد" فصاح به شرطي كان يقف بدور الحارس على المدخل بصوت شرس "ليش ما خليت بيده كلبجه؟ مأمن؟ ها، ذوله، لا ترحمهم!".
هذا الفضولي كغيره من صنفه، لا يملك من السلطة إلا هذا التنمر، الذي لا يدل إلا على الروح الكلبية التي نماها فيهم المؤسس الأول "الإنكليز". في أيام الاحتلال البريطاني لعراقنا الحبيب، أسسوا سلك شرطة يدعونهم –شبانه- وقد تقمص هؤلاء نفس سلوك ووحشية وشراسة الإنكليز في معاملة الناس.
ببغداد توجه بي الشرطي إلى مركز شرطة السراي. بعد أن استلمتني إدارته، جرني شرطي آخر إلى التوقيف، تقدم إليّ شرطي مبهوتاً، والدهشة تصرخ بوجهه، أقبل عليّ يصافحني ويقبلني، قلت "من أنت، أرجو أن تذكرني، أنا ناسٍ!"
ردّ علي أنا ناصر ... أنا من ذاق إحسانك، لا حاجة لأسمي، دعني أقوم بالواجب نحوك. لن أنسى طيبك معي ... ويؤسفني إني لم أتذكر لحد الآن من هذا الناصر الطيب؟ ربما كان من طلابي القرويين، فقد خدمت في قرى كثيرة وكنت أندمج مع ذوي الطلاب بصحبة فأزورهم، وأسمر معهم في بيوتهم الخاصة.
حين دخلت إلى الموقف، سلمت على نزلائه، بعد ربع ساعة عاد ناصر يحمل صينية صغيرة فيها طعام –كباب وخبز-، اعتذرت منه وشكرته، وعاد ثانية مع ثلاث بطانيات فصار لدي أربعة.
حياني بعض الحاضرين، ورددت التحية. وحين توجهت إلى برميل في ركن هذه الزنزانة نهض أحدهم يتمشى، كان في بداية الكهولة، أخذ يتمشى جيئة وذهاباً. وكلما أقترب مني يسأل "اعتقدت إنك أخو حسين ومحمد علي، إنك شبيه بهما تماماً!".
حقاً انه ذكي، لم يسبق لي أن رأيته، ولكني كنت أسمع عنه. قال "انه صادق الفلاحي". أعرف انه يعمل في إحدى النقابات التي تتبع قيادة داود الصايغ. أخي محمد علي يعرفه جيداً.
وأستمر الفلاحي "المجاور للشباك، الضابط العسكري بهاء الدين ، صاحبه عريف في الجيش، كلاهما كرديان من جماعة المللا. وأشار إلى آخرين، عسكريان من بلاد السوفيت، كانا في البصرة من الجيش الذي يسلم السلاح الأمريكي إلى الإتحاد السوفيتي. الباقون أحذرهم إنهم سفلة ومجهولون".
أطلت وقوفي بحجة التبول، لأستوعب هذه الملاحظات، فهي نافعة في مثل هذه الزنزانة. وحين عدت إلى المكان الذي احتجزته، قدم لي الضابط "بهاء الدين" بعض المجلات، منها "كل شيء والدنيا" وبعد الاستفسار عن راحتي، قال "لا تأكل سيأتي غداؤنا ونأكل سوية". وفعلاً وصل طعامه، وطعام الفلاحي، فأكلنا سوية. وقدموا منه إلى العسكريين السوفيتيين، كانا كبيرا السن، أحدهما مريض. أحد الموقوفين كان مساعد سائق، في سن شاب مراهق، أحدى عينيه عوراء. فاجأنا يتذمر "شلون هاي عيشة ويه ها الملاعين الوالدين كلهم قمل!". مشيراً بذلك إلى السوفيتيين.
صرخ به الضابط تأدب، هذا القمل صار فيهم من بلادك، وليس من بلادهم، ولو كنت موقوفاً أو سجيناً عندهم، لما اختلفت حياتك عنها خارج السجن. إنهم غرباء فتأدب معهم. لكن هذا كان صلفاً. فهدده الضابط، أن يخرجه من هنا إلى موقف آخر.
فتحت المجلة، رحت أقلب صفحاتها. صدفة غريبة أن أجد فيها هذا العنوان "تيموشنكو القائد السوفيتي من أصل عربي مسلم". وفي الكلمة تفصيل عن أسرته كيف ومتى أقامت هناك.
من نزلاء الموقف موقوف تركي، أعور أيضاً، على رأسه طربوش أحمر "فينة" كان يتحدث مع السوفيتيين بالفارسية. قدمت المجلة مفتوحة على الصفحة التي فيها صورة تيموشنكو. وأشرت إلى التركي أن يترجم لي ما يقولان. أخذها أحدهما وقدمها لصاحبه المريض، وهو ينبهه بلهجة تنم عن فرح غامر وابتهاج، ويقول له "دَ داش، تيموشنكو!؟" وأبرزها أمامه. قال التركي، انه ينبهه إلى صورة تيموشنكو. ثم تطوع التركي ليقص عليّ حكاية توقيفهم.
- كانا قد أجيزا ليتوجها لزيارة العتبات المقدسة، الكاظمية، كربلاء والنجف. فالقي عليهما القبض، بتهمة إنهما يتجولان ليتصلا بالفلاحين، مع العلم إنهما لا يتكلمان العربية ومن سكنة باكو السوفيتية.
حين كنا نتناول الطعام جاء الطعام المفروض من المركز. انه من التمر الرديئ والصمون الأسود المتيبس. مما دعى الضابط إن ينبه الأعور ثانية، فقال:
- أتقبل أنت أن تعطى في حال مرضك تمر وصمون؟ هذه هي معاملة حكومتك لغريب يقع في أسرها. كم حاولوا أن تبلغ سفارتهم، ولا أحد يتطوع فيعلمهم بأمر هذين؟.
الأعور لم يعد إلى الكلام، لعله أدرك الخطأ.
في الساعة الثانية عشر ليلاً فتح شرطي باب الزنزانة، وناداني "المعاون يريدك". وحين دخلت، وجدت في غرفة المعاون شخصاً بديناً بالزي الاعتيادي، على رأسه صدارة وطنية. سلمت، فاستقبلني بوجه باش، وأشار المعاون إليه: أن استلم.
قال الرجل، تفضل! وسرت مع الرجل جنباً إلى جنب دون أن يضع في يدي "الكلبجة" في التحقيقات الجنائية، أدخلني في غرفة فيها رجل أقرب إلى الشباب منه الكهولة، أنيق المظهر، فسلمت. وأشار إلى كرسي فجلست، وتوجه إليّ "أهلاً علي، شلونك، أنشاء الله مرتاح! أنا المفوض محمد علي حسون!"
- انشاء الله. وددت لو ضحكت من هذا السؤال وجوابي. يبدو وكأننا متعارفان منذ القدم. وبلطف دخل في الحديث معي. قال "أرجو أن لا تنزعج من بضع أسئلة، ربما تكون في صالحك!".
أجبت "لابد من الإجابة ولا مجال للانزعاج". وراح يسأل، الاسم الثلاثي واللقب، المسكن، العمل، الأب، الأخوة وعمل كل واحد منهم، هل لي ميول واتجاهات سياسية، ارتباط بجمعية أو حزب. وفي الساعة الثانية غادر الغرفة، بعد أن قال، لحظة سأعود. وحين عاد إلى حيث كان جالساً، جاء بعده شخص يحمل صينية شاي. وشربت، وهو يحاور دون أن يسجل من الحديث شيئاً، وكأنه حديث ودي. ونهض ثانية وعاد فأشار أن أتبعه.
دخلنا غرفة واسعة فيها اثنان، أحدهما "عباس الديك" بطل المصارعة المعروف، أما الثاني فكان ضخم الجثة، ذا رقبة غليظة، كان لحمها ذا طيات، على عينيه عوينات من نوع "كعب بطل" كما يعبر العامة. نهض هذا وكأنه حيوان تهيأ لاستقبال فريسته. قال بانفعال:
- ولك وين كنت؟ وقبل أن أجيب، خرج عن هدوئه وراح يلعن ويشتم، ولم يتحرج أن يضمن شتائمه أقذر الكلمات والفشر، ولم يستثني أحداً من رجال الأسرة، ممن هو أبعد أن يكون عن كل تهمة، اللهم إلا إنهم ليسوا من جماعة صاحب الفخامة، وتطورت شتائمه، وكانت شتائم من نوع الكفر والاحتجاج على الله، وقذف بوجهي آخر تهديد بذيئ "الليلة أنـ... ربك؟!" وكرر ولك وين، بيا سرداب بيا بيت، كنت مختفي؟
والتفت إلى المفوض محمد علي، أخذه، ذبّ الليلة بالطامورة، وباكر أراوي ربّه بعيونه.
وعدت للغرفة مع محمد علي. بعد أن استرجعت أنفاسي، جاء الشرطي يطلب أحضاري إليه ثانية، وذهبت بصحبة المفوض محمد علي. هذه المرة لم يكتف بالسباب والشتائم، بل أنهال عليّ بالركلات والكفخات أيضاً. أترى أيصح أن أتهم "الديك" الذي لازم مكانه في كلا المواجهتين بالصمت؟ يبدو انه من صنفهم، وإلا ما معنى وجوده بهذا المكان المشؤوم؟ وفي هذا الوقت؟ وعدت إلى حيث كنت، وكأن رأسي قد تورم، وفاجأني صداع شديد. بعد استراحة وجيزة، قلت بلهجة متعب، تقطعت أنفاسه "أرجو أن تعود إليه أنت، فقد بدا لي من حديثه، أن في الأمر توهم، واشتباه!".
- كيف
قلت "لقد كرر علي قوله، وين كنت!؟ كنت معلماً، وفصلت، وأخذت أراجع الوزارة من أجل أن أحصل على التوقيفات التقاعدية، وستأجرت حانوتاً، بقيت أباشر العمل فيه لإعاشة عائلتي، استغرقت مراجعاتي لهذا ما يقارب الثلاثة شهور، وحتى استدعائي وجلبي إليكم مخفوراً منذ يوم 1/3/1947، فمتى اعتبرت متخفياً؟ أحين كنت معلماً، أمارس التعليم في مدارس رسمية، أم حين فصلت، أم حين راجعت الوزارة، أم عندما فتحت حانوتاً، ويعرف كل الناس هذا عني؟!".
ونهض المفوض، وعاد بعد دقائق يستدعيني لمواجهته، كان أسمه "نايل عيسى" وجدته قد غير لهجته، فقال بصوت اعتيادي "يابه العفو، آذيناك، صحيح مو أنت. أنت شسمك؟"
فأجبته: علي. ردّ عليّ، هذا هو السبب، تشابه الأسمين. والتفت إلى المفوض "رجعوه إلى الموقف، وبكره نطلب أطلاق سراحه!".
هكذا إذن. لقد فهمت الآن من يقصدون، ولكن ألم يتحروا دار أبي بسببه عدة مرات؟ فما معنى هذا إذن؟ وأعادني نفس الشرطي الذي جلبني. كان ثرثاراً، أو أن هذا المطلوب منه أيضاً. كان ينصحني "انك رجل تبدو عاقلاً ومحترماً، لهذا كان الأحسن أن لا تحاول المغالطة، قول، أعترف، وأنطي التوبة، ومن تاب، تاب الله عليه ... تعرف لو أنت تقول الحقيقة شلون أتريح نفسك".
وجدت الموقوفين جميعاً يغطون في نوم عميق، وحين فتح الشرطي باب الزنزانة أحدثت صوتاً فأستيقظ ذوو الشعور منهم، وأقبلوا عليّ يهونون علي الخطب، لا بأس، ونرجو أن تكون اجتزت المحنة دون خذلان. قال أحدهم: خذ راحتك.
انطرحت على فراشي، وسرعان ما نمت كمن عبّ من الخمرة أكثر مما يحتمل. وفي الصباح عند الفطور أنبأتهم بموقف "نايل عيسى" أولا وأخيراً. وبدا دوام الدوائر، فاستدعيت إلى دار التحقيقات. هذه المرة إلى غرفة معاون آخر هو "عبد الرزاق عبد الغفور". هذا كان أسمر بشرة الوجه، رشيق القوام، في عينيه انحراف في حول بسيط يكاد لا يبين. أنيق المظهر مثل صاحبه "الحسون".
حين أدخلت الغرفة لم يكن حاضراً، لذا أغلقها الشرطي علي. وحين جاء هو بدا متجهماً، وتوجه إلي "أسمع علي. أنا أعرف أنك لست أنت المقصود. المقصود هو أخوك محمد علي. ولهذا سوف لن أطلق سراحك حتى تتعهد بالبحث عنه أو تدلنا عليه، فأنت تعرف طبعاً أين هو الآن؟!".
توقفت عن الإجابة قليلاً، خفت أن يكون كزميله نايل، ولا أدري لماذا وكيف أنطلق لساني، وبشكل نقاش، حيث بدأت بقولي "أنت بالطبع مسلم، والآية الكريمة تقول -ولا تزر وازرة وزر أخرى- هب أن لأخي ذنب، فما شأني أنا؟ أنا رجل متزوج، لي عدد من الأطفال، وأنا أدير حانوتاً بسيطاً لأعاشتهم. ولا أعلم عن أخي أين يقيم ولماذا تبحثون عنه؟".
ردّ علي "أنا مستعد لتزويدك بما تحتاج من مال لتبحث عنه، وتخبرنا لنتولى القبض عليه!"
- أنا كأخ لا يمكن بحال من الأحوال أن أقوم بهذا، ولو إني أعلم عن محل إقامته لأخذت والدتنا لرؤيته فهي تكاد تموت جزعاً وإشفاقا عليه. هل تريدني أن أجوب البلاد وأنا لا أعرف عنه شيئاً؟
- أنا خارج. سأغيب مقدار ساعة، عليك أن تنهي هذه الأعذار. وعند عودتي إذا لم تكشف عن محل وجوده فسوف لن أطلق سراحك، وتعرف ماذا يحصل لك؟!
وعاد بعد ساعة بالضبط. يبدو عليه الأسف، وقال "أنا آسف إن الحاكم قد أفرج عنك، وأشار إلى الشرطي، دعه يخرج". قلت: لا. أرجو أن يذهب معي إلى مركز السراي، لأتسلم حاجاتي. ولكي لا يعيدوني إلى الموقف. أشار الشرطي بالموافقة. أما هو فغادر الغرفة بصمت.
عدت إلى أهلي، ومارست بعد يوم عملي في الحانوت، مرّ أحد معارفي، وهنأني على الخلاص، وقال "أنت تعرف جيران حانوتك، وغطرستهم، فليس غريباً أن تتعرض لوشايتهم. أن جنجون –جيم فارسية- بمثابة –قواد- لأبن السيد المحترم، لهذا ثأر لصاحبه حين سببت له الحجز لأنه رمى بباب حانوتك –الطرقة-، ولو كان أمر توقيفه بيد غير الحاكم ياسين لهان الأمر. ولكن ياسين الذي لم يعرف أن عرف وجهاء البلد حاكماً قبله، لا يعترف بمقامهم. لذا أشعر أبنه –ح- وجنجون عزيز عليه، وقد دبرا أمر ابلاغ مديرية التحقيقات إن محمد علي المتهم الهارب، يعيش في حانوت مجاور لبيتنا؟!". وختم كلامه، لا تتحدث عني بهذا. ومضى لسبيله. هذا الواشي صاحب جنجون بحكم مركزهم في سدانة الروضة الحيدرية ابلغ عني التحقيقات مموها عليهم وهو يعلم إن الاسم الذي قدمه لهم هو أسم أخي محمد علي، ولكن دلهم على حانوتي. والمختفي هو أخي ولست أنا!؟.
أجل أن هؤلاء لا يتركون سفالة لا يرتكبونها إلى حد الجريمة. آباؤهم يعلمون كل شيء عنهم، ولعلهم مثلهم، ولكنهم يبدون وكأنهم الصلحاء. ثم لا يتورعون، ولا يصدهم دين ولا ضمير، عن إيقاع من يكرهون بين شدقي الموت.
أتق شرَّ من أحسنت إليه
بمَ أفسر ما أشاهد من أحلام مخيفة، وهواجس مقلقة، وكوابيس ثقيلة، دائمة مستمرة. لست أومن بالأحلام، ولست بالمريض، فما مصدر كل ذلك. أنا واثق من نفسي، ومنظم في كل ما أعمله، مقاييسي وخطواتي صحيحة، لست أشك فيما خططت وعملت. ألا يكفي هذا؟
هذه الأيام يتراءى لي إني أرى مخاطر. المح صورها في الأفق. لعل مرد كل هذا، تبدل ربان السفينة، ذاك الذي يحس بالخطأ فيسارع لتلافيه، ويدرك الخطر فيبادر كلمح البصر بالتحذير لتجنبه والخلاص منه.
ولكن مهما يكن من أمر، فإن الانخذال إزاء الهواجس والأحلام، والتوقعات، غير مستغرب لواحد مثلي. كنت قبل اليوم لا أحس بشيء من هذا، لأني كنت أجد من يشحذ عزيمتي بالثقة، ويعزز ثقتي بما أراه فيه من هدوء، وحسن تقدير، وبعد نظر.
لم يسبق أن عرضت أمام نفسي مثل هذا التحذير، الذي تعمق في نفسي، وظل يرن في أذني كصدى صوت يتموج في فضاء. انه يكرر عليّ، أن لزمت الحذر، وسرت باتزان، فلا تنس انه يوجد كثير من يفقد هذه الصفات. معك، وفي المقدمة أفراد، يكرهون الموت، ولا يتحملون الألم، فهم إذن مستعدون، أن يبرءوا أنفسهم، ويتنصلوا من كل مسؤولية! ألم تقل، إنك لا تصدق المتبجح، وتخشى اللئيم، وتحتقر البخيل.
أحس في نفسي صراعاً حاداً، هل أستمر، أم أضع للأمر حداً؟
واليوم أرسل إلي المسؤول الحزبي يطلبني. فزادت هواجسي، ولما أصل إليه وأسمع منه ماذا يريد.
في كازينو روكسي، انتظرته، حسب ما رسم لي. في هذا الكازينو الهادئ، كثير من الشباب، لا أعرف أحداً منهم مطلقاً، حضر المسؤول. دهشت حين التقيت به، هو ذاك الذي كنت في نفسي لا أرتاح إليه مطلقاً، متبجح، ولئيم، وبخيل، إنه مالك سيف. سبق أن شكاني عند "فهد" لأني من أجل أن نضحك قليلاً، وبسبب دعابة بريئة، وخسارة زهيدة "40 فلساً" ثمن أربعة كؤوس شربت. هو الآن بعد أن جلس وتكلف الرزانة، والعظمة، لكني رأيته هراً وليس أسداً. وضع أمامه على الطاولة علبة سجائر أجنبية، وكمية وافرة من الزبيب الممتاز والفستق الأخضر الرائع!؟. أمر مدهش ومحيّر. كيف هذا اليوم، وهو يعيش على حساب حزب ماليته من تبرعات منتسبيه، عمال وكادحين، وصغار الموظفين، وكل ذلك لم يعد يكفي أبداً. فالضربة اللئيمة التي أودت بالمسؤول المرموق "فهد" وبعض الرفاق الذين كانوا المثل في الصمود والثبات، من لهم غير حزبهم، هم وعوائلهم؟ أجل كيف هنا اليوم، بينما أراني ثورة وانفعالا بالأمس يوم شكاني، ليتجلبب رداء العفة، والتقشف، ونبذ الهوى واللذائذ، ثم يتباهى ويتبجح، رفيق "في رأيي إن الشيوعي يجب أن يفهم فيجعل حتى ضحكته جدية، وأبتسامته لأمر عظيم!". ورده فهد "لا تبالغ يا -كـ...- تريد أن تجعل كل رفاقك في زهد أبي ذر، إن لهم أن يمرحوا، ويرفهوا على أنفسهم في ضحكة بريئة، ودعابة ودية، ويتبادلوا مع الآخرين ما ليس من التبذير أو الاستغلال!".
وبدأ حديثه، فهالني أمره. بدأ بالقابعين بعيداً عن ذويهم وأحبابهم في غرف السجون الكالحة، موطدين النفوس على تقبل كل ما تأتي به الأيام. بالغ في تذمره من صعوبة العمل، فكل أعوانه دون ما يجب، أذلاء، ضعفاء، لا يشعرونك ببأس، ولا ترى فيهم إلا اليأس والخذلان! وقال "كبيرنا يريد أن لا نمشي خطوة إلا بعلمه، ولا نبت برأي إلا بتصديقه عليه. وأخوك؟ ابتلانا بزوجته، يجب أن ندفع لها مخصصات لسكنها ومعيشتها وهي عند أهلها. وأخوك الأصغر، نحن في حيرة من أمره، انه غير مهذب مع العوائل التي يساكنها متخفياً، مطاليبه ورغباته محرجة!".
قاطعته بدفاع مختصر عن كل واحد، دفاعاً يعرف هو مدى صدقه، ولا يقوى على رده.
قال "دعنا من هذا أنا دعوتك لأكاشفك -وطبعاً- هذا أعتبره أمر حزبي! أريد أن تنتقل بعائلتك، أخصص لك بيتاً تسكنه لتكون عضدي في إدارة الأمور".
وضحكت .... وقلت "بين ما تبغي وما جئت له بون شاسع، أنت تريد هذا، وأنا أصارحك عما في نفسي، إني في صراع عنيف مع نفسي، أشعر بضعف ينتابني، بل يسيطر عليّ. ومن الخير أن أتنحى كيلا أخسر شرف الكلمة، وأجني على سواي، بلطمة من شرطي، أو تعذيب في ضربات خيزرانته فينهار بناء، وأكون مثلا ولطخة عار".
وكتبت حين عدت، إلى الذين اعتمدوا عليه، بواسطة مباشرة، عادت تعتذر، إنها فشلت ولم تنجح في تسليم الرسالة ولكنها أدت الغرض شفاها؟!. وجاءت بالجواب يدل على عدم صحة ما أدعت. فعجلت بالتنحي. فأرسل لي عبارة مختصرة "أنت واضع اللبنة الأولى في بناء الحركة في بلدك، فلا تنس ماضيك هذا. عد إلى صفوف حزبك وأعتبر هذا خطأ طارئاً منك".
وأجبت "أصر على ذلك". كان ذلك في 12/10/1947، ولم ألتحق بعد هذا بأي جماعة. إن طبعي مسالم لا أحب أن أعتدي على أحد، ولكني مازلت أعتقد والتزم نفس المقاييس لتفهم الأحداث، مضافاً إلى كل هذا لا أنكر إني حقيقة أدركني خوف ورأيت التجنب خيراً من النذالة وافتراس من اعتبرهم بالاعترافات الصحيحة والمبالغ فيها. فتهلك نفوس بريئة وتدمر عوائل.
ماذا يخبئ لنا الغد؟ لست أدري، ولكن أمر يحدث لا محالة. هذا ستكشف عنه الأحداث. وشعرت وكأني سقطت من شاهق إلى واد عميق. فواحسرتاه، ووأسفاه! ليتني أرى أخي فأهمس في أذنه كلمة عتاب. أين ذهبت فراسته ونباهته ولم يكتشف جبن مالك ونذالته، التي انطلت حتى على نباهة وفراسة فهد؟! وكيف أصرت قيادة الحزب، من داخل السجن، على تسليم مالك المسؤولية واقتنعت بقيادته!؟ وهل حقاً إن ملاحظاتي عنه وصلتهم شفاهاً بالدقة التي دونتها وكما أردتها؟ أو لم تقل الحكمة المشهورة "أتق شر من أحسنت إليه"؟!
يتبع
السويد 14/01/2011
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (5)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (4)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (22)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (5)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (4)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (3)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (2)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (1)