| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

محمد علي الشبيبي

Alshibiby45@hotmail.com

 

 

 

الأحد 2/1/ 2011

 

من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي
(1913 – 1996)

محمد علي الشبيبي

مقدمة ألناشر
"الدرب الطويل" هذا عنوان القسم الثاني من "ذكريات معلم". ففي القسم الأول "معلم في القرية" تناول والدي حياته التعليمية في قرى الفرات الأوسط منذ أواسط ثلاثينات القرن الماضي، وكان حينها غير مرتبط بأي حزب أو تنظيم سياسي، وإنما كان يحمل فكراً وطنياً تحررياً متأثراً بما يحمله من تربية دينية متحررة.
كتب والدي في القسم السابق "معلم في القرية/السياسة والأدب" كيف كان يفكر قبل أن يتفتح فكره بانتمائه السياسي. فكتب (هكذا كنا نخوض السياسة بفهم خليط بين الطائفية والوطنية بل وحتى الإقليمية أحياناً. ونتعصب للملك وهو آلة أختارها الإنكليز، ووطنيته ليست أكثر من لافتة، يحافظ بواسطتها على تاجه، بين الذين جاؤا به لينفذ مطامعهم، وبين مطامح رعيته. هكذا كنا نعتقد إن مهدي المنتفكي ورستم حيدر شيعيان ووطنيان في آن واحد، ولا نفهم مركزهما الطبقي. ولم نفكر ما عوامل مجيئهما إلى الحكم وذهابهما عنه).
وفي "الدرب الطويل" يتناول والدي ذكرياته التعليمية بعد أن أرتبط تنظيمياً بالحزب الشيوعي العراقي، وأحدث هذا الارتباط في حياته وتفكيره تغييراً جذرياً. نعم أنه "الدرب الطويل"، فالطريق الذي سار عليه الوالد بعد ارتباطه التنظيمي طويل وشاق. كله أشواك، وتجوب فيه ضواري بشرية نهمة، لا تعرف حدودا للاكتفاء ولا أي معنى للإنسانية، وكل ما يهمها الدفاع عن مصالحها الطبقية الأنانية وزيادة أرباحها بمزيد من الاستغلال للطبقات الكادحة. ومن يختار هذا الطريق عليه أن يكون صبورا وشجاعاً، وأن تكون طاقته على التحمل ومقارعة الظلم والإصرار خيالية مع علم بالمصير - كما يقول -. ويشير والدي بكل تواضع إلى إمكانياته وقدرته، ويقارن ذلك بإمكانيات وقدرة شقيقه الشهيد حسين "صارم*" وفي موضوعة "أحلام اليقظة مع ذكريات عن بلدي" يكتب: (الحق إني غير أخي "صارم" ذلك الصلب العنود، الذي وضع رقبته على راحة يده. وهو يؤكد لي دائماً، إن الطريق طويـــل جداً يا علي إنه أطــول من "وادي الأحلام"!؟ ربما لا أستطيع تحديده لك مطلقاً. ربما لا يرى الفجر الذي ننتظره إلا أحفادك، أو بنوهم. أما نحن فمهمتنا أن نعبد الطريق - ما استطعنا - من أجلهم!. هي منه دعابة معي، فـ "وادي الأحلام" إحدى قصصي التي كنت أنحو بها منحى كتابات جبران الرمزية وقد نشرت في مجلة العرفان العدد .... صحيح إني أملك طاقة من الصبر ليست بالعادية، ولكن الذي أختلف فيه عن أخي الشهيد حسين "صارم" هو ليس الصبر وحده، انه الصبر والإصرار مع علم بالمصير!؟)
جذور الوالد الاجتماعية وتربيته العائلية وتأثره بالمواقف الوطنية لرجال العائلة من آل الشبيبي كالشيخ الكبير جواد الشبيبي وأبنائه العلامة الجليل محمد رضا الشبيبي وشاعر ثورة العشرين محمد باقر الشبيبي. إضافة إلى دور بعض الأساتذة في مدارس النجف من كان لهم دورا في نشر الوعي الوطني، أمثال: ذو النون أيوب، كامل القزانجي، وجعفر الخليلي وآخرون، تركت تأثيرها عليه، فكان يحمل في ذاته خامة أصيلة من الإخلاص والوطنية وخدمة شعبه بعيدا عن المنافع الذاتية والأنانية. ولهذا رفض مقترح عميد الأسرة "محمد رضا الشبيبي" للعمل كقاضي وفضل العمل في التعليم. فكتب: (كنت أنزع إلى أن أزج بنفسي في معترك الخدمة الأساسية، ضد الجهل الآفة المدمرة، التي تسبب العقم، وتحد من قابلية الأمة في مضمار التطور واللحاق بركب الأمم المتحررة من الجهل والمرض والفقر. وما أجد في وظيفة القضاء؟ غير أن أتورط في حكم باطل، في أمر طلاق! أو مسألة ميراث، أو مشاكل المتزوجين في حياتهم التي هي عمومها لم تبن على أساس الخيار، بل الاضطرار وأحياناً كثيرة الجبر والإكراه. /معلم في القرية/ مع المعلم).
لهذا كله كان المربي الراحل ينظر إلى التعليم باعتباره رسالة إنسانية سامية لمكافحة الأمية ونشر الوعي الوطني، فيكتب: (... معلم يحمل رسالة، يعرف أن أمامه العقبات الصعاب، والمخاطر التي قد تؤدي به إلى الهلاك. إنه يدرك إن الجهل عدو، له حلفاء يسندونه، هما المرض والفقر. فلا مناص إذن لهذا المعلم من التنبيه خلال عملية التعليم إلى هذين العدوين في حلفهم البغيض. المعلم الذي ينشئ أحراراً، لا ليصيروا له عبيداً، المعلم الذي يجعل الحرف مضيئاً ينير السبيل للسارين، لا ليؤلف كلمة ميتة، أو جملة خاوية لا معنى لها..... هذا هو المعلم الذي أعجبني أن أكونه، لا في المدرسة وعلى أسماع الصغار، بل في كل مجال تسمح به المناسبة./ معلم في القرية/ مع المعلم)
في هذا القسم "الدرب الطويل" يتحدث المربي الراحل عن بداية اكتشافه الطريق الصائب في تحقيق الاستقلال الوطني والتحرر الاقتصادي والقضاء على الاستغلال بكل أنواعه، ولماذا سار في هذا الدرب الوعر. فيكتب: (إني أكره الاستغلال. أحب أن أتحرر فكرياً. كم تمردت على بعض العادات. كم أطلقت لنفسي العنان في مجال اللهو. وتهربت من كثير من الالتزامات. كم شاركت بالحركات الوطنية، وأحببت أفكاراً خلتها هي السبيل الصائب إلى تحرير نفسي، وتحرير بلدي وأمتي. ولكن ما هي القاعدة الأساسية والعلمية إلى تلك المنطلقات؟/الدرب الطويل/ بداية الطريق). ويواصل الكتابة ليؤكد اهتدائه - عبر شقيقه الشهيد حسين "صارم"
(*) - للإجابة على تساؤلاته لمعرفة الأسس والمنطلقات العلمية لتحرير البشرية من العبودية والاستغلال. فقد حدث تطور هام وحاسم في حياة شقيقه الشهيد حسين. أنعكس هذا التطور إيجابيا أيضا على فكر ومنهج والدي في الحياة التعليمية والاجتماعية.
في أيار/حزيران
(1) من عام 1941 نشر الشهيد مجموعة من المقالات السياسية والاجتماعية في مجلة "المجلة" لصاحبها ذو النون أيوب. وقد أعجبت هذه المقالات هيأة تحرير مجلة "المجلة" ووجدت في الشهيد حسين وكتاباته وعياً طبقياً فطرياً، وقدرة جيدة على التحليل، إضافة لتمتعه بصلابة واستعداد للتضحية. وبناء على هذا التشخيص استدعته هيأة تحرير مجلة "المجلة" لمقابلتها. واعتقد أن هذا الاستدعاء حدث في تموز/آب (1) 1941. وسافر الشهيد لمقابلة هيأة تحرير "المجلة"، وهناك ولأول مرة قابل الشهيد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي "فهد " (*) . فيكتب والدي واصفا مشاعر شقيقه حسين بعد عودته من أول لقاء بالشهيد الخالد "فهد": (عاد بعدها وعلى وجهه شعاع مبهج، وبين جوانحه عزم يكاد يطير به. أسرّ إليّ أمراً. علمت أن "المجلة" لسان فئة نذرت نفسها لتحرير الفكر، وتحرير الوطن. إنها تنهج في سلوكها منهجاً علمياً. وفق أحدث نظرية أثبتت علمياً إنها هي ولا غيرها الطريق إلى تحرير الإنسانية من العبودية بكل أشكالها./ الدرب الطويل/ بداية الطريق)
وهكذا بدأ والدي، في بداية النصف الثاني
(1) من عام 1941، عبر شقيقه الشهيد حسين العمل التنظيمي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي. وقد صادف بداية انتظامه فترة الحرب العالمية الثانية وتأثيراتها على الطبقات الفقيرة والمسحوقة وما سببته من ارتفاع الأسعار وانتشار الفساد الإداري والمالي وانعكاسه على الشعب. وكان من باكورة نضالهم في مدينة النجف المبادرة لكشف الفساد، والمفسدين من المسؤولين الإداريين. مما سبب نقمة السلطات السياسية عليهم ومحاربتهم من خلال النقل الإداري والفصل والاعتقال.
كان لانتمائه للحزب الشيوعي تأثيره الايجابي في طريقة تفكير الوالد في إداء رسالته التعليمية، فيكتب : (الواقع إني غيرت كثيراً من نظراتي في مواد دروس العربية، في الأمثلة، ومواضيع النحو، في الإنشاء، والمحفوظات. سخرتها جميعاً لبث الوعي، ولكن بحكمة، وأسلوب لا يثير./الدرب الطويل/ مدرستي)
وبحكم جذور الوالد الدينية، حيث كانت دراسته ذات أساس ديني، كما خطط له والده، نجده دائم الاستشهاد والمقارنة بآيات قرآنية أو أحاديث شريفة. فهو ينتقد بشدة المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتشددين الروحانيين، ويفضح التناقضات الصارخة في سلوكيات البعض. كما يفضح أساليب التضليل وتخدير المجتمع من قبل المسيطرين على المؤسسة الدينية من رجعيين ومتخلفين، من خلال نشرهم المفاهيم والمقولات المخدرة فيكتب (كان الوعاظ يعينون الطبقات المتنفذة، بما يبثونه من فكرة بين أوساط الكادحين والمستغَلين، كقولهم: "الفقراء عيالي والأغنياء وكلائي. وخير وكلائي أبرّهم بعيالي!"/الدرب الطويل/ بداية الطريق)
خلال تنقله بين مختلف المدارس المنتشرة في مناطق الفرات الأوسط، واحتكاكه بمعلمين بمختلف المستويات والانحدارات الاجتماعية والقومية والمذهبية، تعرف من خلال ذلك على الأفكار الطائفية والقومية المتطرفة وتأثيرها على الوحدة الوطنية والوعي الوطني، فاكتشف في الفكر الاشتراكي العلمي العلاج الوحيد والأنجع لمرض الطائفية والتطرف القومي. لذلك لم يكن تبنيه للفكر الثوري عبثياً أو مزاجيا وإنما عن قناعة مطلقة بصواب هذا الفكر، فكتب: (وإذا اختَرتُ طريق الاشتراكية العلمية، فذلك لأني أدرك أن رجال المال من أية قومية، عرباً أو فرساً أو أكراداً إلى آخره، هم الذين عملوا ويعملون لإثارة النعرات القومية والطائفية ليلهوا الجماهير عن معرفة أسباب بؤسهم وشقائهم. ليبقوهم عبيداً يشيدون الجنان ويوفرون بكدحهم كل أسباب الرفاه لأولئك الأسياد./ الدرب الطويل/ المعلم النطاح)
ويتحدث الراحل باختصار عن نشاطه الحزبي الذي استمر فقط لست سنوات تقريبا (1941- 1947). ساهم خلالها مع بعض رفاقه وبأشراف شقيقه "حسين" على وضع الأساس المتين في بناء وتطوير تنظيم الحزب في النجف. فبعد أن تخلى بهدوء عن قيادة المحلية المعلم إسماعيل الجواهري، أصبح الراحل مسؤولا عن محلية النجف منذ أواخر عام 1943. كما ساهم بحضور الكونفرنس الحزبي الأول ومؤتمر الحزب الأول. للأسف يتجنب الوالد الحديث عن هذه الأحداث المهمة بالتفصيل، وذلك خوفا من وقوع مخطوطته بيد أجهزة الأمن في العهد الملكي والعهود التي تلته، إضافة إلى ضياع الكثير من مدوناته المهمة بسبب سوء الأوضاع السياسية، كما هو يشير إلى ذلك.
ولا يتهرب الوالد من الحديث عن الصراع الذاتي الذي عاشه قبل أن يتخلى عن العمل الحزبي المنظم. ففي موضوعة "أتق شر من أحسنت إليه" يكتب بشجاعة وصراحة نادرة: (أحس في نفسي صراعاً حاداً، هل أستمر، أم أضع للأمر حداً؟ .... إني في صراع عنيف مع نفسي، أشعر بضعف ينتابني، بل يسيطر عليّ. ومن الخير أن أتنحى كيلا أخسر شرف الكلمة، وأجني على سواي، بلطمة من شرطي، أو تعذيب في ضربات خيزرانته فينهار بناء، وأكون مثلا ولطخة عار). ويواصل الكتابة ليثبت تأريخ أعتزاله العمل الحزبي، ورفضه طلب مرجعه الحزبي "مالك سيف" للانتقال إلى جانبه للعمل الحزبي في بغداد وإصراره على قرار التنحي من المسؤولية والحزب، فيكتب (وأجبت، أصر على ذلك . كان ذلك في 12/10/1947، ولم ألتحق بعد هذا بأي جماعة).
ويؤكد الراحل بألم من خلال كتاباته عما أصابه من إجحاف وتشويه من قبل أحد أصدقائه بعد أن ترك المسؤولية الحزبية لهذا الصديق. لذلك يكتب عن هذا ببعض التفصيل والألم. وهي قصص كنت أسمعها من الوالد والوالدة عن موقف هذا الصديق. فكتب ما يلي: (لم أكن مطلقاً أفكر بأي احتمال، فقد ألقيت عن عاتقي عبئ كل مسؤولية، وطلقت العمل الحزبي، وخرجت من العهدة، دون أن أكون آثماً بحق أحد، وعلى علم من صديقي "م" والذي ألتزم المسؤولية بعدي! أليس هو رفيق الشباب، وأيام جامع الهندي، وأندية النجف الأدبية. ومنه تعرفت على المجلات التي تعني بالفكر التقدمي!؟/ الدرب الطويل/ ليد القدر).
ويؤكد المربي الراحل دائما أن السبب الذي دفعه لاعتزال العمل الحزبي شعوره وتقديره بأنه غير قادر على تحمل تبعات ومسؤوليات العمل الحزبي، والتوفيق بين مسؤولياته الحزبية وواجباته العائلية. لكنه يشير في أكثر من مرة في مذكراته، أن تركه للعمل الحزبي لم يعفيه من هذه التبعات والمسؤوليات ولم يبعده عن النضال بصلابة من أجل القضية الوطنية. واستمرت الأجهزة الأمنية دائما بالتعامل معه وكأنه أحد قادة المنظمات الحزبية، وأحياناً يرون في سلوكه وعلاقاته الاجتماعية أكثر خطورة من أي مسؤول حزبي!؟
وبالرغم من اعتزاله العمل الحزبي منذ أواخر تشرن أول 1947، لكنه يصر على مواصلة النضال والإخلاص لرسالته التعليمية السامية كما آمن بها. فيكتب رسالة لصديقه ورفيقه السابق "جواد كاظم شبيل" جاء فيها: (... ولكني أفهم إني واحد من ملايين في بلادي تكرع كؤوس الشقاء. وعلينا أن نواصل المسير في توعية الذين يبنون الحياة بسواعدهم./ الدرب الطويل/ رسالة إلى الكبائش). وبقي الراحل مخلصا لمفاهيمه التربوية والوطنية إلى آخر أيامه. لذلك فإن الأجهزة الأمنية في كل العهود كانت تضايقه وتضعه في رأس قوائمها وتنشر حوله هالة من المسؤولية الحزبية لتبرر ملاحقاتها ومضايقاتها له!.
في بعض الأحداث تطرق الراحل لبعض الشخصيات فتجنب ذكر أسمائهم الصريحة، وأحيانا كان يشير إليها بالحرف الأول، ومرات أخرى يشير إلى الاسم بنقاط -فراغ- لكنه يذكر الاسم كاملا في هوامشه. فكتب في أحد هوامشه تحت عنوان "مدرستي": (لم أصرح بأسماء بعض الذين أذكر عنهم شيئاً، خصوصاً إذا كان ما فعلوه غير مستساغ، فقد انتهت حياة أكثرهم. المهم ذكر ما فعلوه، ولهم الرحمة). لذلك وجدت أن التزم بما انتهجه الوالد في تجنب ذكر بعض الأسماء.

* * * *
(1)
لابد من التأكيد من أن ارتباط الشهيد حسين "صارم" بالحزب وبالتحديد بسكرتير الحزب "فهد" كان في أواسط عام 1941. وللأسف لم يشر والدي في ذكرياته مباشرة في أي شهر بدأت هذه العلاقة. ولكن من خلال ربط وتسلسل تأريخ بعض الأحداث التي ذكرها الوالد يمكنني أن أجزم، أن الأشهر المثبتة هي الأقرب إلى الصواب والدقة.
(*) "صارم" الاسم الحزبي للشهيد الخالد عضو المكتب السياسي حسين الشيخ محمد الشبيبي. و"فهد" الاسم الحزبي لمؤسس وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي الشهيد الخالد يوسف سلمان يوسف. و "حازم" الاسم الحزبي للشهيد الخالد عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي زكي محمد بسيم.

ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد ‏‏06‏/11‏/2010
alshibiby45@hotmail.com 
 

2 - الدرب الطويل
(13)

ولماذا أرشد؟!
نعم، لماذا أرشد -تشكلت وزارته في 1/6/1946-؟ للسيد الوكيل العام أعوان كثر، ينتظرون دورهم، كل مع قطب معلوم، يبدو وكأنه شخصيته مستقلة لها كيانها الخاص، وكأنه يتمتع بسمعة وطنية خالصة. ولكن أرشد؟ أرشد -أمين العاصمة- ويعرف الكثيرون عنه ما لا يجعله جديرا حتى بهذا المنصب، يعرفه سواق السيارات، ويعرفه فراشو الأمانة أيضاً. انه شخصية مهزوزة.
كان سواق السيارات يستخفون بشخصيته. فإذا صادف مروره بشارع الرشيد، استعملوا المنبه في سياراتهم على لحن أهزوجة فاحشة، كان قد أوصلها بعض صحبه أثناء سهراتهم التي حدثني بعض خدمهم عنها إنها أقرب إلى سهرات العاديين منها إلى اقل محترم.
وحدثني واحد، إن السيد الرئيس الجديد، أبصر مرة فراشه الخاص، راكباً عربة، ومرتدياً بزة بيضاء وبيده مسبحة من نوع الكهرب فثارت فيه روح الأرستقراطي. وفي اليوم التالي استدعاه فأنبه بكلمات احتقار، ثم قدم له كتاب فصله من الخدمة؟! أعتذر المسكين موضحاً إن ذلك من حقه فهو إنسان وشاب ولم يحصل عليها من "رشوات"، إنها من المحسنين الذين يزورونك، لاحترامي لهم. فلم يجد اعتذاره. وفي اليوم التالي، دخل عليه، فأغلق الباب من الداخل، ورفع بيده مسدساً هدده به انه سينهي به حياته إن هو لم يلغ أمر فصله، وبدا السيد على حقيقته من الجبن، فكان يتوسل توسل الجبان الذليل، وتم للفراش ما أراد.
وفي وقت عصيب حيث طغى دجلة، فكانت كارثة حلت بالمزارعين، جعلت أنينهم يتعالى. فهو أذن قرين سوء لهذا الحدث، هو فيضان هاجم الأحرار والحريات، الحريات الضئيلة الكسيحة.
تقدم كجني أنطلق من قمقم. وكما أراد له سيده، الذي لم يَرَ أهوجاً مثله يتحمل مسؤولية تتحرج جميع الوجوه -ألأراجوزية- أن تقدم على تمثيلها.
فأستهدف في المقدمة عصبة مكافحة الصهيونية، والهيأة المؤسسة لحزب التحرر الوطني. فعطل جريدة عصبة مكافحة الصهيونية بحجة نشرها دعوة الهيأة المؤسسة لحزب التحرر الوطني إلى إعلان الإضراب، وزج بأعضاء الهيأة المؤسسة لحزب التحرر في التوقيف. وهاجم الصحافة الوطنية، فأنذر بعضاً، وسحب امتياز أخرى، وأنذر ثالثة، ولفت نظر إلى ثلاث جرائد، وعطل جريدة حزب، وصادر أعداد مجلة قبيل صدورها. ثم عدا على الصحافة الحزبية، وأحال مديري ورؤساء تحريرها إلى المحاكم!؟
فقد أنذر جريدة الرأي العام في 7/6/1946 لنشرها خبر وصول قوات إنكليزية إلى ميناء البصرة. وعطل جريدة صوت الأحرار في 20/6 ولفت نظر جريدة البلاد والنداء وصوت الأحرار لسان حزب الأحرار. وصادر العدد 11 من مجلة الوادي قبيل صدوره. وامتدت يده إلى الصحافة الحزبية فعطلها، وأحال رؤساء تحريرها إلى المحاكم رغم إن القانون لا يجيز تعطيل صحف الأحزاب السياسية إلا بحكم المحكمة. وعطل جريدة السياسة جريدة حزب الإتحاد الوطني في 21/8 وقدم رئيس الحزب الأستاذ عبد الفتاح إبراهيم للمحاكمة بسبب نشره أربع مقالات بالعناوين التالية "أيام كأنها الدهر" في 7/8 و"ماذا وراء حادث سنجار؟" في 13/8 و"تحت ستار الحملة على الشيوعية" 19/8 و "معضلة سوء الفهم وفخامة رئيس الوزراء" في 20/8.
وفي 1/9 قدم للمحاكمة الأستاذ ناظم الزهاوي المدير المسؤول لصحيفة حزب الإتحاد الوطني لنشره مقالاً بعنوان "مذبحة كاورباغي" كما قدم عدداً من قادة الإتحاد الوطني ممن كتبوا مقالات في السياسة وهم، شريف الشيخ، عبد الله مسعود، موسى الشيخ راضي. وكانت التهمة، أن المقالات كانت تشجع على كراهية الدولة. وأقام دعوى أخرى على الزهاوي وعبد الله مسعود لنشر الأخير مقالاً. وانعكست هذه السياسة على العاملين في الصحافة، فأعلنت نقابة المطابع إضرابا عاماً في 5/9 أستمر 9 أيام، لم تصدر خلالها غير جريدتين هما "العالم العربي" و "الأخبار" تولت الحكومة طبعهما في مطابعها، وقام بتوزيعها مفوض شرطة فشكرته الحكومة!
لم تقف القوى الوطنية مكتوفة الأيدي تجاه هذا الاندفاع الأرعن، ليثبت لسيده انه كفوء لرئاسة الوزارة، أكثر مما هو - أمين عاصمة - ولعل السيد قد ضرب عصفورين بحجر!
نوري السعيد أراد بإسناد رئاسة الوزارة إلى أرشد -في رأيي- أولاً ليكشف شخصية أرشد المهزوزة للعراقيين، فربما كان يعرف عنه رغبته فيها. وثانياً، انه لم يجد شخصية سياسية تقوم بمثل ما قام به أرشد. فقد كانت أعماله نقمة حاقد على السياسيين والشعب. وبحجة مكافحة الشيوعية، صب حقده على جميع الفئات الوطنية وأخيراً ليمهد لمجيئه بعد هذا مستريحاً بجهود غيره!.
فقد قدم نوري مهووساً لم يعرف أحد قبله بمثل ما عرف به من عدم احترام الشخصيات السياسية -على اختلاف- اتجاهاتهم، حتى الذين هم محسوبون على السيد الوكيل العام. فكانت افتتاحيات الجرائد الوطنية، وكانت المقالات بعناوين تعبر عن جرأة بالغة، وصراحة متناهية، تعبر عن مدى احتقارها له ولإجراءاته التي لم يحدث أن أقدم عليها من قبله أحد، لأن الآخرين كانوا على أية حال يحترمون أنفسهم، ويحسبون حساب المستقبل، كما يبدو إنهم ينظرون إلى بعيد أيضاً.
وحين تفجرت مظاهرة صاخبة احتجاجا على المظالم الجارية في فلسطين، استعملت الشرطة السلاح لتفريقها بعد أن لم تجد هراواتهم نفعاً. وكان حادث المظاهرة التي جرت في 21/6/1946 قد نجم عنه قتل خمسة أشخاص منهم طالب وعاملان وجندي وطفل. وفي 8/6 قامت جمعية العصبة وحزب التحرر بمظاهرة حاولت الشرطة تفريق المتظاهرين عدة مرات فقاوموها فردت عليهم بالسلاح. جرح وأصيب عشرة منهم مات أحدهم. والذي عرفته إذ ذاك إن الأحزاب الأخرى لم تؤيد هذه المظاهرة. وكان الموقوفون من أعضاء حزب التحرر قد أعلنوا إضرابهم عن الطعام فتدهورت صحتهم حين بلغ يومه الـ 27 فنقل بعضهم إلى المستشفى وأشيع إن حسين محمد الشبيبي قد مات نتيجة إضرابه وامتناعه عن نقله إلى المستشفى. فتجمعت جماهير الحزب في ساحة باب المعظم ليقتحموا السجن ويأخذوا جثمانه عنوة. وأتضح لهم عدم صحة الخبر فساروا متظاهرين، يهتفون بسقوط الوزارة.
وفي كركوك نظم عمال شركة النفط -تموز 1946- أعظم إضراب من أجل مصلحة الوطن ونهب المستعمرين لثروته النفطية. كان الإضراب من أجل زيادة الأجور، ومطالب أخرى تخص حياة العمال. والحقيقة أن الإضراب كان بتنظيم الحزب الشيوعي. وكان مضربا للمثل في الاندفاع والبسالة. وفي 12 تموز دبرت الحكومة مجزرة ضد العمال، وقد هز الاعتداء على العمال كل الفئات، وعم الاستنكار كل القطر للسياسة الهوجاء التي سار عليها أرشد. وقتل أكثر من 16 وأصيب العشرات فأعلنت المدينة إضرابا عاما.
وهبّت شرطة أرشد يواجهون العمال العزل بهراواتهم الغليظة ثم بالسلاح. فكانت صيحة الوطنيين من رجال الأحزاب داوية هزة كيان الحاكم الأهوج. كانت اعتداءات الشرطة قاسية ومكشوفة لم تستطع وزارة الداخلية أن تعتذر عنها، وقد أستنكرها حتى مؤيدوا الوكيل.
وفي هذه الظروف أي في عهد الوزارة الأرشدية، ووزارة نوري التاسعة التي همها التهيؤ لتجديد معاهدة 1930 بأشد منها وأقوى أغلالاً، والتي نشط حزب التحرر الذي تزعمه حسين لفضح الأساليب التي يتوسلون بها إلى الغرض اللئيم. أندفع بها حسين وحزبه إلى خوض غمار السياسة بحرارة واندفاع شديدين، بين نشرات يصدرها باسم "رسائل التحرير" وبين مؤلفات عن المعاهدات البريطانية العراقية، والتي هي سلاسل وأغلال، وسيطرة على الذهب الأسود. وبين خطب يدعى لإلقائها في الحفلات وفي جمعية "عصبة مكافحة الصهيونية" ومظاهرات صاخبة يثيرها ليكشف الأحابيل التي يظهر بها الاستعمار -ثعلباً- ترك الخداع وتزيا بمظهر الزاهد التقي. في هذا الوقت بالذات نشرت جريدة "السجل" بتأريخ 20/10/1946 كلمة تعتبر من أردأ ما يفكر به أعداء الحرية، هذا نصها "آل الشبيبي عائلة عريقة في توارث العلم الديني. وليس من المعقول أن يكون في أفرادها شيوعي واحد. وبناء على ذلك فقد اتصلت بنا شخصية شبيبية كبيرة في دائرة رسمية، والتمست منها أن تنبه الصحفيين بأن ما تنشره عن حسين محمد إنما هو خارج عن هذه العائلة، إذ هو من عائلة أخرى، ولا صلة قرابة له بهذه العائلة"!؟.
وقد أرسل حسين الجريدة إلى الشيخ الشبيبي. وكتب التراجم النجفية وغير النجفية تعرّف من هو والد حسين. انه الشيخ محمد ابن الشيخ علي الابن الأكبر للشيخ محمد والد الشيخ جواد وأخوته الآخرين: حميد، عبد الرضا، وعبود.
نحن ندين بالقول المشهور "إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي"
والحديث الشريف يقول: كلكم لآدام وآدام من تراب. ولا يسرنا أبداً أن نحسب على آل الشبيبي، وليس لنا في الجهاد، آو دار العلم والأدب مكان.
وما قاله الشبيبي الشيخ محمد رضا:

كأن ســر الحيـــاة المستكن بنا صفية من صفايا الواحد الأحد
فمن جدودي لآبائي الألي لأبي إليّ ذاهـبــــة مني إلى ولــدي

سر الحياة هذا ليس خاصاً ولا وقفاً على آل الشبيبي وحدهم. انه لكل من يفهم الحياة وما يترتب عليها من واجب إزاء نفسه، وإزاء وطنه وأمته. مضافا إلى هذا إننا نعتقد إن الشخصية الكبيرة أجل من أن يصدر عنها الذي تقوله جريدة "السجل" وفي هذه الظروف بالذات الذي هبّ فيه كل ذي شعور وطني ضد تجديد المعاهدات الظالمة، ونحن من ضمن أولئك العراقيين الغيارى، أحزاباً وأفراداً، ثم لا نجهل نحن ولا المسؤولون في جريدة "السجل" إن في آل الشبيبي، كما هو في كل الأسر والعوائل، من هو من رتب البرجوازية، وله تفكيرها فلا غرابة، أن يتنصل ويدعي، ورغم كل هذا، ورغم أنف من يؤمن بصحة هذا ويصدقه، نقول "إنا من الأسرة من صميمها، وأبونا والشيخ الشبيبي أبناء عم كما يعبر الشعبيون "لحّ" -أي لحاء الشجرة-!".
ومن المضحك أن تقوم الحكومة العراقية في هذه الظروف بدعوة أم كلثوم لتحيي حفلة! وربما كانت لإغاثة منكوبي الفيضان. وبمناسبة مقدم أم كلثوم نشرت قصائد كثيرة من الشعراء يحيون بها أم كلثوم، الزهاوي، الرصافي، محمد باقر الشبيبي. لكن الشبيبي الكبير الشيخ جواد، كان حينها طريح المرض ملازماً فراشه، هزه مقدم أم كلثوم فشارك هو الآخر بقصيدة خالف كل من حياها من الشعراء فهو عاتب متألم، وآسف، أستغرب الغناء والطرب في وطن يئن شعبه من ظلم الاستعمار وأعوانه، أقتطف منها هذه البيات:

تغردين وذي الأوطـــان ما برحت تبكي لتــــذكار توزيـــع وتقســــــيم
قد هيــأ الظافـر المنهــوم دعــــوته منهـــا لكل عميق الشــدق مقـــروم
تذوقــوهـــــا ولم تبـــرد لهــا يزع وباغـتــوهــــا بتخصيص وتســهيم
سيان للهاجس المحزون في وطني ترنيمة الــورق أو تنعــــا به البــوم
هــذي البـــلاد فمعـــدوم بلا جــدة إن طفت فيهــــا وموجود كمعــدوم
قمـرية الـدوح قومي واندبي اممـا مخنوقة الصوت في أوطانها قومي

إن فيضان دجلة والفرات مهما دمّر من مزارع وقرى، فإنه أيضاً يخلف عطاء ويلئم جراحاً مما يزيد الأرض قوة وحيوية من غرينه ومائه. أما طغيان أرشد وقد عم العراق فقد ترك آثاراً لن ينساها الناس أبداً. ويبدو أن أرشد شعر برأي الناس في وزارته، فحاول أن يتملق الأحزاب، وينفي ما دار حول وزارته، فصرح "إن وزارته انتقالية، وإنها ستكون أرحب الوزارات؟!".
قادة الأحزاب مازالوا يعالجون تلك الضربات القاصمة والمهينة للشعب بتقديم العرائض للمسؤولين يطالبونهم بإطلاق حرية الصحافة المعطلة والكف عن التضيق على الحريات. ففي أوائل تموز أجتمع قادة الأحزاب وقابلوا الأمير زيد نائب الوصي وأرشد. وحين عاد عبد الإله من زيارة لندن قابله رؤساء الأحزاب الخمسة، وشرحوا له أوضاع البلاد الخطيرة التي أشار إليها القادة. فماذا كان الرد؟
لقد قرر السفر إلى مصيف سرسنك وإصدار إرادة ملكية بمنح نصف راتب للموظفين؟! هكذا إذن. رشوة وضيعة لفئة من أبناء الشعب ليشتري رضا الشعب؟! وقام حزبا الوطني الديمقراطي والإتحاد الوطني بعقد اجتماع في 30/8 وقد حضر هذا الاجتماع خمسة آلاف شخص، طالبوا فيه بتنحي الوزارة الأرشدية عن الحكم والمجيء بوزارة ديمقراطية.
ويوم 16/11/1946 استقالت وزارة أرشد، بعد أن نفذت كل مهماتها الرعناء والشريرة، حينها قالت جريدة الأهالي "ذهبت وزارة أرشد غير مأسوف عليها".

المعلم الجديد
من الدروس التي أعشقها، وأهتم في تدريسها بشغف، وأجذب طلبتي إليها وأشوقهم لتفهمها "الواجبات المدنية" هكذا كانوا يسمونها. حتى هذا العام لم يكن لدينا كتاب مخصص لتدريس مواد المنهج لهذا الدرس. كنا نعد الموضوع ونجمله لطلبتنا في الصف الخامس الابتدائي. يبقى الأمر على مدى إحاطة المعلم ببعض مواد المنهج، وقدرته على تحويلها إلى موضوع سهل ومستساغ لدى الطلاب.
حدث ذات يوم أن دخلت الصف الخامس، ورسمت الموضوع "تبادل المنفعة" كان هذا العنوان أحد مواد المنهج المقرر إذ ذاك. لا أتذكر سبب انعدام وجود كتاب مقرر بهذا الشأن، ربما كان في طريقه للطبع والتعميم، فقد كانت كتب الدراسة كثيراً ما تتبدل تبعاً لمكانة المؤلف من ولي الأمر الذين بأيديهم زمام الوزارة.
من الأساليب التي أتبعها في تدريسي، أن ألقي العنوان وأطلب من الطلبة من يقدر توضيح ما يرمي أو يشير إليه هذا العنوان. ثم أكثر من الاستفسار، عن مختلف المدلولات عليه وما ينطوي تحته. أثير روح التنافس بين تلامذتي، أحاول دفع الجميع في المشاركة للإجابة. وأسجل الجواب الصائب على اللوحة السوداء "السبورة". سألت، فرفع الطلاب "سبابتهم"، بدأت كالعادة بأذكى طالب.
- نعم يا هادي، أجب ما معنى تبادل المنفعة؟.
هادي عبد الرضا الجبري، طالب نحيف الجسد على محياه صفرة، وفي عينيه بريق لكن أجفانه ذابلة، عرفت ذكاءه، وأدركت روعة أحاسيسه من أسئلته التي يقصدني فيها أثناء تجولي بين الطلبة أثناء الفرص في اليوم الخاص بمراقبتي التي هي فرض على كل معلم، يوم في الأسبوع، حسب المعتاد. وفهمت أيضاً انه يطالع ما يقدر عليه من كتب أخيه. وسأذكره في مناسبة أهم في حياته في المواضيع الأخيرة.
بعد الإجابة طرحت السؤال الثاني:
- ما الفرق بين تبادل المنفعة والاستغلال؟
بدا على الطلبة سكون، لكن هادي وحده رفع سبابته.
أحسست أن أحداً قد قدم، وألتفت نحو الباب. كان القادم هو مدير المعارف السيد عبد الوهاب الركابي. أشار إليّ أن أستمر. واتكأ على باب الصف، قرب العتبة. حين أستقل لواء كربلاء بمديرية معارف، كان السيد عبد الوهاب الركابي ثاني مدير يدير دفة أمور التعليم فيها. كان من ناحية معلوماته جيداً لكن من ناحية تأثيره في الوسط الذي يعيش فيه والوسط التعليمي ليس بالمستوى المتكافئ مع درجته وكيان مديرية معارف. وتبين لنا بعد هذا ، انه يسير أموره في المجاملات والمداهنة وليس بقوة شخصيته ودرجة مسؤوليته، عرفنا هذا حين اصطدمنا بإدارة قائممقام النجف "توفيق عذار".
أجب يا هادي!
قال هادي "الفرق إذا كان التبادل بين أثنين أو أكثر يختلفان بالقوة فهو استغلال لا تبادل منفعة!"
- وكيف؟!
- كالمعاهدات التي تتم بين شعب ضعيف ودولة قوية؟ مثلاً .
- أوضح؟
- مثلاً ما بيننا وبين بريطانيا ليست المعاهدات القائمة من نوع تبادل المنفعة. فبريطانيا استعمارية. وعرفناها جيداً حين جاءت عقب طردها العثمانيين من العراق. صرحوا إنهم "جاؤا محررين لا فاتحين" وبرهنوا بعد هذا على كذب هذه المقولة؟!
كنت أتجه اتجاها بحيث أشرف على الصف، وأراقب السيد المدير! فأشار إليّ أن أتوجه نحوه. خرجت فابتعدنا عن الصف قليلاً. وجدت حضرته قد بدا عليه أرتباك، واحتقن وجهه من انفعال واضح. كانت الكلمات تتسابق من لسانه. فيتمتمها تمتمة متقطعة على غير ما عرف عنه من قدرة على الحديث والنكتة البارعة.
صاح بوجهي "شتريد تتكلم؟ أنت شنو رأيك؟ أنت تعرف أن فيصل ملك العراق، واضع صورة ملكة بريطانيا على الجدار فوق رأسه؟ هذا كلامك سياسة، تخريب، هجم بيوت!"
- عافاك الله. انه جواب الطالب، ولست أنا. وهو مصيب؟!
كانت أنفاسه تتلاحق، وكأنه كان يمارس هرولة ليخفف من وزنه الثقيل. ثم تراجع، وقد صعد إلينا مدير المدرسة، عند سماع صوت السيد المدير بدرجة ملفتة للنظر، بينما أحتشد طلاب الصفوف الأخرى تاركين رحلات الدرس، ومعلموهم ينظرون إلينا بدهشة.
قال "أنا جئت لأسألك عن تحدٍ غريب منك، ومن بعض الذين تشدهم إلى صفك؟!"
- أمر غريب يا أستاذ! ماذا تقصد بهذا؟
- أنك وبعض أفراد المعلمين ممن هو في صف فئتك ...!!؟
- قل وهذا أشد غرابة. قل يا سيدي قل!
- أنك ترفض أن تدفع بدل اشتراك مجلة المعلم الجديد! لم تكتفِ بنفسك، فحرضت آخرين. لماذا؟
- أنا مخير بالاشتراك. بموجب النص المثبت على غلاف المجلة -الاشتراك اختياري-. ويمكنك الاتصال بالآخرين الذين قاطعوها أيضاً.
وأشتد الجدل، فكان منطقياً تارةً، وتهديداً تارةً. وقال:
- لا تلم غير نفسك إن عوقبت! إن نقلت إلى أبعد قرية!
والتفت إلى مدير المدرسة يسأله "أهو متزوج؟ وله أطفال؟ هل يمتلك دار؟"
- نعم وله أربعة أطفال. وغالبية المعلمين هنا لا يمتلكون دار يا أستاذ!
- حسناً. ستنقل إلى "شفاثة".
أجبته "لا بأس. أين ما أحل فلست إلا في بلدي العراق!"
طال الجدل، وغادر المدرسة غاضباً، بعد أن ناقش آخرين كانوا أيضاً قد قاطعوا المجلة. وعلمت بعد هذا أنه التقى كل الذين قاطعوا المجلة من معلمين ومدرسين، وقد أنفعل أحد المدرسين حين أنبه السيد المدير، قائلاً "أنت مدرس ثانوية فمن المؤسف أن يحرضك معلم -وذكر أسمي- ". فردّ على المدير بكلمة قارصة. فغادر الثانوية منفعلاً.
حدث هذا في 9/12/1946 وقد صغت ما دار بيني وبينه بكلمة بعنوان "لتسمع جمعية المعلمين"، أرسلتها إلى جريدة "الوطن" لسان حال حزب الشعب. فنشرت بتاريخ 21/1/1947 مع حذف بعض فقرات منها.
ومجلة "المعلم الجديد" تصدرها وزارة المعارف، في التربية بمختلف مواضيعها، والاشتراك فيها، كما هو مرسوم عليها إذ ذاك اختياري، وبدل الاشتراك 200 فلساً. لكنها ضحلة ومقصورة على أقلام معينة، ولا تتناول مشكلة المعلم والتعليم إلا نادراً. وغالباً ما يكون ذاك التناول بعيداً عن ملامسة الواقع -واقع المعلم والتعليم- بشكل علمي عميق. أما الوخز واللوم فكثير.
كانت جمعية المعلمين هي الأخرى، ميتة ومحنطة، لا تعرف عن المعلم شيئاً ولا تهتم بأمره. وكانت لا تخطر على بال معلم، وتبدل أمرها في السنين الأخيرة للعهد الملكي نوعاً ما ففتحت لها فروع في الألوية -المحافظات-، وصارت تقوم بتسليف المعلمين وفق شروط خاصة، المرض، الولادة، البناء، وضمن تحديد لمقدار السلفة. غير أن هيآتها الإدارية أيضاً كانت لها حصة الأسد في التصرف لها ومن يوالي المتنفذين منهم. وقد ثار عليها المعلمون عندما أنهار النظام الملكي، وأعيد تشكيلها ممن كرسوا حياتهم لخدمة المعلم، وسأذكر هذا في مكانه.
وعلى أثر نشر الكلمة زار المدرسة يحمل الجريدة، ولكن بوجه باسم، وقف قبالة باب الصف على بعد مترين، حياني فرددت التحية. وقال:
- ما أسرع ما أرسلت ما دار بيننا في جريدتكم؟!
- جريدتكم؟ ماذا تعني أستاذ؟ أنا مازلت غير مشارك في المجلة!
- أقصد جريدتك، وليست مجلة المعلم الجديد.
- تقول جريدتكم! للمعلمين مجلة -المعلم الجديد- لا غيرها!
فدنا من باب الصف وقال بهمس "جريدة الحزب!". وأراني جريدة الوطن. لو كان رجلاً عادياً هان الأمر، ولكنه مسؤول عن التربية والتعليم في لواء كامل؟ فضحكت. ألهذا الحد. أهو ساذج. كلا. انه خبث الطوية!
لا أدري أن كان حقاً لا يعلم إن جريدة "الوطن" ليست لها علاقة بالحزب الشيوعي، إن لم تكن ضده، أو ضد قيادة فهد -إذ ذاك-، وكل من يتصفح الجرائد، منها جريدة الوطن يدرك ذلك من مقالات كتبت بقلم "عباس بلال" و "عامر عبد الله" وكانا إذ ذاك من جماعة الأستاذ عزيز شريف، كانوا يهاجمون بها آراء الحزب الشيوعي وقيادة فهد. والأستاذ عزيز شريف معروف بآرائه التقدمية، وأسس أفكاره، وقد أستهدفه العهد الملكي وحكامه على اعتباره واحداً من زعماء اليساريين، وطورد، وأوقف، وحوكم، بسبب نضاله العنيد ضد حكام العراق الرجعيين والموالين للاستعمار. ومن الجهل الفاضح أن لا يدرك المرء الفرق القائم بين اتجاهات الأحزاب، وإن التقت في مقاومة الاستعمار.
حكاية الاشتراك بالمجلة والنقاش حول موضوع الواجبات، كلاهما مؤشر لما يحاك ويدَبَر ضد عدد من خيرة المعلمين الواعين. كما انه يرتبط وبتأكيد بما قمنا به خلال أزمة المخضرات والمواد الغذائية، وبيع حصتنا من القماش أيام القائممقام "توفيق عذار" ومعاون الشرطة "عبد الرحمن دربندي".
"ومـا عـشتَ أراكَ الدهـر عـجـباً!"

يتبع


السويد ‏02‏/01‏/2011


من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (5)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (4)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (22)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (5)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (4)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (3)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (2)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (1)



 

free web counter