| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

يوسف أبو الفوز 
haddad.yousif@yahoo.com

 

 

 

                                                                                الجمعة 21/12/ 2012

 

عالم أخر (11)

"يوم أهتي ساري " في فنلندا؟

يوسف ابو الفوز - هلسنكي

أعتدنا في العراق على تكريم وذكر محاسن مثقفينا والناشطين في السياسة والعلم بعد رحيلهم ، حيث نبكيهم ونتأسى عليهم ، بينما في ايام وجودهم بيننا يعيشوا منسيين ، يعاني العديد منهم من الاهمال والمرض وربما العوز ، ولا توجد أليات لدى الدولة تكفل الاهتمام بهم وتذكرهم ، فكم من شاعر وفنان وعالم وسياسي مات وفي روحة غصة ان يحظى بتكريم ولو شكليا من المؤسسات  المعنية ؟ ربما انتبهت للامر في الاونة الاخيرة بعض منظمات المجتمع المدني وبعض الاحزاب الديمقراطية والمؤسسات الثقافية والاعلامية المستقلة، الا انه على العموم ما زلنا في العراق نغمط حق مبدعينا وهم احياء ، والعديد منهم ـ ونحن نكتب هذه السطور ــ على فراش المرض بحاجة لمن يتذكرهم ولو بكلمة. 

في العالم الاخر ، المتحضر ، الامور تجري بشكل اخر، ففي فنلندا  ( الاستقلال 1917) عضو الاتحاد الاوربي ، هذا البلد الصغير ( 5,4 ملايين نسمة ) المرمي عند حافة القطب الشمالي، ذو المناخ القاسي ، الذي خرج من رماد الاحتلالات والحروب الخارجية والاهلية ، لكنه تمكن من بناء تجربة ديمقراطية حضارية متميزة ، حيث ينعم الشعب الفنلندي بالاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في ظل تجربة مجتمع الرفاه التي تميزت بها بلدان الشمال الاوربي ، يجد الأنسان عموما والمثقف حقه بأكثر من طريقة وألية قانونية .  في كل عام ، في عيد الاستقلال ، تنظم رئاسة الجمهورية الفنلندية حفلا في القصر الرئاسي يتم نقله مباشرة عبر شاشات التلفزيون ، ولتهنئة الرئيس وزوجته يتوافد المدعوون ، يتقدمهم اولا الشعراء والفنانون والرياضيون ونشاط المجتمع المدني ، ثم يأتي دور ممثلي السلك الدبلوماسي الدولي ثم لاحقا يأتي دور السياسيين واعضاء الحكومة ! عادة يتم اختيار قائمة المدعويين ارتباطا بالمنجز المتميز في حقول الثقافة والعلم والرياضة والمجتمع . الانسان المنتج والمبدع ،  يحظى بالاهتمام والرعاية وفق اليات حضارية يتم رسمها بصيغة وشكل تربوي ، حيث يجلس ملايين الناس يتابعون مجريات الحفل ويرون احترام ممثلي الدولة للمبدعين .

لنتحدث عن السياسي والدبلوماسي المخضرم مارتي اهتي ساري (مواليد 1937) والحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2008 ، حيث جاء في قرار لجنة الجائزة انها مكافأة " لجهوده الكبرى في عدة قارات وعلى مدى ثلاثة عقود بهدف حل النزاعات الدولية". اعتقد ان العراقيين يعرفون هذا الرجل جيدا ، فقد ترأس اللجنة الدولية المختصة بدراسة التدابير العقابية التي فرضت على العراق بعد غزو الديكتاتور المقبور صدام حسين لدولة الكويت الشقيق ومدى ضرر وتأثير ذلك على العراقيين ، وصار معروفا ومشهورا تقريره الى الامم المتحدة ، الذي لم يلق الترحيب من الادارة الامريكية ايامها ، حيث انتقد فيه بشدة سياسة الولايات المتحدة الامريكية ، واشار الى ان اعمالها العسكرية في العراق تعدت حدود طرد قوات صدام من الكويت ، والى هذا التقرير يعزي المراقبون عدم حصوله عام 1991 على دعم الولايات المتحدة الأمريكية في السباق لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة . العراقيون يعرفون السيد اهتي ساري كونه يترأس المنظمة الفنلندية، المستقلة ، المعروفة بأسم " المبادرة لادارة الازمات " التي في اعوام 2007 ، و2008 استضافت في العاصمة هلسنكي شخصيات عراقية من مختلف القوى السياسية في حلقات دراسية للتعرف على تجربة ايرلندا وجنوب افريقيا في المصالحة الوطنية ، ومحاولة ايجاد حلول للازمة السياسية في العراق وايقاف العنف الطائفي ، من خلال اقتراح اساليب عمل وحوار حضارية . سيرة المحامي المثابر والسياسي اليساري مارتي أهتي ساري حافلة بالكثير ، فهو من الزعماء التقليديين للحزب الديمقراطي الاجتماعي الفنلندي ، في عام 1994 اختاره الشعب الفنلندي رئيسا للجمهورية ، ورفض الترشيح للرئاسة لدورة ثانية ليتفرغ لنشاطاته السلمية .

واستناد الى  مواقفه المستقلة ومبدئيته وتواضعه وثقافته القانونية العالية وحنكته الدبلوماسية ، نجح في العديد من المهام الدبلوماسية الدولية في العديد من دول العالم ،  السيد كوفي عنان الامين العام السابق للامم المتحدة ، الذي عمل اهتي ساري الى جانبه قال: "لا يوجد أفضل من أهتي ساري للفوز بجائزة نوبل للسلام .

هو الرجل الوحيد الذي أعرف أنه صنع سلاما في ثلاث قارات.. أفريقيا وآسيا وأوروبا وكنت أجده دائما مستعدا لتلبية النداء لجعل هذا العالم مكانا أفضل." وربما من اهم مهامه الناجحة شغله موقع المبعوث الخاص للامم المتحدة لحل الازمة في أقليم كوسوفو وقبل ذلك نجاحه في ناميبيا حيث تراس البعثة الدولية هناك لفترة استغرقت 13 عاما من الجهود .

في فنلندا ، واعتبارا من من عام 2011، وفي الاسبوع الاول من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر تحتفل فنلندا ، بيوم أهتي ساري ، و بدأت تتكون اليات تنظمه ليكون تقليدا ثابتا وسنويا ، ويتم تنظيمه من قبل وزارة الخارجية الفنلندية بالتعاون مع وزارات  التربية والتعليم والثقافة والمجلس الوطني للتعليم والفنون .

في هذا اليوم ، في كل مدارس فنلندا يتم الاحتفال وتنظم نشاطات متنوعة، من ضمنها محاضرات عامة ومعارض رسم وصور وحفلات موسيقية ، وموضوعها الاساس هو السلام العالمي وامكانية تعزيز التعاون الدولي في مجال الوساطات وعرض الخبرة الفنلندية في هذا المجال ، وتعرض سيرة حياة السيد اهتي ساري وانجازاته ونشاطاته من اجل السلام في العالم وتعرض افكاره واحاديثه ، والى جانب ذلك تقوم منظمات السلام الفنلندية والعديد من منظمات المجتمع المدني بتنظيم نشاطات واحتفالات بنفس السياق ، لنجد في النهاية ان كل البلد يحتفل بهذا اليوم ، اضافة الى كون السيد أهتي ساري يحضر بنفسه الكثير من مواقع الاحتفالات ويزور مدارسا مختارة ويقدم احاديثا لمختلف وسائل الاعلام.

ولابد من الاشارة الى  شعار هذا اليوم ، الذي يمثل كفان يتصافحان على شكل حمامة سلام ، يعلو في يوم الاحتفال ليس فقط في ساحات المدارس والمنظمات الاجتماعية والثقافية وصفحات الصحف ، بل وفي كثير من البيوت ، وعلى صدور الشباب والاطفال على شكل  رسوم وباجات ، بحيث يتحول البلد كله الى ساحة مهرجان للدعوة للسلام والاحتفاء برجل السلام السيد مارتي اهتي ساري . فهل هناك تكريم أكثر من هذا ، خصوصا انه سيكون تقليدا ثابتا على طول السنين القادمة ؟

 

عن جريدة الصباح    العدد 2706 ليوم  17 /12/2012

 

عالم أخر  (10) -    نائبة فنلندية في مجلس بلدي : عملنا يدخل في باب الخدمة المدنية ولا نتقاضى عليه اجراً
عالم أخر  (9) - الخدمة الاجتماعية في الانتخابات البلدية بفنلندا
عالم أخر  (8) - عن  الثقافة الجنسية للأطفال
عالم أخر  (7) - قوانين حماية الطفل في العالم ضمان تربية الطفل في بيئة آمنة ومحفزة لقدراته
عالم أخر  (6) - دور رعاية المسنين في فنلندا فنادق بعدة نجوم !

عالم أخر  (5) - التجربة الاوربية في مسؤولية مشاهدة الاطفال للسينما والتلفزيون !
عالم أخر  (4) - حين يكون التعليم من اسرار التطور الحضاري
عالم أخر  (3) - المسؤولية هي أن تكون ناجحا في عملك !

عالم أخر  (2) - المسؤول حين يعرف أنه مواطن عادي !

عالم أخر  (1) - تطبيق القانون عمل شاق جدا في كل مكان !

 



 

 

free web counter