| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

يوسف أبو الفوز 
haddad.yousif@yahoo.com

 

 

 

                                                                                الأثنين 3/9/ 2012

 

عالم أخر (6)

في "دول الرفاه" من المسؤول عن رعاية المسنين ، وكيف ؟
دور رعاية المسنين في فنلندا فنادق بعدة نجوم !
 

يوسف ابو الفوز - هلسنكي

في عادات وتقاليد مجتمعنا ، تدخل قضية رعاية الوالدين المسنين ضمن الثوابت الاخلاقية في سلوك الابناء الشباب ، الذين يتعرضون للأنتقاد لو ارسل أحد الوالدين الى دار المسنين ، التي تعرف في بلداننا بـالاسم الكريه : " دار العجزة " بحيث يشكل ذلك ثلمة ونقيصة في سلوك الأبناء، وشكلا من الجحود وعدم الوفاء . في أوربا الامر يختلف تماما ، فأذا اراد الابناء التعبير عن أهتمامهم بوالديهم واحترامهم والوفاء لهم ، فيتم ارسالهم الى دار رعاية المسنين .

الأمر هنا يتعلق بعدة عوامل، منها القوانين التي تسيّر النظام الاجتماعي في هذه البلدان اضافة الى ثقافة المجتمع واخلاقياته والتطور الهائل في مستوى عموم الخدمات . ان الدول الاوربية ، شمال أوربا خاصة ، كانت السباقة في تطوير قطاع رعاية المسنين  ضمن قوانين الرعاية الاجتماعية، وفي فنلندا هذا البلد  الصغير (5,3 مليون نسمة) ، فأن مفهوم "الرعاية الاجتماعية" يشير إلى مجموعة من الوظائف الواجب تنفيذها من قبل السلطات المحلية ضمن قوانين البلاد كحق دستوري يحفظ كرامة المواطن في توفير الخدمات اللازمة . وتعتبر الرعاية الاجتماعية جزءا من نظام الحماية الاجتماعية لكل مواطن ، وتشكل احد الاسس الهامة في مباديء"  دولة الرفاه " التي تعتمد القوانين التي يكون اساسها خدمة المواطن وضمان حياته ومستقبله ، وذلك يشمل تأمين الدخل الكافي للمعيشة من خلال توفير فرص العمل المناسبة والسكن المناسب وعموم الخدمات الصحية والاجتماعية ومنها نظام التقاعد والرعاية للمسنين .

ان دور رعاية المسنين ، في فنلندا وعموم أوربا، ما هي الا مراكز رعاية اجتماعية صحية بمستوى عال ومتطور من الخدمة يوفر أفضل وسائل الراحة الممكنة ، فالسلطات المحلية تنشأ وتدير مراكز متخصصة تكون هي المسؤولة عن رعاية المسنين ، هدفها المساعدة والمحافظة على الصحة الجسمانية والنفسية  للمواطنين المتقاعدين (سن التقاعد في فنلندا 65 عاما) الذين يرغبون بالعيش في مراكز الرعاية أو من يختار البقاء في منزله الى جانب بقية افراد اسرته ، ولكنه في هذه الحالة يحصل على الرعاية التمريضية المنزلية وهي مجانية . في مراكز الرعاية للمسنين يكون لكل متقاعد غرفته الخاصة المزودة بالمنافع الضرورية ، من حمام ودورة مياه ، ومجهزة بالخدمات التي تسمح بها حالته الصحية والعقلية من صحف وكتب وراديو أو تلفزيون أو كومبيوتر . ويخصص للمقيم ـ وهو الاسم الذي يعرف به رسميا كل مسن مقيم في الدار ـ  ممرض يقوم بالسهر على رعايته الصحية ، بأشراف اطباء صحة ونفس متخصصين ، يعودون الدار بأستمرار، التي لها مطبخها الخاص الذي يقدم وجبات طعام صحية للمقيمين ، الذين يسهرعلى رعايتهم ، على مدار الليل والنهار ، عاملين متدربين ومتخصصين يحرصون على نظافة غرف وملابس كل مقيم اضافة الى نظافته الشخصية ، ويقومون باصطحاب من يحتاج المساعدة الى الحمام بشكل دوري للاستحمام . ادارة مركز الرعاية تكون ملزمة بتنظيم برامج ثقافية وترفيهية ورياضية عامة للمقيمين لكي لا يشعروا بالملل وتتناسب مع امكانياتهم الصحية والنفسية. وطالما كان المقيم يتمتع بقواه العقلية فهو يتمتع باستقلاليته وحريته في رسم برنامجه اليومي واختيار نوع وجبات الطعام التي لا تتعارض مع توجيهات الطبيب ، وتحديد مواعيد زيارات الاقارب والاصدقاء ، بحيث لا يشعر بالوحدة ، ويعيش أيامه مرتاحا متنعما وكأنه في منزله الخاص ، ويدخل الاهل عادة كطرف في متابعة شؤون المقيم حين يكون غير قادرا على اتخاذ القرارات بنفسه ، فيشخص احد افراد عائلته للتنسيق مع أدارة دار الرعاية . ان ارسال الوالدين الى دار المسنين يأتي في المجتمعات الاوربية ارتباطا بكون الابناء ملتزمين بالعمل اليومي، فسوق العمل مفتوح أمام النساء والرجال، ونسبة البطالة في المجتمع منخفضة نسبيا ، والاطفال يكونوا مشغولين طول النهار تقريبا في المدارس ونشاطاتهم الرياضية والثقافية ، فمن يقوم برعاية المسن ويكون الى جانبهم داخل البيت ؟  الحكومات الاوربية لها قوانينها الخاصة حول رعاية المسنين وتخصص لها ميزانيات عالية ارتباطا بتصاعد نسبتهم في البلاد الاوربية ، بحيث صارت ورقة انتخابية توظفها الاحزاب السياسية في برامج عملها .

في فنلندا ، نجد ان معدل ارتفاع نسبة كبار السن بين السكان أسرع منه في معظم البلدان الاوربية الأخرى، فمعدل عمر المواطن الفنلندي في ارتفاع مستمر ارتباطا بالتطور الكبير في مستوى الخدمات الصحية والاجتماعية يقابله انخفاض في معدل الوفيات والولادات أيضا، وحسب احصاءات الدولة الرسمية فبحلول عام 2050، سيكون ثلث سكان فنلندا بسن 65 عاماً فما فوق ، ممّا يشكّل ضعف الارقام لهذه الفئة العمرية مقارنة بعام 2000 ، لذا نجد في البلاد تفتح المزيد من المعاهد الخاصة لتخريج وتدريب العاملين في دور المسنين بحيث يملكون الثقافة والخبرة الصحية وفن الرعاية . زرت شخصيا كذا مرة دورا للمسنين ، ووجدتها سكن جماعي، انظمته تضيق الفجوة بينه والحياة المستقلة، وتبدو مثل فنادق بعدة نجوم، وحضرت عروضا موسيقية خاصة ونشاطات ثقافية تقدم للمقيمين في اوقات معينة ، في بعض المناسبات ، مثل الاعياد الوطنية والشعبية ، مثلا العيد الوطني واعياد الميلاد ورأس السنة ، وعادة تقوم المدارس القريبة ورياض الاطفال بتنظيم زيارات لدور المسنين ليختلطوا بالاطفال ويقضوا ساعات طيبة معهم وحيث يتم تبادل الهدايا ويقدم التلاميذ فعالياتهم الفنية . كما ان العديد من منظمات المجتمع المدني والمنظمات والاتحادات والفرق الفنية والادبية والعديد من الفنانين والادباء تكون لها مبادراتهم وبرامجهم في تنظيم زيارات لدور الرعاية الاجتماعية، وفاء لما قدمه المتقاعدون لوطنهم ولاشعارهم بالاهتمام وانهم لازالوا جزءا من الحياة ، حيث تكون هناك محاضرات ادبية وقراءات شعرية واحاديث ودية . وبالرغم كل ما يقال عن فردية الاوربي ، وميل شخصيته للاستقلال ، فأن الامر هنا يتعلق أساسا بأستقلاله اقتصاديا ، فالمسن لا يسكن في دار المسنين على حساب احد ، ولا حتى حساب ابناءه ، فهو لديه راتبه التقاعدي ، الذي يكون اساسا لدفع تكاليف الاقامة في دار الرعاية ، وان لم يكن راتبه يكفي فالدولة هي المعنية بتحمل بقية التكاليف وحتى كلها !
 

عن الصباح البغدادية العدد 2624  التأريخ 03/9/2012
 

عالم أخر (5) - التجربة الاوربية في مسؤولية مشاهدة الاطفال للسينما والتلفزيون !
عالم أخر  (4) - حين يكون التعليم من اسرار التطور الحضاري
عالم أخر  (3) - المسؤولية هي أن تكون ناجحا في عملك !

عالم أخر  (2) - المسؤول حين يعرف أنه مواطن عادي !

عالم أخر  (1) - تطبيق القانون عمل شاق جدا في كل مكان !

 



 

 

free web counter