يوسف أبو الفوز
haddad.yousif@yahoo.com
عالم أخر (2)
المسؤول حين يعرف أنه مواطن عادي !
يوسف ابو الفوز - هلسنكي
تعلمنا بأن الحضارة والثقافة ، مفاهيم متداخلة لها علاقة بالمدنية والتطور ، وتبقى الحضارة في ابسط تعريف لها بانها مجموعة الثقافات والقوانين وتطور العلوم لخدمة الانسان ، وارتباطا بهذا فان الثقافة تكون سلوك حياتيا ليس له علاقة بايدلوجية الشخص ، بتدينه او يساريته أو يمينيته ، بقدر ما هي معيار لحضارة وتطور الانسان والمجتمع من حوله .
العالم الاخر ، المدني، المتحضر ، كل يوم يرسل لنا قصصا بسيطة في محتواها عميقة في دروسها. هذه المرة قصتنا من مدينة بليموث، وهي مدينة ساحلية تقع جنوب غرب بريطانيا ، لا يتجاوز عدد سكانها على 250 الف نسمة ، والمدينة معروفة بعراقة تأريخها الذي يعود الى الف عام قبل الميلاد ، وعرف اسمها جيدا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، اذ بكونها واحد من اهم الموانيء الطبيعية في البلاد ، جعلها هدفا عسكريا رئيسيا ، فتعرضت للعديد من غارات الطيران الهتلري الشرسة الذي كاد ان يدمرها بالكامل ، فاعيد بناؤها من جديد على يد خيرة مهندسي ومعماري البلاد مع الحفاظ على المعالم الاثرية فيها ، وهي اليوم من اكبر القواعد العسكرية في اوربا الغربية . من هذه المدينة طيرت وسائل الاعلام مؤخرا خبرا طريفا ، جعل من فتاة بريطانية مغمورة ، تعمل في كافتيرا على الطريق ، هي الشابة "شيلا توماس" النادلة في مقهى بمدينة بليموث ، اسما معروفا في كل مكان ، حيث ذكرت الانباء انها وبخت ديفيد كاميرون (مواليد 9 أكتوبر 1966) ، زعيم حزب المحافظين البريطاني ، ورئيس الوزراء البريطاني منذ 11 ايار 2010 ، لتجاوزه طابور الإنتظار، حين أراد أن يطلب فنجاناً من القهوة .
الصحف البريطانية ومواقع الانترنيت التي تناقلت وقائع القصة ، تقول ان رئيس الوزراء كان في طريقه الى احتفالات عيد القوات المسلحة في بليموث وقرر ان يتوقف ليشرب فنجانا من القهوة ، وقد لاحظه بعض السكان المحليين يتمشى الى مقهى للسندويش ، واذ طلب من البائعة فنجانا للقهوة ، صاحت غاضبة : " الا تراني مشغولة مع زبون اخر ، انتظر دورك ! " ، فأعتذر كاميرون منها ووقف صاغرا في طابور الانتظار لمدة 10 دقائق، قبل أن ينتبه مساعديه لانتظاره فهرعوا الى محل قريب ليجلبوا له فنجانا من القهوة مع شطيرة محلاة ، مما اثار غضب النادلة من جديد ، اذ كيف يجلس في مقهاها ويشرب قهوة من مكان اخر ! ، حينها تم تنبيهها الى انها تتحدث مع رئيس الوزراء ، الذي قام بنفسه ليصافح النادلة ويحييها ويتحدث مع الناس في المكان .
النادلة قالت للصحافة انها لم تتعرف اليه وعاملته مثل اي مواطن اخر ، ولم تر منه اي رد فعل سلبي ، بل كان مؤدبا ولطيفا وتحمل كل توبيخاتها !
سلوك ديفيد كاميرون ، ليس دعاية انتخابية ، بل هو تصرف عادي ، من رجل دولة عرف عنه التواضع ، فهو يذهب الى مكان عمله عادة على الدراجة الهوائية وتخبرنا الصحف بأن هذه ليست المرة الاولى التي يتعرض فيها كاميرون الى هذا الموقف ، ففي الصيف الماضي اذ كان في عطلة مع عائلته في منطقة توسكانا اجبرته نادلة على ان يحمل صينية من المشروبات بنفسه الى طاولته لانها رفضت فعل ذلك بسبب انشغالها !
عن الصباح البغدادية يوم الثلاثاء 17/7/2012
عالم أخر (1) - تطبيق القانون عمل شاق جدا في كل مكان !