|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  20 /  9 / 2016                                 فرات المحسن                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

كارل ماركس في العراق
(
22)

فرات المحسن
(موقع الناس)

هو الآن عند مفترق طرق فقد عافه أبو رمزي وحيدًا تائهًا في مدينة العجائب بغداد التي سمع عنها الكثير وآخر أنبائها ما حدث معهم في مركز الشرطة. يا ترى إلى أين يذهب الآن؟ وأي مكان سوف يلجأ إليه؟ وكيف يتسنى له العيش؟ والأهم من كل ذلك، ما الذي يفعله للخروج من لعبة القدر المؤذية هذه والوصول إلى لندن. كان في حالة ذهول لا يستطيع معها إيقاف تلك التشابكات التي بدأت تلح في رأسه وتطن مثل جوقة حشرات استهوتها قطعة حلوى. أين وكيف، كانتا كافيتان لإشغال كامل تجويف رأسه بوجعهما.

سار ماركس متجهًا نحو المكان الذي أشار له أبو رمزي. وقف عند حافة الرصيف يراقب المارة وحركة السيارات التي كانت تخترق الشارع العريض من كلا جانبيه بسرعة جنونية. ثمة نفق يقطع الشارع طولاً يفضي إلى جوار فسحة لحديقة كبيرة يجاورها أيضًا على الجهة الأخرى شارع لمسير السيارات. سار جوار الرصيف ليقترب من مقدمة الساحة التي تنتهي عندها مساحة الحديقة.

اقترب من زاوية قريبة تسمح له برؤية الواجهة الأمامية للحديقة. شاهد لوحًا أسمنتياً ضخمًا كأنه راية تمتد على طول واجهة الحديقة، وضعت فوق اللوح نُصب عديدة، راح ماركس يتمعن فيها محاولاً معرفة طبيعة تلك التماثيل ودالتها. لا توجد رؤية فردية ذاتية في هذا العمل الجميل فهو يرى فيه عملاً فنيًا متأثرًا بمختلف الظروف الاجتماعية والسياسية للعراق، الزراعة والثور والأم والجندي محطم الأسوار، جميعها تؤشر لمحاكاة تجربة حياتية غنية بمعرفة معالم البلد ومسيرة حراك البشر فيه. تحت النصب كانت هناك سيارة عسكرية جوارها وقف عسكريان يتسامران ويطلقان ضحكات عالية وعند قمرتها العليا تظهر فوهة رشاش كبير يجلس خلفه جندي يداعب أرقام هاتفه النقال. حاذر ماركس أن يتخذ مسار عبوره من خلال هذا الطريق خوفًا من إثارة شكوك هؤلاء العساكر إن خطر أمامهم بهذه الهيئة، فربما كانت لديهم معلومة عن الذي حدث وعنه بالذات. استدار وعاد مرة أخرى حيث فتحة الزقاق التي قدم منها. وقف عند جهة الشارع القريبة من بداية النفق يراقب حركة السيارات. هم بخطف لحظة يتوقف فيها سير العجلات ليقفز إلى الضفة الأخرى من الشارع حيث بدا أمامه سوق مكتظ بالناس وعربات كثيرة تسيطر بالكامل على مساحة رصيف المشاة. لم يتعرف على نوع البضائع التي يبيعها هؤلاء. بعد جهد جهيد استطاع أن يقفز ليعبر الشارع بكل ما استطاع من سرعة. اقترب من عربة كان صاحبها يطهو طعامًا، يضع خليط من قطع لحم صغيرة مع بيض في مقلاة كبيرة أسودت جراء السخام فما عاد يظهر اللون الطبيعي لدهن القلي. فكر ماركس أن يطلب رغيفًا وبعض قطع من هذا الطعام ليلجم جوعه ولكنه شعر بالتقزز من طريقة البائع في أعداده، فابتعد ليدخل السوق.

أزقة السوق كانت ضيقة وخربة وازدحام البشر على أشده. فالناس محشورة في مسافات ضيقة جراء فوضى الباعة وسوء أرضية الأزقة. ليس هناك من قدرة على التنقل بسهولة مع شدة الازدحام وعشوائية انتشار العربات وربكة عروض بضاعة الدكاكين. فوضى كاملة. بعضهم يعلق في واجهة المحل ملابس عسكرية أو أحذية وهناك محلات للكي وخياطة الملابس وأخرى لبيع العدد والتجهيزات العسكرية وعربات تعرض أنواع مختلفة للبضائع، الطعام يجاور الملابس وعربة للعدد اليدوية وجوارها للنظارات الشمسية وهناك أخرى للصور الملونة وعربة يبيع صاحبها أحذية. المكان بمجمله فوضى كاملة وانتشار عشوائي للبضائع والناس، وجو السوق ليس صحيًا على الإطلاق، لا بل مظاهره تبعث على الريبة ويتسم بالقذارة، ويفصح عن ظروف عمل سيئة وبائسة. دون شك فإن جميع العربات التي تبيع بضاعتها ربما فيها ما هو ممنوع أو محرم، وهؤلاء يبدو عليهم بالمجمل دون أدنى شعور بالمسؤولية للمكان وللناس ولا حتى لبضاعتهم. يتقاسمون بعرباتهم مساحات الأزقة ومنعطفاتها. السوق يشي بوجود أعمال رائجة ليس لها أية علاقة بقطاع الدولة الحكومي، وأيضا دون إجازة عمل وبلا أية نوع من أنواع الضمانات.

كان ماركس ينظر حوله بشيء من الترقب والدهشة وهو لم يكن ليستغرب من وضع هذا السوق فقد سبق وأن شاهد مثله في جميع المدن العراقية التي مر بها، ولكن هذا السوق يمتاز عن الباقي بكثافة الناس وتنوع بضائعه والحظوة فيه لبيع الملابس والعدد العسكرية.

تذكر ماركس ما أرشده عليه أبو رمزي لذا راح يتوغل في أزقة السوق بحثًا عن مقهى بعيدة بعض الشيء عن الشارع العام. في زقاق منفرد بفتحة ضيقة يخرج منها المارة إلى زقاق عريض أخر يلتصق بممر يفضي لسوق كبير بعدة أقسام، كانت هناك مقهى صغيرة لا تأخذ مساحة كبيرة من المكان تجاورها عربة لبيع الطعام. تقدم ماركس وجلس فوق التخت القريب من عربة الطعام. نظر نحو صاحب العربة الذي كان يهيأ قطعة رغيف وضع فيها الأكل ولفها بقطة صغيرة من ورقة صحيفة وقدمها للزبون الذي تلقفها بدوره ودفع ورقة نقود وذهب ليجلس داخل المقهى. التفت صاحب العربة نحو ماركس قائلاً.
ــ ها عمي جوعان..
ــ نعم.
ــ تريد لفة..لو بالماعون ..؟
ــ مثلما تريد
ــ أخليلك عروكَ وبيتنجان لو بس عروك؟
ــ مثلما تريد..
أخذ صاحب المطعم يجهز الطعام وبين لحظة وأخرى يخطف النظر نحو ماركس الذي تعلقت عيناه بيد صاحب المطعم.
ــ أخليك خضرة؟
ــ مثلما تريد.
ــ أخليلك طرشي؟
ــ مثلما تريد.

بشيء من الحذق قطع الرجل ورقة جديدة من الصحيفة وغلف بها الصمونة وقدمها لماركس الذي تلقفها بشديد لهفة ورفعها قرب فمه، ولكنه تذكر بأن عليه دفع الحساب لصاحب المطعم فاخرج الورقتين الحمراوتين من جيب سترته، وقدمهما لصاحب العربة. أطال صاحب المطعم النظر في وجه ماركس، عاينه من رأسه حتى أسفل قدميه. رأس خفيف الشعر مغبر ولحية لم تحلق منذ فترة طويلة، سترة بنية اللون متربة مزق كتفها الأيمن من أعلى، وثوب هفهاف أبيض كالح اللون وحذاء أصفر مغطى بالوحل.

ــ هاي شنو عمي هاي خمسين ألف دينار.. هاي هواية تكدر تاكل بيه خمس تيام ليل نهار..
ــ ما أعرف..
ــ أبني أيبين أنته فقير ما جاي كَبل لهنا؟
ــ نعم سيدي فأنا لم أدخل هذا السوق سابقًا.
ــ هاي شنو.. أشو تحجي مو بشكلنه بالعامية؟
ــ لم أتعلم اللغة الدارجة..
ــ خوش وليدي صار معلوم.. صار.. أبو داود جيب جاي للأخ على حسابي.

نادى صاحب مطعم العربة على رجل كان يقف داخل المقهى يراقب الشارع، جاء الرجل ومعه قدح شاي قدمه إلى ماركس وجلس جواره.
ــ عمي أنته منين؟

كان ماركس قد بدأ يلوك طعامه ولذا لم يرغب أن يحادث الرجل. فكر بأن حديثه سوف يضعه في ورطة جديدة فعليه أن يحاذر، فربما لن يجد ما يشفع لإخفاء شخصيته، ظل صامتًا يمضغ قطعة الطعام بسرعة ويتلفت حوله، لا يريد أن يستدرج إلى ما يجعله مكشوف الظهر للآخرين، فالصمت يغني عن الكلام كثيرا.ولكنه تيقن أيضا بأن ليس من المناسب بعد الذي حدث أن يخفي شخصيته ويتستر عليها، فالموجب عليه أن يجد حل لمأزقه وهذا هو الأساس.

ــ عيوني أبو داوود مو وكته خلي الرجال ياكل لكمته ويتهنه بيه.
قال صاحب عربة المطعم ذلك وغمز بعينه إلى أبو داوود.
ــ لا عمي أبو عفيفة تره آني متقصد أسأله لئن آني تهمني مصلحة ألي يكعدون بكهوتي. وأنته تعرف شنو مطلوب من عدنه ..تره ما بينه حيل للمشاكل.
ــ ميخالف.. بعدين عيوني أنته.. دروح جيبله كلاص ماي ليروح يغص باللكَمه..
ذهب أبو داوود وجاء بقدح ماء سلمه إلى ماركس الذي احتساه بسرعة دون توقف.
ــ ألف عافية عيوني يبين معطوش حيل.
ــ نعم منذ الصباح ولحد الآن لم أذق طعامًا أو شرابًا.
ــ هاي عجيبه؟ ليش عمي انته مو عندك خمسين ألف دينار أطيتنياها هسه.. لعد شنو جنت أسوي بيه؟
ــ لقد أعطاني إياها أبو رمزي ولم أعرف قيمتها الشرائية.
ــ عمي أنته شسمك؟
ــ كارل ماركس.
ــ شنو ..شنو ؟؟ مره لخ أعد شنو اسمك؟ صاح أبو عفيفة متعجبا.
ــ كارل هنريش ماركس.
ــ دخيلك ربي.. لك أحترك أبو هذا الحظ المخربط.. الرجال عالكَه وشابه عنده كلش.. مشتعله أموره وملتهبة ورايح فول.
قال أبو عفيفة وهو يطالع أبو داوود الذي فغر فاه تعجبًا مما يسمعه.
ــ داد من أندار صدقه أل هلخلقة التعبانه.. يعني كارل ماركس الألماني؟
ــ نعم أنا هو بالذات.
ــ معود أنته متأكد ..عمي خاف مشتبه لو جايك طيف بالليل ومخربط الغزل عندك.
ــ عن ماذا تتحدث ؟
ــ أبو داوود أنته تعرف كارل ماركس منو؟
ــ عيوني أبو عفيفة متكلي أني شمعرفني.. كَبل من جنت زغير أروح أشوف أفلام وجنت أحفظ هواية من أسماء الممثلين.. جوني ولسملر، روك هدسون، روبرت متشوم.. بس هيج أسم ما سامع بي ولا خاطر عليه.
ــ هذا مو أسم ممثل.. هذا اسم أبو الشيوعية.. مؤسس الشيوعية هو وصديقة انكلز.
ــ وهذوله شنو.. وهاي أنته شمعرفك بهذا الشي؟
ــ ابو داوود ..أنته تدري أني جنت بوكت عبد الكريم قاسم معلم، وجان لذاك الرجال ماركس صيت قوي وكتبه وصوره بكل مكان وعد هوايه ناس، والناس تشتري كتبه، وهوايه جانو يحبونه، وهمين أكو هوايه يكرهونه وهسه همين اله جماعات بالعراق. هذا هوه السوه الشيوعية.
ــ وهذا عايش من وكت عبد الكريم.. و شنو شجابه هسه هنا لديرتنه؟
ــ لا عمي كارل ماركس مات قبل لا تنولد أنته لو أني وحتى قبل ما ينولد جدي حمادي.. وهذا صاحبنا يسمي نفسه بنفس أسم ذك.
ــ أها .. لعد هيجي الحجي، هذا مو هوه.. واسمه على أسم ذاك الرجال الميت... اي شكو بيه، مو هواية عراقيين سمو أسماء ولدهم على أسم عبد الكريم قاسم وعبد السلام وكَبله أنتشر اسم فيصل وغازي.. ناس تحب وتسمي. بالمناسبة أبو شهباء راح لدائرة النفوس حتى يغير أسم أبنه من عدي إلى عداي.. شفت الوكت شلون يلعب لعبتة.. هاي الناس شبيه بس تتلوكَ وبعدين من يفتر الوكت تتندم.
ــ عيوني أبو داوود لكل زمان دولة ولكل دولة رجال. ألناس تسمي ولده ما تدري حب لو لواكَه.. الله أعلم ..حسبالك قحط الأسماء بعدين من يتغير الوكت كَلبهم يكوم يطكطك من الخوف..

كان ماركس خلال ذلك الحديث يلوك الطعام وعيناه تراقبان الرجلين ويستمع لحديثهما بانتباه لعله يجد ما يساعده للخروج من المأزق الذي سوف يواجهه جراء ما ينهال عليه من أسئلة. تلك اللحظة دنى رجل آخر كان يتنصت للحديث من داخل المقهى ومن خلف التخت الذي يجلس عليه ماركس.. استدار وجلس عند طارف التخت قرب أبو داوود ودون مقدمات قال.
ــ خالي أبو عفيفة آني أدفع حساب الرجال هذا.
ــ عيوني أبو رجب مشكور.. بس الرجال عنده فلوس.
ــ حتى لو عنده.. آني أدفع عنه.
ــ منو يكول يقبل؟
ــ لا يقبل.. مو حبيبي أستاذ عبد القادر تقبل مني أدفع عنك الحساب؟

 

كارل ماركس في العراق (21)
كارل ماركس في العراق (20)
كارل ماركس في العراق (19)
كارل ماركس في العراق (18)
كارل ماركس في العراق (17)
كارل ماركس في العراق (16)
كارل ماركس في العراق (15)
كارل ماركس في العراق (14)
كارل ماركس في العراق (13)
كارل ماركس في العراق (12)
كارل ماركس في العراق (11)
كارل ماركس في العراق (10)
كارل ماركس في العراق (9)

كارل ماركس في العراق (8)
كارل ماركس في العراق (7)
كارل ماركس في العراق (6)
كارل ماركس في العراق (5)
كارل ماركس في العراق (4)
كارل ماركس في العراق (3)
كارل ماركس في العراق (2)
كارل ماركس في العراق (1)

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter