|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء 10 /  11 / 2015                                 فرات المحسن                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

كارل ماركس في العراق
(
6)

فرات المحسن
(موقع الناس)

كانت السفرة القصيرة إلى مدينة أور ممتعة جدًا غيرت المزاج المتعب الضجر الذي انتاب ماركس عند نهاية اجتماع الظهيرة في بيت عبيّس. المدينة الأثرية الممتدة في عمق برية واسعة تجعل المرء يفكر بذلك الوجود المكين لتلك الحضارة العميقة التي قدمت للبشرية انجازات طبعت بصماتها ومازالت في حركة وحياة البشرية، أنها علاقة الإنسان بالإنسان مثلما علاقته بالطبيعة. تلك الأحجار رغم صممها فأنها تروي حضارة سادت وتسيّدت، كان صراع الطبقات فيها متصاعدًا ومستمرًا. كان هناك فئات الناس من المنتجين وهناك في مواجهتهم ملاك الأرض أو وسائل الإنتاج كل هؤلاء تشي بوجودهم عظمة هذه الزقورة الرائعة الذاهبة بارتفاعها نحو السماء العليا، لتصنع لربها دينه وتقدم له قرابينها عند مذبحها. لقد حول الإنسان الطبيعة بجلالها وجمالها إلى ربّ حاكم مرهوب رغم تغزله بها ومناجاته لها.

ــ رفيقنا ماركس ما الذي أوحت لك زيارتنا لزقورة أور؟
سأله الرفيق جبار عند مدخل بيت أبو نداء وهم يهبطون من السيارة بعد عودتهم إلى المدينة.
ــ كنت في حلم من فنتازيا.. تخيلت سيرة حياة هؤلاء البشر الذين أبدعوا وأعطوا كل ذاك الإرث المادي والمعنوي، دائمًا وأبدًا الإنسان يصنع التأريخ بحرفية عالية، يصيغ فصوله المادية مثلما الروحية، إنه يشيد تأريخه وإنسانيته بحرفية مذهلة. هؤلاء قفزوا فوق منظومة المشاعة البدائية، ولكن العبودية كانت تطغي على روابط البشر وقتذاك. التاريخ البشري واحد تشترك فيه جميع الحضارات ودائمًا كان التطور الارتقائي سمة لوجودها الفعلي. هناك دوائر حضارية لم تعرف العبودية ولكن تلك الزقورة في مدينة أور توحي بذلك مثلما الأهرامات في مصر، والبشر هناك في سعيهم الجمالي استندوا على طابع التطور والتناقض، وأرى في ذلك علاقة بنمط الإنتاج المادي حينها .
ــ هاي شلون طركاعة يالله؟! أنه أظل دوم مسطور وأثول ومثل أطرش بالزفة.
ــ هاي شبيك أبو راهي أي هسه مو تونسنه وغنينه بالسيارة وأكلنه خبز عروك من أيد أم نداء، شنو صار؟

تساءل الرفيق جبار وهو يسمع جملة التذمر والضيق التي أطلقها الرفيق أبو راهي الذي رافقهم في زيارة مدينة أور التاريخية، وكفلهم شخصيًا عند نقطة التفتيش العسكرية حين ذهابهم إلى آثار مدينة أور ومن ثم عودتهم إلى مدينة الناصرية.
ــ رفيق جبار، الحجي أبيناتنه الموضوعة مو يم السفرة ولا يم خبز العروك، ولا صوت عبيس من جان يغني مشيت ويا للمكير أودعنه.. رفيق أني أنسطرت من جواب رفيقنا ماركس على سؤالك.. أي هسه هاي السوالف منين يجيبه ما أدري؟ الله يساعد مرته وجهاله عليه، إذا شهر أمشي ويا، راح أتسودن.
ــ رفيق هاي المتعبتك؟ كلشي واضح وما يرادله تفسير.. رفيقنا ماركس يكول الإنسان سوه العمايل ولعب طوبه بالدنيا وخلق ولايات وبنه بيوت والرفيق متونس وفرحان بما شافه هناك.
ــ هاي هيه رفيق؟ جبته من الأخير.. جا شني روحية وفصول مادية وطابع التطور والتناقض.. وروح أبوك رفيق جبار، لو مو شويه واكفه، ويكولون سوه خرق بالرفاقية، وجان ما ملتزم بالتسلسل الحزبي، جان كتلك والحمزة أبو حزامين أنته هم مسطور مثلي ومضيع صول أجعابك.

أطلق الرفيق جبار ضحكة مجلجلة وأحاط جسد الرفيق أبو راهي بيديه ودار معه دورات كاملة وراحا في موجة من ضحك عالي. كان ماركس ينظر لهما مبتسما ويحاول تجنب ارتطامهم به. والتفت نحو أبو نداء وكأنه يحثه على إنهاء هذا الوضع والسماح لهم بالدخول إلى البيت بعد هطول المساء ومشاعر التعب التي أحس بها ورغبته في شيء من الراحة.
كان عبيس يتكئ على حافة الباب ويطالع رفيق جبار وأبو راهي بابتسامة رضية تستحسن مزاحهم تلك اللحظات. حين فاجأهم قائلا.
ــ من رخصتكم رفاق نص ساعة وأرجع .
ــ وين رفيق عبيّس وين رايح؟
ــ أبو نداء.. حبيبي أكو شي جوه إيدك حتى أبقه ما أروح.
ــ لا رفيق منين... آخر شي خلص على إيدك بكعدة الجمعة الفايته.
ــ جا ليش تكول وين رايح رفيق تريده كعدة يباسي؟ عليك حضر المزة وآنه راح أجيب لبن وطرشي.
ــ عبوسي حبيبي لا تنسه الخس.
ــ جا بويه شنو إبيتكم بس الماي؟ وهم راح تعشينه تمن ومركه. لو جاي وخبز؟
ــ لا كلت لأم نداء تسويلنه زوج خضيري .
ــ رفاق تسمحولي أتبرع بسمجة مشوية.
قال ذلك أبو راهي وهو يخرج بعض النقود من جيبه .
ــ هاي روحية عالية للمشاركات والمبادرات النضالية.. حس متفوق بالتضامن ونكران الذات ألرفاقي. مو بيده مناضل عضوي هيه كوه.. جيب لعب أيدك عشرين ألف دينار بوجه الرفاق تره متضيع، وعلى الأقل رفيق ماركس يكول ضكت سمج بالناصرية.
هكذا قال الرفيق عبيس مادًا يده نحو الرفيق أبو راهي ليأخذ النقود، بعدها استدار وذهب بعيدًا. دخل بعدها الرفاق بيت أبو نداء وجلسوا في غرفة الضيوف التي بدت معالم الرطوبة ظاهرة على جدرانها. تتوسطها منضدة صغيرة وثلاثة مقاعد جلدية وكرسي من الخيزران، وصورة مؤطرة لرجل مسن يرتدي العقال والكوفية علقت فوق الجدار المقابل للنافذة التي تطل على باحة الدار الداخلية. جلس ماركس في الزاوية القريبة من النافذة وجلس الباقون قبالته. طرق باب الغرفة وسمع صوت امرأة تنادي على أبو نداء الذي ذهب وعاد حاملاً صحنًا كبيرًا من الرز وضعه فوق المنضدة ثم كرر جلبه لباقي الطعام، بعدها جلس داعيًا ضيوفه البدء بالأكل، عندها طلب الرفيق جبار الانتظار لحين رجوع الرفيق عبيّس وسأل إن أمكن الاتصال به هاتفيا لمعرفة وضعه، فأجابهم عبيّس بأنه قريب من بيت أبو نداء. لم يستمر انتظارهم غير دقائق معدودات حين طرق عبيّس الباب ودخل حاملاً حقيبة سوداء كبيرة بيده اليمنى وكيس آخر بيده اليسرى. جلس ووضع الحقيبة جانبًا وأشار بإبهام يده نحو الأعلى علامة تحقيق النجاح. ناول الكيس لأبو نداء منبهًا عليه باحتوائه على سمكة مشوية ورأس خس، بعد ذلك فتح الحقيبة وأخرج كومة ملابس ثم لفافة من قميص غطى بها قنينة ويسكي ثم أخرج أخرى فضج الرفاق بالضحك والمديح للمحصول الوافر والجهود العظيمة والبطولة التي يبديها عبيّس دائمًا لأجل توفير السعادة لرفاقه.
ــ هاي شلون دبرته رفيق عبيّس ثنين مو واحد وبالممنوع.
ــ ليش رفيق مو آني عبيّس لو غيره؟ رفيق ماركس خطارنا وتريدني أجيب واحد.. شني بويه تريدنه نتمضمض باستكانات وأحنه خمسه.
ــ خوب مو مغشوش.
ــ هاي سوالفك أبو راهي دائمًا عندك قاعدة إثارة الشكوك وصولاً للقناعة والحتميات.. ديكارتي مو بيدك (1).. إنته دضوكه وبعدين قرر.
ــ جا مو قبل شهر حصلت واحد وطلع مغشوش.
ــ أي نعم.. إنته تتعامل ويه صغار القوم.. أحنه نتعامل ويه رأس الأبي.. تعرف شنو ومنو رأس الأبي.
ــ لا والله عبيس ..منو هذا؟
ــ سيدنا ومولانا أبو حوراء .
ــ لا .. ابروح أبوك.. صدك جذب.. أبو حوراء.. مو سيد أبن رسول الله وخاليه مسؤول جبير ويحكم بشرع الله بمنطقة السديناوية.
ــ بويه التجارة والفلوس تعمي العيون.. يا سيد يا حُمَيد.. وهسه إنته شعليك أذا سقيت رويحتك العليلة من إيد سيد لو من أيد عامي.. بالمرة الجايه أجيبلك بطل من وزير الحصة التموينية.
كان رفيق ماركس يبدو غير معني بما يدور حوله من حديث، فالتقطيبة بدت فوق جبينه وكان يسلط نظره على مائدة الطعام، ذاهب بفكره في أزقة لندن وعند عائلته التي شعر اللحظة باشتياق حاد لها سيطر عليه بالكامل. رفع رأسه حين سمع نداء الرفيق جبار له .
ــ رفيق ماركس أين سرحت.. لنبدأ بالأكل.. ألا تشعر بالجوع؟
ــ نعم رفيق، ولكن قبل ذلك أحتاج لكاس يعدل المزاج.
ضج الرفاق بحيوية وحبور بسبب طلب الرفيق ماركس هذا، وراح عبيّس في موجة صراخ وكلمات سريعة متتالية.
ــ حيهم بويه حيهم.. حيهم.. ألف رحمه على ابيهم.. هذولة العذبوني.. هذولة المرمروني وعلى جسر الهولندي عذبوني.. دائما البدايات الثورية تخليني أروح بعيد، عاشت أيدك رفيق ماركس.. يابه وروحه الخالي أحله ماركس أنته.
استمر الحديث وتشعب وكان خليطًا من حديث شخصي وعام تخللته نكات وغناء حسب الطلب، أداه عبيّس بمزاج رائق جدا. كل ذلك بينما الرفيق ماركس كان بين فينة وأخرى يسرح بعيدًا ولكنه يحاول اغتصاب ابتسامة يجامل بها ندمائه. فهو بعيد عن فهم ما يدور بينهم من حديث، لا بل لم يكن حديثهم في حقيقة الآمر ليستحوذ اهتمامه، فهو يفكر في ساحات قصية عن مكانه الآن. هناك في أوربا ومن ثم أسيا ليعود بعدها ويحاول مقاربة ما يحدث هنا بتلك العوالم. منذ دخوله العراق لحد هذه اللحظة وهو يدقق ما شاهده ويشاهده وسمعه وقرأه، وتلك الجلسات التي جمعته برفاق يطلقون شكواهم وشكوكهم بين جملة وأخرى. ينظر إلى وجوههم التي ظهر عليها التعب وبانت آثار الكدح والهموم عليها. هؤلاء الذين يحاولون دائما أن يوعزوا كل خلل وخيبات أحاطتهم، لجهات بعيدة عنهم، سلطت عليهم كل تلك العذابات. يرمون مشاكلهم ويطردونها ليلصقونها بعوامل بعيدة عنهم، نافين أية تهمة توجه لذواتهم، إنه مرض الفصام الذي يقبع داخل الإنسان المضطهد. حيث يسقط مسؤولية التقصير الذاتي على الآخرين، أي التخلص من كل ما هو سيء ومؤذ بمحاولة اتهام الغير به، دون البحث في الفعل الخاص والسلوكيات الفردية والعدوانية التي تتحكم في أفعاله، لتكون في النهاية مقدمة للقناعة بوجود حالة عامة من الرضا بما يقع كونه مقدر ومكتوب. وتلك هي حالة البؤس المستعصية التي تحتاج لتفجير من الداخل وليس غير ذلك.
ــ رفاق أشعر بالحاجة للنوم.. ممكن تناول كأس أخرى لأذهب بعدها إلى السرير.
هكذا بادر الرفيق ماركس منهيًا تفكيره الذي شط بعيدًا عن أجواء الصحبة والرفاقية، وذهب بعيدًا في محاولة لسبر غور الأزمة والأحداث ولكنه لحد الآن لم ينل جوابًا مقنعًا يرضي النفس.
ــ تستطيع ذلك رفيقنا العزيز.. وربما أحاديث رفاقنا الخاصة وغير الذكية سببت لك بعض الإزعاج .
ــ كلا أيها الرفيق جبار فأنا أشعر بالتعب بعض الشيء.
ــ لك ما تريد عزيزنا الرفيق كارل هاينريش ماركس.. بصحتك يا أحلى رفيق.. إن ينصركم الله على أعداء الماركسية من الرأسماليين والبرجوازية الكومبرادورية فلا مانع لدينا.. تصبح على خير يا وردة الورود.
أبتسم ماركس بتثاقل وارتشف كأسه جرعة واحدة وذهب خلف أبو نداء متوجهًا إلى غرفة نومه التي يشاطره فيها الرفيق جبار منذ ليلة أمس. جلس وحيدًا يطالع الجدران مثل ليلة البارحة فشعر بثقل الهواء وحرارة الغرفة الخانقة. مد جسده الثقيل فوق الفراش وراح يستمع لصخب الرفاق وضحكهم العالي وجدالاتهم التي أقتنع بكونها عقيمة وليست ذات جدوى، لم يطل التفكير حين بدأ النوم يتسرب إلى عينيه فراح في سبات عميق.
أستيقظ الرفيق ماركس من نومه على صوت الرفيق جبار وهو ينبهه بأن الساعة تجاوزت التاسعة صباحًا وعليهم تناول الفطور والمغادرة نحو البصرة. دهش الرفيق ماركس من كلام الرفيق جبار، فهو لم يخبره بنية السفر إلى البصرة .
ــ رفيق لم تعلمني سلفًا بجهة سفرنا.
ــ رفيق مثلما أخبرتك سابقًا فلنا أنا وأنت جولات في المدن العراقية للالتقاء برفاق يودون اللقاء بك والتحدث إليك.
ــ حسنًا ليكن ذلك .
ــ رفيق أبو ستار الورد مناسبة حلوه أروح وياكم للبصرة. قالها الرفيق عبيّس باستحياء.
ـــ وماذا تفعل هناك.. هم قجق لو ممنوعات.. ليش ما تبطل سوالفك الفاينات؟
ــ لا والله رفيق.. نشتري بضاعة بسعر مناسب.. يعني بزبز رفيق.
ــ قصدك بسنز تجاره .
ــ بالضبط رفيق رحمة لهذاك الجد المات وماضايك الفانتا. وأطلق ضحكة لم تنل استحسان رفيق جبار فظهرت على محياه معالم غضب.
ــ رفيق عبيّس أعرف حدودك.
ــ العفو رفيق حبيت ألطف الجو..
ــ لطف الجو بس أعرف حدودك إنته رفيق.. وآني منو.. هم رفيق.. مو كاعدين دنلعب دومنه.. صح لو مو صح..
ــ والله صح رفيق.. أعتذر منك رفيقي.
كان الجو مغبرًا حارًا رطبًا حين استقلوا السيارة وودعهم عند الباب الرفيق أبو نداء ومعه الرفيق أبو راهي. خرجت السيدة أم نداء التي توشحت بعباءتها السوداء وكانت تمسكها من طرفيها لتطبق بهما حول صدرها وتحت حنكها، وفي يدها الأخرى حملت وعاءً مملوءً بالماء، سكبته حين تحركت السيارة بعيدًا نحو الشارع الرئيسي المفضي إلى الطريق الذاهب نحو مدينة البصرة، وقالت بصوت مسموع محروسين بسور سليمان أبن داوود رفاق.
داخل السيارة ساد صمت مطبق لا يسمع خلاله غير صوت خفيف للمحرك، وكان الهواء باردًا منعشًا داخلها. استرخى جسد عبيّس. ودون مقدمات راح في إغفاءة مكينة وكأنه في فراش وثير من ريش نعام. صوت جهاز التسجيل يبث أغنية طويلة لأم كلثوم راح يدندن معها الرفيق جبار ناظر إلى الأمام، سارح في خياله، حين رن جرس الهاتف النقال، أخذه الرفيق جبار وكان أبو شمخي على الجانب الآخر.
ــ ها أبو شمخي.. شتريد، خوب ماكو شي؟
ــ هاي هم أجه آمر القاطع وهل مره يريد ميت ألف .
ــ شنو.. ميت ألف.. قندره عتيكة لتنطو كلوله من يرجع الرفيق جبار.
ــ رفيق جبار هذا معاند وراكب راسه.. يكول لو اليوم أستلمهن لو أغلق الفندق.
ــ خوش.. بلغ شمخي كله يكول عمك جبار، روح يم الربع بحي الدوره وكلهم الخمسين ألف حاضره، وهمه يتكفلون بالباقي. افتهمت لو هم مخك ثكيل مثل الباقين؟ خبر شمخي هسه خلي يروح للدورة بالعجل.. يالله ابني السبع.
أغلق الهاتف ونظر نحو الرفيق كارل ماركس الذي بدا وكأن الصمت يجلله فراح يضغط على أطراف أصابعه بحركات لا إرادية، وينظر نحو الصحراء الرملية الصهباء الممتدة في البعيد. كان يشعر بشيء من الندم المخلوط بالضجر والملل ويلوم نفسه بسبب انقياده لقرارات الرفيق جبار التي لم تكن في الكثير منها مبعثا للتفاؤل والسعادة، ولم يحصل منها أو يستخلص ولحد الآن، نتائج إيجابية تنفعه في دراسته، رغم أن مجيئه إلى العراق كان قرارًا طوعيًا، ومن المفترض ومنذ البداية كان عليه أن يملي شروطه بما يحقق له ولبحوثه النجاح، ويمكنه الحصول على توثيق لتجربة يعرضها لرفاقه وجمهوره في لندن بعد العودة. ولكن جبار ورفاقه و الوضع الهلامي غير المستقر دفعاه للانقياد والرضا عن خطط هذا الرفيق الأناني الغامض.
عند الاقتراب من مدينة البصرة وعند تقاطع طريق محمد القاسم مع طريق المطار أوقفتهم دورية عسكرية وكانت تقف ليس بالبعيد عنها دبابة أرامز وثلاثة عجلات مدرعة.
ــ إلى أين ذاهبون..
ــ إلى البصرة عزيزي أبو خليل الورد.
ــ يمعودين أرجعوا أحسن ألكم تره ممنوع، الوضع خطر جدًا، أهناك معركة تدور بين عشيرتين ويستعملون بيها كل الأسلحة وجميع الطرق إلى البصرة مقطوعة.
ــ هسه تفض حتمًا. الخيرين هوايه وهسه يحلوه.
ــ يا خيرين يا ميرين. صار من أول البارحة العصر وليهسه والهاونات ركع.
ــ لا بربك هاونات؟
ــ جا بويه ما تسمع الهبد صوته يوصل لهنا.
استيقظ عبيس من غفوته وسأل عن الذي يحدث وكان ماركس يحاول بدوره الإنصات ومعرفة ما يدور من حديث بين العسكري والرفيق جبار.
ــ ها رفيق جبار شنو ما شنو.. خوب ما صاير انقلاب لو تمرد .
ــ أشو رفيق ما تسكت خل نفتهم زين.. أي أبو خليل والحرب هذي شنو سببه .
ــ والله خالي يكولون خروف طاب بمزرعة عشيرة ألبو حميره وجهال العشيره لازمينه وذابحينه وصار ما صار. وهاي من أول البارحة ولحد اليوم تتفاوض الناس.. بس القتال ما وكف.
ــ أي هذوله مو تعاركو العام على تلث نخلات.. شنو بس يردولهم حجة حته يتقاتلون.. يبين عدهم وفرة بالسلاح.
ــ لوين وصل طيحان الحظ بهذي الناس. لو أبن صبحه المشعول بعده عايش جان عرفو شلون يتكاتلون.. جان هجم بيوتهم على روسهم وخلاهم يبوسون أديناته ويركضون حتى يقبل منهم يتنازلون عن حقهم.
قال ذلك الرفيق عبيّس وهز رأسه الرفيق جبار موافقًا على ما تحدث به. ثم توجه الرفيق جبار إلى الرفيق ماركس شارحًا له الوضع والحادث الذي يعترض ذهابهم إلى البصرة، وعليهم أن يغيروا خط سيرهم والاتجاه إلى مدينة العمارة بدلاً من العودة إلى الناصرية.
ــ هذا هو حال العراق عزيزنا الرفيق كارل ماركس فما نحن فاعلون.
هكذا قال الرفيق جبار بتذمر وضجر ظاهرين
ــ دائما حين تهزل السلطة وتضعف مؤسسات الدولة وتزول الملاحقات القانونية تتفجر مختلف النوازع الجرمية العدوانية وتطفح نحو السطح مختلف أشكال العنف والاعتداءات وخرق القانون دون مراعاة لأي حقوق للإنسان، وحقه الطبيعي بالسلامة الشخصية والعيش الآمن. يحضرني الكاتب فراز فانون (2) حين ذكر في كتابه معذبو الأرض، أن البشر الذين خضعوا للغة القسوة ولزمن طويل، لا يمكن لهم أن يفهموا غير لغة القسوة، ولذا عندما يريدون أن يحزموا أمورهم تراهم يعبرون عن أنفسهم بلغة القسوة، وهذا ما يفعله هؤلاء اليوم. وهذه الظواهر المتخلفة في بلدكم اليوم هي نتاج القسوة التي مورست على الناس في مختلف الأزمنة، تبدو اليوم مستعصية، ولكن يجب أن تقاوم ويكون هناك نضال شرس ضدها والعلاج يجب أن يكون شموليًا ولا يقتصر عليها بل يشمل جميع المفاسد والعاهات الاجتماعية.
قال ماركس ذلك وهو ينظر بتوجس نحو الجنود الذين تجمعوا جوار الآليات العسكرية الواقفة عند تقاطع الشوارع الذاهبة إلى البصرة لمنع الناس من الدخول إلى منطقة النزاع العشائري.
ــ هاي هم قسمة مو زينة، مثل ما يقول السيد فافون.. مراح نحصل شي.. بس هم بيه صالح، أذا تروحون للعمارة أروح وياكم، أبقالي يومين يم عمامي.. رفيق جبار راح نروح للعمارة مو هيجي؟
تساءل الرفيق عبس.
ــ خوش تعال ويانه نذبك هناك وبعدين نقرر شنو نسوي. أحنه هم عدنه جم رفيق بالعمارة يمكن أنشوفهم.
استدارت السيارة وأخذت الطريق الضيق الذاهب شمالاً نحو قضاء المدينة حيث يرتبط في النهاية بالطريق العام المؤدي إلى مدينة العمارة.
ــ شوف رفيق شلون سوه بينا الاحتلال وين جانت كل هذه المعارك والخصومات.
قالها الرفيق جبار بحسرة وكان ينظر في المرآة الأمامية ليطالع الرفيق عبيّس الذي بادله النظرة وهز رأسه موافقًا على ما قاله.
ــ ولكن رفاقي، لا يمكن أن يعزى كل خلل وخطأ وفعل مؤذ للاحتلال، لابد من الابتعاد عن هذه الصورة المفرطة بالتبسيط ورمي كومة الخيبات والجرائم على مفردة واحدة، فمثل هذا الذي يحدث لا علاقة له بمحتل بقدر ما يتعلق بطبيعة ونمط التفكير الذاتي السيئ، وهذه الممارسات والنوازع الجرمية لها أسبابها الذاتية المجتمعية وعلاجها يتطلب جهدًا استثنائيًا على المدى البعيد .
كان لقول ماركس هذا صدى غير حسن عند الرفيق جبار الذي زم شفتيه بتذمر بائن .
ــ ولكن رفيقنا العزيز لم يكن ليحدث هذا قبل أن تدخل قوات الاحتلال الأمريكي .
ــ نعم لقد فكك المحتل مؤسسات الدولة وبالذات منها المؤسسة العسكرية بمختلف صنوفها، أي هشم المحتل أجهزة القمع السلطوية ولم تتكون بعد قوة بديلة تحل محلها. ونشأ نموذج جديد من تشكيلات اجتماعية سياسية برزت في هياكلها وتشكيلاتها أنماط مستحدثة لسلطات وليس سلطة واحدة، ومافيات استغلت هذا الفراغ لتبني عروشها وهذا ما ينخر جسد الدولة العراقية اليوم ويطعن في وجودها وهويتها الفعلية..
ــ أيباه رفيق جنك بقلبي.. والله قبل سنتين جنت أكول للرفاق مثل هذا الحجي بس ميصدكوني.. يكولون عبيّس يقره جرايد ويكَوم يثرم براسنه بصل.
ــ أنته كلشي وجنك تعرفه.. عبيّس بطل سوالف هاي مو علينه تره حتى ثلج كَلينه .
ــ جاهيه حزوره رفيق.. هاي السوادين الصابت كل هذي الناس.. شنو جانت، أبره لو كبسوله أنطاهه إلهم الأمريكان.
ــ خوش رفيق عبيّس.. مو تنسه من ترجع عود خبر رفاقنا بلي صار .
ــ ليش ما تخابر إنته هسه أبو نداء وتشرحله، وهم بالمناسبة يخبر أمي يكله آنه راح أبات بالعمارة عد عمامي.
ــ أي مو عندك تلفون ما تخابر إنته.
ــ رفيق جبار والحمزة ما عندي بي رصيد .
ــ عبيس.. يوميه تشلع من جيوب الناس الآلاف وهسه تبجي وتكول ما عندي رصيد. أشو أطيني تلفونك.
ــ رفيق كون على ثقة.. ليش متصدكدني .
ــ أصدكك رفيق.. ما بيه شي أنطيني التلفون .
ــ ما جذب عليك.. والخوه الرصيد مصفر.
ــ والله أكبر جذاب وسختجي.
ــ رفيق جبار شني السالفة.. تشاقه لو صدك تحجي؟!
ــ لا ما أشاقه.. آنه أعرفك لعبي وسختجي.
ــ هسه تريدني كدام الأجانب أفضحك فضيحة.. آنه السختجي لو أنته.. كافي عاد!
ــ عبيس تره إتجاوزت حدودك.
ــ رفيق جبار انته البديته واعتديت عليه .
ــ شوف عبيس لوما رفيق ماركس ويانه جان راويتك انته منو ..
ــ أيباه.. مو أطلع الخياس مالتك كله ..
ــ يا خياس ولك؟
ــ لا تكول ولك.. أبن الركاع .
ــ لا يا نغل ابن الحفافة.
ــ حفافة مو حفافة أشرف من النهيبة.. مو رفيق جبار.
ــ ولك أنته صدك مو آدمي وما بيك حظ.
فجاة ضغط الرفيق جبار على كابح السيارة وأوقفها في منتصف الطريق ثم جعلها تميل نحو الحافة الترابية للطريق وطلب من عبيّس النزول من السيارة. كانت حالة غضب وانفعال شديدين يسيطران على كليهما ولم يجد الرفيق ماركس ما يفعله معهما. فهو لم يكن ليعرف شيئًا عما دار بينهما بقدر ملاحظته لسورة الغضب التي انتابتهما، إما أسبابها فكانت بعيدة عن فهمه، فحوارهما باللغة الدارجة والسرعة بالكلام كانت تمنع عنه معرفة الأسباب.
فتح عبيس باب السيارة وترجل منها ونظرات الغضب كالشرار تتطاير من عينيه.
ــ شوف جبار أبن الركاع .. خلي ابالك بعد ما ألك طبه للناصرية. والخاطر الرفيق ماركس الكاعد يمك راح اعوفك هسه. رفيق ماركس تره جبار أكبر لعبي وحرامي.
ــ يله سد الباب أو ولي.. صرخ الرفيق جبار بقوة وضغط على كفة الوقود لترتفع السيارة عن حافة الطريق وتسير بأقصى سرعتها تاركًا الرفيق عبيّس وحيدًا في طريق شبه مهجور تغطيه عاصفة ترابية خلفتها عجلات السيارة.
ــ ما الذي فعلته رفيق جبار أوقف السيارة فلا يمكن تركه في هذا المكان، على أقل احتمال، عليك مسؤولية إيصاله إلى مدينة قريبة.. ربما يتعرض إلى خطر الحيوانات أو شيئ آخر.
بادر الرفيق ماركس بصوت غاضب متهدج بالحديث وكان قد استدار برأسه نحو الخلف ناظر نحو الرفيق عبيّس الذي بدأت صورته تبتعد كثيرًا عن الرؤية.
ــ أتركه أنه لا يستحق أن تهتم به فهو فوضوي وصبياني وخبيث ولن تجد فيه نفعًا.
ــ ولكن لا يمكن أن نتركه لوحده في طريق مهجور.
ــ الطريق ليس مهجورًا وسوف يجد من يقله معه.. رفيق لا تهتم بمثل هذا فهو حثالة كذاب ومنافق لا بل تافه.
صمت الرفيق ماركس مع هذا العناد الذي أبداه الرفيق جبار. ولم يكن ليستطيع استيعاب انهيار تلك العلاقة الحميمة بتلك العجالة. ربما أن لهذا الموقف سوابق أو كوامن طفحت فجأة لتتحول إلى شر وسوء وإثم كبير اقترفه الرفيق جبار وحتى لو كانت للرفيق عبيّس يد فيه. استنكر ماركس مع نفسه ردود الفعل المفرطة في شدتها التي مارسها الرفيق جبار وجاءت بما لا يتناسب حسب ظنه مع ما أقترفه عبيّس من مخاشنة، وشعر لحظتها بتعاطف مع شخصية عبيّس، هذا البرولتاري الرث الذي يمسك الدنيا من تلابيبها بقوة ويلوي ذراعها ويدجنها بنكاته ومرحه وروح الجماعة التي تتلبسها شخصيته، إنه لا يستحق ما فعله به الرفيق جبار.. والرفيق جبار بتصرفه هذا يدل على امتلاكه طيش منفلت وروح عدوانية. فالخلاف اللفظي لا يستحق منه مثل هذا الانفجار العنفي، ومع من، مع رفيق مقرب منه. ومن الجائز أن هذا الموقف غير المنطقي والملتبس سوف يعتمل في نفس عبيّس فيجعله يرتد ويبتعد عن رفاقه وحزبه.
ــ رفيق أني لا أجد في فعلتك شيئًا من الحكمة.
ــ اترك الأمر.. فأنا لا أرغب في الحديث عنه.
ــ أعتقد أن عليك مراجعة نفسك والعودة إلى حيث تركنا الرفيق عبيّس.
ــ أعود لجلب عبيس!؟.. أعوذ بالله، هذا مستحيل.. لقد خرق جميع الأعراف الحزبية والاجتماعية.. شتمني وحاول الحط من قيمة عائلتي.. لقد تصرف بحقد وعدوانية.
ــ كان من الممكن حسم الأمر بالسكوت عن حديثه وعدم الحوار معه وتأجيل ذلك لوقت أخر، وأنت المسؤول الحزبي، ومن ثم، وهذا هو العقلاني في الآمر، إيصاله إلى أقرب مدينة من هنا، وليس تركه في منطقة نائية.
ــ رفيق ماركس أنت لا تعرف ما الذي حدث، وبحدود فهمك الماركسي وليس الحزبي، وبسبب عدم ارتباطك بتنظيم حزبي، لا تعلم كيف استغل عبيس الوضع وخرق التعاليم والتراتيبية الحزبية. أرجوك رفيق ماركس لا تتحدث بما ليس لك معرفة فيه.
لم يرغب الرفيق ماركس باستمرار هذا النقاش حول سلوك الرفيق جبار الجانح، وما عادت لديه بعد ما سمع جملة الرفيق جبار الأخيرة، الرغبة في استمرار الجدل حول هذا التصرف الذي عده غير سويًا، فقرر الصمت وترك الرفيق جبار لتوتره وعدوانيته، فهو الآن في حالة تعبئة نفسية استعدادًا للمواجهة أو الصراع، وربما أنفجر الموقف بينهما ومن ثم يصعب بعدها ضبطه وتهدئته.
ــ رفيق جبار بعد الذي حدث أرى من المناسب العودة مباشرة إلى بغداد.
ــ نعم رفيق ماركس، ولكن سوف نتوقف قليلا لتناول الغداء في مدينة العمارة.
ــ لا أعتقد أننا بحاجة للغداء ونستطيع الذهاب فورًا إلى بغداد دون حاجة للتوقف.
ــ حسنا رفيق.. مثلما تحب وهناك أمامنا أيضًا مدينة الكوت ثم الحلة ويمكننا تناول الطعام في أحداهن إن شعرنا بالجوع.
ــ لا.. لا أرغب في تناول الطعام لنذهب مباشرة إلى بغداد.
ــ مثلما تحب رفيق..
حاول الرفيق ماركس بكل ما استطاع من قوة روحية أن يدع جسده يسترخي وأيضًا أن يبعد عن ذهنه تلك المشاجرة وصورة الرفيق عبيّس وهو يقف في الطريق الموحش البعيد. طال عليه التفكير فأحس بالتعب والعطش ولكنه وفي قرارة نفسه قد صمم أن لا يتناول شيئا لحين الوصول إلى بغداد، وهناك سوف يكون له حديث مع الرفيق جبار، ثم بعدها يجمع أغراضه ويعد حقائبه اختصارًا للسفرة واستعدادًا للعودة إلى لندن. فضيق الأفق والعجالة والعصبية يبدو أنها وضع مأزقي يعيشه الرفيق جبار، وهو لا يود الاستمرار معه لكي يضمن عدم الاصطدام به، فربما وبعد وقت قصير سوف يعامله ذات المعاملة التي عامل بها رفيقه عبيس. في حواره الداخلي الذي استمر طويلاً كان الضيق وشيء من الهم يسيطران على روحه، خلال ذلك تسرب النعاس إلى عينيه فراح في إغفاءة عميقة.
ــ رفيق ماركس.. نعيمًا.. لقد نمت طويلاً.
ــ شكرا رفيقي.. أين نحن ؟
ـــ رفيق لقد اقتربنا من بغداد.. أنا أشعر بالجوع.. هل لديك رغبة بالطعام.. هناك مطعم جيد عند مدخل مدينة الصويرة نستطيع تناول الطعام فيه.
ــ ومتى نصل بغداد؟
ــ ساعة أو أقل.. ليست بعيدة من هنا.
ــ ولماذا لا نذهب مباشرة إلى بغداد إذا كنا ليس ببعيدين منها. أفضل تناول الطعام في بغداد.
ــ مثلما ترغب.. اعتقدت بأنك تشعر بالجوع مثلما أنا عليه .
ــ لا أشعر بالجوع.. يمكنك تناول الطعام حينما تشاء واتركني جالسًا في السيارة.. فأنا أستطيع الانتظار.
ــ لا لن يكون هذا يا رفيقي.. لنذهب إلى بغداد مثلما ترغب.
البساتين تبدو متراصة ومتداخلة بكثافة نخيلها الممتد على جانبي الطريق. بقرة عجفاء تجتاز الطريق بتثاقل أجبرت الرفيق جبار على تخفيف سرعة السيارة. عربة خشبية يجرها حصان متهالك وقفت جانبًا لوح سائقها بيده في الوقت الذي كان يتكلم بهاتفه النقال. كان الرفيق جبار مثلما عادته حين يشعر بالتوتر يعبث بمفتاح جهاز المذياع ولا يستقر عند محطة بعينها وكان ذلك مبعث ضجر للرفيق كارل ماركس. عند انحناءة الطريق وفي أرض مكشوفة وقفت دورية عسكرية طلبت منهم التوقف. فتوقف الرفيق جبار وسلم عليهم. كانوا خمسة أشخاص أحاطوا بالسيارة شاهرين أسلحتهم الرشاشة. أقترب أحدهم ووجه كلامه بحدة إلى الرفيق جبار، وكان أخر قد جاء من جهة الرفيق كارل ماركس وفتح عنوة باب السيارة صارخا به أن يترجل من السيارة.
ــ بسرعة يله أنزلو من السيارة.. بسرعة .
ــ شنو.. شنو الصار.. يمعودين.. هاي شكو.. قال الرفيق جبار
ــ انزل لك أثول مخربط.. أنزل .
ــ لتغلط.. أي ليش تغلط..
فجأة بادره العسكري القريب منه بضربة قوية على وجهه ووضع فوهة الرشاش على صدغه صارخًا فيه أن يترجل وينبطح أرضًا دون كلام ففعل الرفيق جبار مثلما أمر به. أمر العسكري الأخر الرفيق ماركس بالانبطاح على الأرض فرفض، فبادره العسكري بضربة قوية من أخمس بندقيته على ظهره جعلت ماركس يترنح ثم يقع أرضًا وشعر بألم شديد يجتاح جسده من أعلى حتى قدميه وزاغ بصره وشعر بشيء من الغثيان. لم يكن يدري ما يفعل، وتساءل مع نفسه لمَّ يتعامل معهم هؤلاء الجنود بهذا الشكل الفظ. راح العسكريون يعبثون في الصندوق الداخلي للسيارة ثم سحب أحدهم محفظة الرفيق جبار وراح يفتش فيها. عثر على هوية ديوان رئاسة الجمهورية. فصاح بأعلى صوته مناديًا على أحدهم الذي وقف بعيدًا يراقب الوضع.
ــ عمي أبو بشير.. حجي تعال هنا.. محصول دسم.. سيارة وفلوس وعريس بس بقت العروس .
ــ يله لتطولوها.. لتسولنا مشاكل.. صعدوهم بالسيارة وجيبوهم.. خلونه نمشي بسرعة، قبل ما تجي الدوريات.
 

(1) الشك الديكارتي منهج للتوصل إلى اليقين، وهي فلسفة أبتدعها الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت وسميت باسمه.
(2) فرانز فانون طبيب نفسي وفيلسوف من مواليد جزر المارتينيك الفرنسية .أنظم كطبيب إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية وتوفى عن عمر 36 عام بمرض السرطان في 6 ديسمبر 1961


 

كارل ماركس في العراق (5)
كارل ماركس في العراق (4)
كارل ماركس في العراق (3)
كارل ماركس في العراق (2)
كارل ماركس في العراق (1)

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter