|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  24 /  10 / 2015                                 فرات المحسن                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

كارل ماركس في العراق
(5)

فرات المحسن

اقتربت السيارة من نقطة التفتيش، فأشار العسكري بيده وطلب من رفيق جبار التوقف، ثم أقترب من نافذة السيارة وسأل من أي مكان قدمتم فأجابه الرفيق الجبار من بغداد.
ــ ما الغرض من مجيئكم إلى الناصرية ؟.
ــ زيارة لأصدقاء .
ــ عدكم تصريح بالزيارة.. يعني أهناك من يكفلكم حته اتدخلون المدينة.
ــ شنو أحنه نحتاج لمثل هذه الكفالة ..أحنه عراقيين.
ــ أعرف خالي انتم عراقيين..
قال ذلك وهو يركز نظره على الرفيق ماركس الذي بادله النظرات وابتسامة مودة ترتسم على محياه.
ــ أي وهسة ما راح نروح؟
ــ لا خالي ما تكدرون أذا مو كفيل..
ــ كفيلنه الله ورسوله..
ــ خالي لتلح.. أطبك على صفحة وأنزل من السيارة.
ــ ليش؟
ــ سمعت شني كتلك.. لتخليني أسوي غير شي.
ــ شنو تسوي.
ــ استغفر الله.. بويه ما تطيني هويتك .
مد الرفيق جبار يده وسحب محفظته من جوار كابح السيارة اليدوي وبحث داخلها ثم اخرج هوية سلمها إلى العسكري الذي ما أن طالعها حتى وقف بالاستعداد وكأنه مس بتيار كهربائي، فقد تيبست يده وبارتعاشة ظاهرة أعاد الهوية وهو يتطلع إلى وجه الرفيق جبار قائلا.
ــ العفو سيدي .. العفو.. ما جان قصدي.. تعرف التعليمات سيدي.. أنه أقوم بواجبي سيدي.
ــ ما صار شي أبني.. زين تسوي.. الواجب أهم من كلشي.
ــ تفضل سيدي الله وياكم .. محروسين.
أعاد الرفيق جبار الهوية إلى مكانها في المحفظة، وودع العسكري بابتسامة رضا وتمنى له مساءً طيباً. كان العسكري يقف متخشباً جوار السيارة، وفجأة تفوه بصوت متهدج متوسل موجها كلامه للرفيق جبار، فضغط الرفيق جبار على كابح السيارة وراح يستمع لحديث العسكري.
ـ سيدي رحمة لوالديك.. لو تكدر تساعدني.. سيدي أني مظلوم وأمي مظلومة، وما ادري شنو أسوي.. سيدي انه ما أريد أكلك ماكو راتب صار شهرين.. بس انه من أهل الحلة وصارلي سنتين ونص هنا بالناصرية، وأمي تعيش وحده ويردون يشيلونه من بيتنه، يكولون هيه ساكنة بالعشوائية.. سيدي الله يجعلك بكل خطوه سلامة انته تكدر تساعدني. آني ما معترض وأكَدر أبقه هنا طول عمري بس أمي سيدي.. دخيلك.
ــ انطيني أسمك ورتبتك والفوج والفرقة التابع اله، ونشوف شنكدر انسوي. ها ولتنسه تنطيني عنوان بيتكم بالحلة.
سحب الرفيق جبار دفتر ملاحظات صغير وقلم من صندوق السيارة الداخلي، وطلب من العسكري المعلومات وراح يدونها في دفتره. تعذر على العسكري تقديم عنوان دارهم، كون المنطقة غير مدرجة في سجلات بلدية مدينة الحلة كمنطقة سكن، ولكنه قدم للرفيق جبار وصفاً عن المنطقة وسماها ببستان الحلو. كان الرفيق جبار يهز رأسه مبدياً اهتماماً ظاهراً بتلقي المعلومة.
ـ أنشاء الله من أرجع أشوف شنو أكدر أفيدك.. ادلل أبني ... بس حافظ على واجبك وخليك متيقظ.
تحركت السيارة بهدوء متجهة صوب الشارع الخارجي المفضي إلى مدينة الناصرية.
ــ الله وياك سيدي محروس بالعباس أبو فاضل.
كانت عينا الرفيق ماركس طيلة الوقت تدوران في محجريهما، وعلامات الدهشة والتساؤل باديتان على وجهه. ولم يترك الأمر يمر دون أن يبادر بالاستفسار عن الذي حدث.
ــ ما الذي حدث وجعل العسكري بتلك الهيئة من الارتباك وهو يطالع هويتك، ثم يطلب منك مساعدته.
ــ لا تشغل بالك أيها الرفيق العزيز فلكل مقام حديث، ولسوق مريدي جاذبية لا تضاهيها جاذبية الأرض.
ــ رفيق جبار منذ اليوم الأول وأنت تتحدث معي بالألغاز.. أفصح معي عن ما تقوله وتفعله.. ألست شيوعياً ثورياً.
ــ نعم رفيق لن تجدني غير شيوعي من الطراز الأول.
ــ ومع هذا تستخدم معي الألغاز والأحاجي.. مرة شاطي باطي والآن سوق مريدي.. من تراني، لأكتشف ماذا عنيت بقولك سوق مريدي.
ــ لن أخفي عليك مثل هذا الأمر.. رفيقي العزيز.. سوق مريدي هو سوق شعبي يقع في إحدى مناطق بغداد الفقيرة، وفيه تجري عمليات تزوير واسعة لمختلف الوثائق الرسمية الحكومية وغير الحكومية، والهوية التي قدمتها إلى العسكري كنت قد عملتها في سوق مريدي.
ــ أتسمح لي بمعاينتها؟
ــ نعم رفيق .
اخرج الرفيق جبار الهوية من المحفظة وسلمها إلى كارل ماركس الذي أطلق زفيراً قوياً متقطعا وهو يقرأ محتوى الهوية
ــ هذا يعني أنك برتبة عقيد في ديوان رئاسة الجمهورية.. هل هذا صحيح؟
ــ رفيق مثلما أخبرتك أنها هوية مزورة.
ــ وكيف تسمح بذلك وأنت الشيوعي، مثلما تدعي.
ــ رفيقي العزيز في العراق اليوم أن لم نسلك هذه الطرق فسوف تأكلنا حتى الفئران وليس القطط السمان.. ولكل حالة مخرج، وإن لم نفعل هذا فلن ندخل مدينة الناصرية وغيرها.
ــ ولكنك خدعت الرجل ووعدته زوراً.
ــ كلا رفيقي العزيز.. لدي الكثير من الأصدقاء في جميع الوزارات العراقية، يمكن بواسطتهم حل مشكلة هذا العسكري المسكين.

غرق الرفيق كارل ماركس بصمت تام وراح يطالع الأفق دون تركيز أو اهتمام بما يظهر أمامه، شعر بأن هناك ما هو غامض في هذه الرحلة، وهؤلاء الذين قابلهم وتحدث معهم، باتوا يوحون له بغير ما يظهرون. شعر بغرابة المواقف والأحداث التي تكررت منذ أول لقاء في مطار بغداد ومن ثم اجتماع الفندق، وخروج سامر وتهديداته، وتعابير وحركات الرفيق جبار، كل هذا يشي بالشك والريبة. وتساؤل مع نفسه إن كان يستطيع إكمال الشوط بمثل ما يريد، ومن ثم يعود إلى لندن بحصيلة من النتائج المفيدة له، وما النفع الذي يستطيع تقديمه لهؤلاء الأوباش. ضحك في سريرته وهو يطلق عليهم تسمية الأوباش، أعتقد أنهم لا يستحقون مثل هذه التسمية، فالأوضاع فرضت عليهم أحكامها فرضاً، وهم لا يملكون القوة لتغييرها، بل يحاولون تطويع ذواتهم وتدجين أنفسهم داخلها، هكذا ورد في خاطره، فجبار يتعامل أحياناً مع الآخرين برقة وروح رفاقية عالية، ويحنو عليهم ويقدم لهم المساعدة، وفي ذات الوقت نراه يتعالى، مانحاً نفسه مكانة عليا ومقدماً ذاته على الآخرين، ويلعب معهم دور المتسلط أو المعلم مع تلامذته.. يبدو أنني أمام نموذج لسلوك محير لمسته أول الأمر في المطار، مثلما تكرر عند بعض رفاق جبار، فالجميع يستخدم ألفاظ مبهمة وسلوك يوحي بالغرابة، ويفتعلون القوة رغم مشاعر الخوف وعدم الثقة.
ــ تفضل رفيق لقد وصلنا.
توقفت السيارة أمام دار بابها الخشبي صبغ بلون أزرق فاقع. والجدار الخارجي للبيت تساقط عنه الكثير من غطائه الأسمنتي، فظهر بعض الطابوق الكالح اللون جراء الرطوبة والأملاح، وكأن منظر الجدار يبدو مرقعا بخرائط لجزر تتوزع صغيرة فوقه. جوار الباب وقف رجل أسمر البشرة بوجه مليح يرتدي بيجامة رصاصية اللون بخطوط طولية خضراء ويلوح بيده وترتسم على وجهه ابتسامة عريضة.
ــ هله ومية هله بالرفاق .. هله والله.. زارتنه البركة.. صدك بويه جذب.. ماركس ابيناتنه.. او يوم المبارك علينه وعلى الناصرية.. لا بويه موبس الناصرية.. على العراق كله.. هل ومية هله.

ثم أخذ ماركس بالأحضان وراح يقبله في موجة من القبل السريعة المصحوبة بصوت يشبه الفرقعة، ويردد.. هله وميت هله.. هله بالزين النشمي. لم يفعل الرفيق ماركس شيئا بل عاف جسده للأيدي الثقيلة التي كانت تلتف حوله وتعتصره بقوة.
استطاع الرفيق جبار بشيء من الجهد سحب الرفيق ماركس من أحضان الرفيق أبو نداء وأبعده بضع خطوات.
ــ رفيق ماركس.. الرفيق أبو نداء من رفاقنا القدماء ونحن نعتز بوقفاته الثورية مع الجماهير المسحوقة، وكان منذ فترة طويلة نواة لتجمعنا في هذه المدينة الباسلة.
ــ أهلاً وسهلاً بك رفيقنا أبو نداء (1) .. نداء، يا له من اسم جميل.
ــ أهلاً وسهلاً بالرفيق ماركس..
ــ نعم رفيق ماركس اسم نداء يجلب الخير ويبعد الضرر عن الناس. ولعب بينه شاطي باطي بالكويت.
هكذا تكلم الرفيق جبار معقباً.
ــ ها رفيق جبار بدت رحمة الله.. إي هذاك يوم وهذا يوم ... تره جنه مجبرين .
ــ صحيح ابختي وحظي صحيح ..مجبرين .
ــ أي هسه دفوتو جوه حتى تستراحون.. وبعدين شغل بساميرك رفيق جبار .

كانت نظرات الرفيق ماركس تتنقل بين شفاه الرفيقين في محاولة لفهم الحوار الدائر بينهما، وفي الوقت ذاته كان يفكر بكلمتي شاطي باطي التي تكررت أمامه مرة أخرى، ولم يجد لها تفسيراً. ياترى لمَ يستعملهما الرفيق جبار بهذا الشكل المفرط ، وماذا تعني عنده. كان هذا السؤال الأول الذي بادر بطرحه الرفيق كارل ماركس على الرفيق جبار وهم يجلسون عند طاولة الطعام التي أعدت لهم في بيت الرفيق أبو نداء.
ــ رفيق ماركس.. لنتعشى أولاً وبعدها سوف أشرح لك الشاطي باطي.
ــ رفيق جبار.. لن أتناول الطعام إن لم أجد هناك جواباً شافياً عن الشاطي بالطي.
ــ كن على ثقة رفيقي العزيز أنه معنى مجازي لا يستحق منك كل هذا التفكير والتطيّر والضجر.
ــ حتى ولو.. عليك الآن الإفصاح عنه، إن أردت مني مشاركتكم الطعام.
ــ أيباه .. الرفيق ماركس غير عنودي.. وصعب المراس.. مثل كتبه .. مو سهل واحد يفتهمه، أقره بيها ليل ونهار وأريد أدبر حالي وياهه وما أكدر.. تجيبني منا وتوديني منا.. أيباه شكد صعب رفيق ماركس حتى بالأكل.
قال ذلك الرفيق أبو نداء ثم أطلق ضحكة خجولة وهو يطالع وجه ماركس الذي راح بدوره يحدق بالرفيق جبار وتقطيبه ظاهرة ترتسم فوق جبينه.
ــ رفيقي العزيز .. لا بأس سوف أشرح لك الأمر.. الشاطي باطي هو تعبير عن خلط في الأمور، وترميز عن فعل الإيذاء. أي أن الوقائع السيئة والأحداث الخطرة والجرائم الكبرى والآثام والخدع ونذائر الشؤم والمصائب والحروب والموت المجاني والقحط والجوع والأمراض والعوز وانعدام الخدمات، كلها اجتمعت على العراق وشعبه بسبب وآخر، ونحن نختصر كل هذا في تأويل مجازي هازل للمحنة، لنقول لعب بنا الدهر والدنيا شاطي باطي.
ــ رفيق جبار فدوه أروحلك، تكدر تعيده مره لخ بشكل بطيء، تره شويه صعبه عليه.. ما افتهمت شنو كلت..
هكذا بادر الرفيق أبو نداء بالاستفسار والطلب.
ــ هاي شنو رفيق أبو نداء دا تخجلنه يم الرفيق ماركس .
صمت ماركس وتناول الملعقة وراح يعبث بصحن الرز الذي وضع أمامه. يا للتهويل الموحش الذي سطره الرفيق جبار. إنه يدعم قناعاته بدوافع الخوف والضيق والميول غير الواعية، بحوادث تقترن بمسببات ولها نتائج يمكن أو من غير الممكن ردعها، ولكنها تبقى حاضرة وللإنسان إمكانية للسيطرة عليها عبر قدراته على التغيير. ليس هناك من أمر جبري في هذا الكون، ويبقى الخيار الإنساني في المقدمة وهو من يبتكر الكثير من الطرق التي تقف في وجه كل تلك المصائب وعلى الأقل التقليل من أهوالها.ولكن الملاحظ وحتى في حادثة ليلة البارحة الظلماء، أن هذا المجتمع يعيش على قاعدة القدرية والاستسلام أو الرضا عن الواقع وبما تجود به المصائب، دون مبادرة.
ــ ماذا رفيق ماركس .. أراك بغير شهية للطعام.
ــ يجوز عشانا ما يعجبه، لو ما متعود ياكل تمن ومركه بالعشا.. رفيق تره أحنه على كد حالنه.
ــ كلا أيها الرفاق الأعزاء.. لا عليكم فلنبدأ بالأكل.. شكرا لك رفيق أبو نداء.

كانت الليلة مقلقة بل ثقيلة ومتعبة جداً، أبعدت النوم عن عيني ماركس. فالرطوبة في الغرفة مرتفعة شعر معها بضيق التنفس وثقل كبير يقبع فوق صدره العليل أصلاً. كان للحشرات القارصة وصرصرة الصراصير حضوراً طاغياً، هذه الحشرة الغريبة في طباعها وحياتها ذكرته بمدرسة ترير العليا التي كان يديرها صديق أبيه هوغو فيتنباخ، حيث تعرف هناك على الطالبة ماجدولين الظريفة، كانت تسبقه بعام دراسي، وكانت شغوفة بالبحث عن الصراصير في كل زاوية من زوايا المدرسة والأقسام الداخلية، لتضعها في زجاجات بأغطية مثقبة، وتقدم لها الطعام المناسب وتجلس ليلاً تتنصت أصواتها. كانت تشعر بالزهو وغبطة وهي توصف النغمة الليلية التي تصدر عن تلك الحشرة، وتتحدث بفخر وفرح وكأنها بالذات تنتمي لقبيلة الصراصير. ثم تقدم المعلومة برضا وقناعة عن قدرة تلك الحشرات العيش دون طعام لمدة شهر كامل. وحسب دراستها لحياة هذه الحشرة، كانت تقول بان الصرصور يستطيع أن يتوقف عن التنفس لمدة 45 دقيقة دون تأثير على حياته، ويستطيع كذلك العيش دون رأس لمدة أسبوع. كان البعض يهزأ من تلك المعلومات،والآخر لا تهمه الموضوعة من أساسها، فالحديث يتعلق بحشرة ليست ذات قيمة، أو كريهة ومقززة له. سواه كان يتقبلها على علاتها ليضيفها لمعلوماته، رغم ما يساوره من شك أحيانا. ومع هذا كان يثق بماجدولين كونها طالبة جادة ومتقدمة في الدروس.

حين انتقل إلى جامعة بون وهو في السابعة عشر، نسي صوت الصراصير ومعها ماجدولين وزجاجاتها، ولكنه وجد الحشرة هذه حاضرة الآن بشكل مفزع وقريب، ويسمع أصواتها وكأنها ناقوس يطرق رأسه، وشعر وكأنها تسكن بين طيات الفراش. سهد ماركس يتنقل من موضوعة لأخرى. ومن خلال استحضار أحداث الماضي، وكذلك التفكير بما ستؤول عليه الأوضاع في لقاء الغد، حاول إبعاد ذلك الطنين وإهمال ما يتعرض له من لسع الحشرات وضغط رطوبة الهواء على صدره. لم تغمض له عين وعجز عن التوطن داخل هذه الغرفة الساخنة والرطبة، وبدأ الإرهاق يأخذ منه وطراً ليس بالقليل، ففتح ضلفة النافذة المطلة على الزقاق. كان الظلام تاماً في الخارج. القمر اختفى كلياً، وكأنما السماء أفرغت أيضاً من نجومها، فبدا الزقاق في عتمة مفزعة. تذكر ماركس حادثة الفندق ليلة البارحة وصراخ أبو شمخي، فضحك بسره ووجه لنفسه مرة أخرى بعض اللوم على ما حدث. شيء من نسيم بارد تسلل بخفة عبر الشباك جعل ماركس يشعر ببعض راحة، فجلب كرسياً وجلس جوار النافذة، بعد قليل أحس بالخدر يدب في جسده والنعاس يطرق جفونه.

عند التاسعة صباحاً وبشيء من العجالة تناولوا الفطور وخرجوا من الدار بصحبة أبو نداء الذي أخبر الرفيق جبار عن مكان اللقاء، فتوجهوا بالسيارة نحو وسط المدينة، ثم انحرفوا إلى الشمال حيث حي الطناطلة (3) . ضحك الرفيق جبار وهو يستمع لهذه الكلمة، وسأل الرفيق أبو نداء عن هذه التسمية الغريبة.
ــ رفيقي.. لأن هذي الأرض أصلا جانت مقبرة مهملة، وأجو الناس وبنو بيوتهم فوقها ، والناس بسبب واقعهم البائس وقسوة حياتهم اضطروا للسكن هناك، ومن خوفهم واعتقاد البعض منهم برؤية أشباح تتجول ليلا بين البيوت، لذلك سموه حي الطناطلة..
ــ يالها من مفارقة غريبة.
ــ أية غرابة رفيقي.. تصدق بأن هناك حي أخر في مدينتنا يسمى حي الزراب أي الغائط ويعني فضلات الإنسان.
ــ لا.. لا بربك.. ما اصدق.
ــ من أنخلص اللقاء أخذك ونروح أهناك .
ــ بس رفيق أنته كتلي راح تحجز قاعة للاجتماع.
ــ رفيق الوضع بقاعة وبنص الولاية مو أمان، يروح يضربونه بصوتيه مثل ما سووهه بحفلة حسين نعمه.
ــ أها هيج.. خوش.. زين سويت رفيق.

كان ماركس صامتا لا يصدق ما يسمع من حديث. تذكر الإحصائيات والقوائم والمعلومات التي استقاها من بعض الأصدقاء في لندن، وكذلك التي قدمها له الرفيق جبار عن واردات العراق المالية وتشكيلات الإدارات الحكومية وأوضاع الطبقة العاملة وحاجات البلد من الخدمات. فتساءل مع نفسه وهو يشاهد وضع البيوت المتداعي والأزقة المتربة المليئة بالحفر والنفايات، أين تذهب تلك الواردات الهائلة وعلى وفق أية شاكلة تم أنفاقها.

توقفت السيارة جوار بيت يبدو حاله أفضل بكثير من باقي البيوت القريبة منه، وطلب أبو نداء أن يترجل الجميع لاستطلاع مكان لقاء الرفاق بالرفيق ماركس. دفع الرفيق أبو نداء الباب ودخل دون استئذان، فسمع صوت نسائي صادر عن الداخل.
ــ ها يمه أبو نداء.. تفضلوا هله بيكم.. تره عبيّس بعد شواي ويجي.. هوه وصاني بيكم من قبل يوم.. وأنه جمعت شكو كراسي عد الجيران وصفطتهن بغرفة الخطار.. هله بيكم خاله ومرحبه.
ــ تسلمين أم جواد والله يوفقج ويوم نوكفلج بعرس حبيبنه أخونا عبيّس.
ــ يايمه.. هذاك اليوم جا مو يصير يوم عيد. أحنه أبخت جدك.. كون الزهرة أم الحسين تهديه لعبيّس ويثكل.. جا صارت فرحتي مثل يوم شوفتي لأبو جواد.
ــ ها أم جواد حنيتي ليوم عرسج..
ــ لا يمه هذا يوم وراح.. بس شسوي أريد أفرح بوليدي..عبيس يطارد مثل الحصان وماكو نثية تلجمه.
ــ وسفه ولله وسفه.. تره من ينلجم وتربطه المره.. بعد متشوفين من خيره.
ــ بس كون أشوفه سعيد، هم ميخالف.
ــ خاله أم جواد بدون زحمة سويلنه جايات وأحنه راح نطب ونكعد بغرفة الخطار.
ــ تدللون يا بعد خالتك..هذا بيتكم يمه.

دخل الثلاثة غرفة الضيوف من بابها المطل على الممر الخارجي. أخذ ماركس ينظر لما حوله حيث وضع بشكل عابث عدداّ كبيراً من مقاعد مختلفة الألوان والأشكال وبعضها متهالك يبعث على الأسى. فوق الجدار المواجه للنافذة العريضة، علقت صورة كبيرة ملونة لشخص يرتدي غطاء رأس أخضر وتغطي جسده الضخم عباءة بنية اللون ويجلس على الأرض ويضع سيفه المشطور في وسط حضنه، وجواره قبعت ثلاثة أسود ضخمة مستسلمة لقوة إرادته. جلبت انتباه الرفيق ماركس تلك الطلة البهية والعيون الذكية الجميلة الواسعة لصاحب الصورة، فراح ينظر فيهما بتمعن. وقال في سره لقد أجاد الرسام في إيصال تأثير الصورة على المشاهد. تلك اللحظة طلب الرفيق جبار من الرفيق ماركس الجلوس قرب باب الغرفة وراح والرفيق أبو نداء يعيد ترتيب المقاعد وهو يدندن بأغنية خطرت على باله الآن. طالع ساعته ثم سحب كرسياً وجلس جوار الرفيق ماركس، ثم دخلت أم جواد وبيدها طبق نحاسي فوقه ثلاثة أقداح شاي .
ــ ما هذا ؟ قال كارل ماركس بدهشة.
ــ هذا شاي .
ــ عجيب وبهذا اللون الفاحم؟
ــ الجماعة هنا يحبون تناوله بهذا الشكل، أيضاً هناك مصيبة، فالشاي توزعه الحكومة مع الحصة التموينية الشهرية وهو مغشوش أي مخلوط بالخشب المحترق.
ــ واو! ما هذا الفعل القذر؟
ــ لو حدثتك عن ما تمنحه الحكومة وتوزعه شهرياً على الناس لجزعت أكثر..

في تلك الأثناء سمع طرق على الباب الخارجي، فذهبت أم جواد لترى من الطارق.. بعد ترحيب المرأة، دخل ثلاثة أشخاص أحدهم كان يلبس ثوبا فضفاضاً ويضع على رأسه كوفية وعقال، والآخران يرتديان البنطال وقميص بنصف كم.. استقبلهم الرفيق أبو نداء عند باب الغرفة وتبادل معهم القبل ثم دخل الجميع وتوجهوا مباشرة نحو الرفيق ماركس وحيوه بحرارة وجلسوا قربه يتهامسون ويتبادلون الابتسامات، ثم توالى مجيء الرفاق حيث جاء خمسة منهم ثم خمسة آخرون ولحقهم بعد ذلك سبعة. فجأة دخل الرفيق عبيّس، حيث دفع الباب الخارجي بقوة وهو يصرخ بصوت عال تصاحبه ضحكة قوية.
ــ أم جواد.. يمه.. فدوه أروح لهذيج الكصايب الحلوة والرصعة والخدود الحمر.. وين الغده يمه.. راح أخرب من الجوع.
ــ يمه عبيّس ربعك إلتمو ..
ــ أفا .. عيوني رفاق أعتذر حسبالي بعدكم ما جايين ..
تقدم عبيّس وصافح ماركس بحرارة وقبله على وجنتيه بقبلتين سريعتين، ثم اتجه نحو رفيق جبار وضمه بقوة إلى صدره وراح يقبله بقوة وشوق ويقول.
ــ هذيج الليلة ولا تتنسه رفيق جبار.. طعمه بالحلك ليهسه.. جانت ليلة ليلاء مثل ما يكول رفيق شكر.. عاشت الناصرية حرة ديمقراطية تحت نير الظلم والاستعباد..
أطلق ضحكة قوية وضج الجميع بالضحك المجلجل الذي استمر لوقت غير قليل، كان فيه ماركس يطالع الوجوه بدهشة ظاهرة وبغيض مكتوم.
ــ رفيق لا تتعجب فالجميع يعرف نكات وقفشات رفيق عبيّس.. في كل مرة وبعد أن يتناول الكثير من الكحول يأخذ بالهتاف الذي أعتاد عليه في كل مرة.. عاشت الناصرية حرة ديمقراطية تحت نير الظلم والاستعباد، والذي يصرخ به بعد أن يشعر بدبيب الكحول يسري بجسده بقوة، ثم بعدها يغفو عند أقرب كرسي.
ــ هز ماركس رأسه وأغتصب ابتسامة خفيفة أراد بها أظهار اقتناعه بحديث الرفيق جبار .
ــ هل نبدأ رفيقنا العزيز.
ــ أنتم تقررون ذلك لأنكم أصحاب الدعوة.
ــ حسنا رفاق سوف نبدأ.. أرجو من الجميع الجلوس .
ــ رفيق جبار ولا يهون رفيق ماركس.. أكدر أكل لقمة طعام زغيرونه وأجيكم بعدين.. تره ميت من الجوع..
ــ أوكي رفيق.. بس لا تتأخر .
ــ أوكي ورحمة الله وبركاته.. عيوني.. طلقه .
وضع الرفيق جبار منضدة صغيرة أمامه وجلس والرفيق كارل ماركس خلفها، وجلس باقي الرفاق قبالتهم على المقاعد التي رصفت في الغرفة.
ــ يقول الرفيق دريدا بأن ليس هناك ثمة مستقبل بدون ماركس، وأننا سوف نرى تفويضاً شعبياً للاشتراكية في المستقبل.
هكذا بدأ الرفيق جبار حديثه لإدارة الندوة وتقديم الرفيق ماركس للمجموعة.
ــ الواقع أن هناك وبعد حدوث الأزمة الاقتصادية في العالم الرأسمالي شعر الناس بأن هناك عودة قوية لماركس والماركسية. أشار دريدا مثلما آخرون إلى كون تأريخ العالم وحقبه العديدة، ما كانت لتخلو من شبح الشيوعية الذي يتجول داخلها.. ونحن يا رفاقنا وإثر هذه الأحداث العالمية التي انعكست بدورها على واقعنا العراقي، طلبنا من رفيقنا كارل هانريك ماركس الحضور للإطلاع على أوضاع العراق وبناء تصور عن الحقبة التي يعيش بها أبناء شعبنا، ثم تقديم ما ينفع من حلول.
ــ رفيق جبار ممكن سؤال بروح أبوك؟ بصوت خشن وبحة واضحة سأل صاحب الكوفية والعقال.
ــ بعدين رفيق أبو مزعل.. الأسئلة بعدين.
ــ لا رفيق جا تريده تعبر وأنا ما مفتهم منه شي.
ــ خوش رفيق.. تكدر تسأل بعد ما أخلص.
ــ أي شني.. ليش ما تقبل.. مو أكلك راح تفلت مني حجاياتك أذا ما أسال؟
ــ شنو رفيق.. بس أختصر.
ــ رفيق هيه جلمه كلته أنته ودوختني ..
ــ شنو هيه؟
ــ هذا دريد منو.. من طوايفنا لو هم أجنبي؟
ــ أها .. تقصد دريدا.. رفيق هذه اسمه جاك دريدا فيلسوف فرنسي من مواليد الجزائر وهو صاحب نظرية التفكيك.
ــ شني تفكيك.. جا هيه براغي.
ضج الرفاق بالضحك وساد بينهم جو من المرح .
عندها تدخل ماركس وطلب من الرفيق جبار الحديث ليوضح للرفيق السائل من هو جاك دريدا.
ــ رفاق.. دريدا فيلسوف طرح فكرة الصعوبة في فهم استراتيجيات النص دون تفكيكه، حيث يكمن في طبيعة الفلسفة العلمية وفي متن النص ذاته هذا التناقض، وجاك دريدا أراد استجلاء هذا الخطاب لتفكيك استراتيجيات النص لإثبات تناقض نموذج النص ذاته.
ــ رفيق لو خاله على سكف العام أحسن.. بويه بطلت من السؤال.
ــ لماذا رفيق ألم تستوعب ذلك.
التفت الرفيق جبار وهمس بأذن الرفيق ماركس، أن دع الأمر لي ولا حاجة لك بالرد أو الشرح لحين ما ننتهي.

فجأة دخل الرفيق عبيّس مسرعاً دون أن يطرق الباب وأصبح وسط الغرفة بين الرفاق ثم راح يلوح بيده وبدا بالإنشاد.

كضيناها مشي عله النار (2)

واليسحك جمر شيصير بجدامه
كضيناهن سهر والنوم طبع الذيب
عين وعين ما تتفرزن أحلامه
وكضيناهن ركض متعوب
كلما يهم روحه أيطيح
ما يلحق الجدامه
هو المالكه الزاد اليسد الجوع
كوه أيفوت بصيامه

عاشت الشيوعية العالمية.. عاش العراق.. عاش الرفيق ماركس.. فلتحيا وحدة الطبقة العاملة العالمية.
كان الجميع منفعلاً يردد كلمات الرفيق عبيّس بجد وإخلاص، عاشت.. عاش.. عاشت..وكأن الكلمات كانت تخرج من الأفئدة، والتصفيق على أشده مع لغط وضحك، وانطلقت من خلف الباب هلهولة رنانة لأم جواد مشاركة منها فرح رفاق أبنها عبّيس.
قفز صاحب الكوفية من مكانه وصدح بأعلى صوته موجهاً كلامه للرفيق ماركس .
مطلوبين احنة وجينة نوفي الدين
جيت ومعتني يا كارل أدورك
وانشد الصوبين
يل كلك فهم وعلم وتسوة ماي العين.
قاطعه الرفيق جبار بحدة وكان يضغط على أسنانه وكأنه يزمجر. وبنبرة صارمة تساءل .
ــ رفاق يمعودين.. رفاق نستمر لو لا. هذا تره مو محله.. ميصير؟
ــ طبعا رفيق نستمر.. أجابه بعضهم.
ــ رفاق الهدوء مهم لجلستنا.. والرفيق ماركس يود أن تكونوا أنتم بمستوى المسؤولية الرفاقية.
بصوت هامس سأل الرفيق ماركس رفيقه جبار عن ما يحدث، ولماذا يفعل الرفاق مثل هذا اللغط والضجيج.
ــ أنها عادة عراقية متعارف عليها في حالات تجمع الناس لغرض الاحتفال أو التشييع أو الفواتح فهناك من يخرج من بينهم ليلقي بعض الأبيات الشعرية وكلمات التمجيد قبل أن يتحدث المحاضر أو الخطيب.
ثم قطع حديثه وبادر موجهاً كلامه لمجموعة الرفاق أن عليهم الهدوء. عند تلك اللحظة وقف الرفيق أبو مزعل صاحب العقال والكوفية مرة أخرى ووجه كلامه إلى رفيق جبار .
ــ وسفه جبار ما جان عهدي بيك هيج.. تقطع هوستي.. ليش بويه شني أحنه مو بعينك.. شني صاير اليوم قبغ مال احلوكّ.. كالولي الرفاق عليك، شايف نفسه شوفه.. من رخصتكم رفاق، أنه طالع وبعد طريقي مو وياكم من هل يوم.
ضجت الغرفة بالأصوات، تنادي عليه البقاء، ولكنه أبى وخرج وأغلق الباب وراءه دون أن يستمع حتى لصوت الرفيق جبار الذي كان ينادي عليه ويعتذر منه ويترجاه البقاء. هرول عبيّس وراءه محاولاً إرضائه دون جدوى، فودعه عند الباب الخارجي وعاد إلى الغرفة. حيث وجد الرفيق جبار قد انتقل مع الرفاق إلى حديث جاد .
ــ رفاق.. فيما يتعلق ببرنامج اللقاءات مع الرفيق ماركس فهي سوف تكون على شكل جولات في المحافظات تدور فيها حوارات، نحاول أن نستخلص منها ما ينفع شيوعيتنا وعراقنا. وأنا هنا لا أريد استخدام تعابير تربك البعض وتقود إلى فهم قاصر لما يريد أن يقدمه الرفيق ماركس لنا، واعتقد أن من المناسب لنا جميعاً أن نخرج عن نمطية المحاضرات ونبدأ بنموذج جديد ومقنع للمخاطبة، إلا وهو طرح الأسئلة من قبلكم والرد عليها من قبل الرفيق ماركس. وقد بدأها الرفيق بالجواب على سؤال الرفيق أبو مزعل ولنبدأ بما يشغل بالكم وندونه ثم يرد عليه رفيقنا كارل ماركس.
ــ اسمحلي رفيق بسؤال.. بادر أحدهم بالقول
ــ تفضل رفيق.. ولو بعدنه ما سجلنه أسماء الراغبين بتوجيه الأسئلة.
ــ رفيق ماركس بروح الوالدة.. متكلي أحنه أنضل هيج نركض والعشه خباز؟
ــ رفيق ماركس.. رفيقنا يسأل إلى متى يبقى حالنا على هذه الشاكلة التي رأيتها، فقر وعوز في كل شيء.
هكذا بادر الرفيق جبار لتقريب لغة السؤال للرفيق ماركس، وكان في كل مرة يستخدم هذا الشيء لتسهيل أمر الحوار بين ماركس والآخرين .
ــ رفيق ،عندكم أفكار ومشاريع الطبقة الحاكمة وهي المهيمنة الآن، وهي من يملك القوة المادية ودائما تحاول فرض منظومة أفكارها على للمجتمع، وتاريخ البشرية منذ الخليقة هو تاريخ صراع الطبقات، وهناك ظالمون ومظلومون، وهم في تعارض دائم، ويخوضون حروب متواصلة، تارة معلنة وطوراً مستترة، ومثل هذه الحرب حتماً سوف تنتهي إما بتحول ثوري للمجتمع ككل، أو هلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين.
ــ أي رفيق وتاليه مو أنشعل سلفه سلفانا، ونركض ونرجع كري. وأشو هسه ما تشوف غير اللطم والبجي والسبحة السودة أم المية أواحد، والتفجيرات ذبحتنا ذبح، وجوع وخدمات معدومة.
ــ الرفيق يقصد أن المجتمع العراقي ناضل كثيراً ولكن في الأخير رجع كل شيء إلى الوراء وسيطرت عليه مافيات تحكم باسم الدين و امتلاك الحقيقة. رفيق يعني لعبت بينه شاطي باطي مثل ما شرحت لك ذلك سابقًا.
أطلق رفيق جبار ضحكة وهو يحاول جهده ترجمة الأسئلة وتوضيحها للرفيق ماركس.
أجاب ماركس قائلاً بعد أن أنهى تدوين السؤال في ورقة أمامه.
ــ رفاق علينا أن ندرك الطابع المؤثر لكل معطيات ووقائع الحاضر، وقدرتها على الوقوف بوجه التغيير وقوى الديمقراطية، وتلك المعطيات بالذات من يسهم في تثبيت بنية المجتمع الكلية ذاتها وتكفل ديمومة الأوضاع السيئة الاقتصادية والسياسية الاجتماعية، وفي هذا لا ننسى أن الدين في مثل هذه المجتمعات يعني عجز عقل الإنسان على التعامل مع حوادث لا يمكن فهمها أو يتعذر عليه تحليل كنهها.
ــ رفيق ولو أنا مو كلشي أفتهمته.. بس أحنه شنو نكدر أنسويه؟
ــ رفاق، الإنسان بواسطة العمل، وبالعمل وحده يستطيع تغيير ذاته وكذلك تغيير ما حوله، ولأجل خلق ظروف أفضل لحياته وللمجتمع. وأعتقد أن هذا الشيء هو ما يحتاجه الشعب العراقي بشكل ملح. ورغم أن العمل في النظام الرأسمالي يصبح وسيلة وأداة لاستلاب الذات وقهرها، ويكون نشاط مستهلك في ظل شروط إنتاج يتم فيها شراء قوة العمل وهنا يكمن الخطر حين يكون الإنسان العامل جزء من وسائل الإنتاج وغير مالك لها، لينقلب إلى مجرد قوة تباع وتشترى.
قفز عبيّس من مكانه وبصوت واضح قوي وجه كلامه للرفيق ماركس.
ــ رفيق ماركس متكلي هو شنو العمل.
طالع ماركس وجه عبيّس الأسمر المملوح والذي يشي بمقدار وقوفه تحت أشعة الشمس اللاهبة، وتمعن أيضا بقميصه المزركش، فضحك في سره بسبب صور أشجار الغابة والورود التي تغطي القميص، وأيضا العبارة التي تتوسط الجهة العليا اليمنى منه، وكانت باللغة الانكليزية، والتي طرزت بخط ناعم أخضر ولكنه واضح للعيان ( اغتصبني أيها الملعون).
ــ رفيق من أين لك هذا القميص الجميل؟
ــ رفيق من اللنكة.
ــ وماذا تعني لنكه.
ــ يعني من محلات بيع الملابس المستعملة.
ــ أرجو أن لا ترتديه بعد الآن فهو قميص لا يليق بك.
ــ رفيق جماعتي كلهم متخبلين عليه.
ــ رفيق هذا القميص في أوربا ترتديه بعض الفتيات المراهقات تحديا لتقاليد مجتمعاتهن.
ــ ليش أحنه مو ثوريين هم أني أريد أتحدى مجتمعنا وأكسر خشم تقاليده.
ــ حسنا ولكن العبارة التي خطت عليه مخجلة في مجتمعك.
ــ وشنو هاي العبارة .. أشو هيه باللغة الأجنبية.
ــ نعم وحاملها يدعو الآخرين لاغتصابه.
ــ شنو .. كول غيره رفيق ... أشو صار شهر من لبسته ومحد كالي بهاي الحسبة.
ــ مثلما أخبرتك.
هرول عبيّس خارج الغرفة وكأن حية لدغته، ثم عاد وهو يرتدي قميص ابيض وجلس في مقعده يتلفت إلى وجوه الرفاق التي كانت جميعها تحمل ابتسامات خفيفة شعر إن بعض منها كان شامتاً.
ــ رفيق تكلمت عن العمل.. نستطيع أن نعرف ما هو العمل؟
ــ رفاقي الطيبون.. العمل هو الأفق وهو الحياة، هو من يبعث الأشياء من بين الأموات، والشغل فاعلية مرتبطة بماهية الإنسان، وهو مجهود جسدي وبواسطته ينمي الإنسان مواهبه وملكاته وقدراته. وقيمة أي سلعة تظهر في السوق يعبر عنها بعامل واحد هو مقدار العمل الإنساني المبذول لإنتاجها، وقيمة السلعة تقاس بمقدار العمل الذي يقتضيه أنتاج السلعة، أي بعدد الساعات التي يستغرقها العمل في إنتاج تلك السلعة، وتقاس هذه القيمة بالزمن الاجتماعي لا بالزمن الحقيقي.
ــ رفيق يعني أم غانم هم شغلته تنقاس بالزمن الاجتماعي مو بالساعة.
قالها أحدهم فضجت الغرفة بالضحك واللغط ووجهت للرفيق عبارات اللوم والسخرية وترددت جملة، عيب رفيق عيب، هذا مو سؤال، عيب رفيق مع قهقه عالية.
ــ رفيق وما نوع العمل الذي تقوم به تلك المرأة.
تساءل الرفيق ماركس
ــ أترك هذا رفيقنا العزيز.. الرفيق أراد ترطيب الجو فأطلق أملوحة.. أم غانم تشتغل والعياذ بالله.
وبعد موجة من الضحك طلب الرفاق استراحة قصيرة، جلب عبيس خلالها كليجة وشاي وتبادل الرفاق أحاديث جانبية كان أغلبها هامساّ.
ــ رفيق أبو سناء، أكول منو يكول هذا هو صدكَ كارل ماركس؟.. هذوله أبأوربا نغولة يلعبون علينه لعب.. يجوز كالو خلي اندز لهذوله الزواج، واحد نسويله كفشة ولحية مثل كارل ماركس، وراح يحجيلهم شيريد ما يريد، ويثرم برأسهم بصل، وهمه غشمه خيرهم ما يعرف شنو ما شنو الماركسية.
ــ هاي شلك بيه رفيق لعد هذا الحجي إلي حجاه هذا، منو يكدر يحجي غير ماركس.
ــ وهو أنته أفهمت منه فد شي.
ــ تريد الصحيح.. والله ما أفهمت منه غير جملة لو جملتين.
ــ ها أني جا أشكَول..
ــ رفاق أعتقد من المناسب العودة لنتحاور مرة أخرى.
كانت هذه جملة الرفيق جبار التي نبههم بها ودعاهم لمعاودة الاجتماع فجلس الرفاق في مقاعدهم .
ــ رفيق خصم الحجي أحنه شنسوي بهذا وضعنا. صحيح سأل رفيقي نفس السؤال قبل قليل.. ولكني أريد الآن وقبل أن أغادر.. أريد جوابا حاسماً يشفي القلب.
أطلق أبو رقية جملته وهو واقف ومتهيئ وكأنه يريد إنهاء الاجتماع والخروج دون انتظار جواب.
ــ مثلما قلت في ردي الأول.
ــ أعرف رفيق بس أكول ما ممكن في هذه المرحلة بناء الاشتراكية بقوة سواعد أبطالنا.
ــ دون نضوج الظروف الموضوعية والذاتية لا يمكن الوصول إلى تلك المرحلة. فالعراق يمر بفترة عصيبة اقتصاده ريعي أحادي الجانب، خزينته تعتمد على مادة واحده هي النفط ، وعنده اقتصاد فلاحي متخلف ومجزأ، وبلد متخلف صناعيا، وهناك فائض كبير في الوظائف الحكومية، وليس هناك طبقة عاملة واسعة وناضجة تعي طبيعة وظيفتها التاريخية وتعمل ككيان اجتماعي سياسي واع لتميزه عن الطبقات الأخرى، وهذا هو المهم. وفوق كل هذا وذاك البلد تديره أحزاب إسلامية طائفية تراهن على تخلف المجتمع لتسويق برامجها، ومن هذا لا يمكن أن تنضج في هذه المرحلة مسالك حقيقية للديمقراطية أو بناء يقترب من الاشتراكية حتى بنموذجها المبسط.

ــ رفيق أنته أشو حيل مظلمه علينه.. ليش ما يمكن حرق المراحل ؟

عند تلك الدقيقة وقف الرفيق جبار وصاح

ــ يمعودين.. يا حرق مراحل يا بطيخ.. والله عدهم استعداد يحركون الأخضر واليابس لو واحد قال لهم
شويه وخرو. لو تحرش بمصالحهم.. رفيق ماركس صار الحديث خارج نطاق التغطية... دعنا نذهب لنستريح بعض الوقت فينتظرنا سفر طويل لمدينة أخرى.
فض الجمع تجمهرهم، وذهب كل واحد لحال سبيله. وصعد الرفيق كارل ماركس والرفيق أبو نداء في سيارة الرفيق جبار التي انطلقت نحو وسط المدينة حيث بيت أبو نداء.
ــ رفيق جبار ما تريد تشوف حي الزراب.
ــ ليش أكو بعد أكثر من هذا الزراب؟!




(1) يوم النداء وهو اليوم الذي أطلقه صدام على يوم غزوه للكويت.
(2) كلمات القصيدة للشاعر لفته الباني
(3) حي الطناطلة وحي الزراب مناطق سكن عشوائية حقيقية أنشأها الفقراء قرب مدينة الناصرية

 

كارل ماركس في العراق (4)
كارل ماركس في العراق (3)
كارل ماركس في العراق (2)
كارل ماركس في العراق (1)

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter