|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  7 /  1 / 2016                                 فرات المحسن                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

كارل ماركس في العراق
(
8)

فرات المحسن
(موقع الناس)

شعر كارل ماركس بأنه وُضع وسط حديقة حيوانات لما كان يسمعه من أصوات. لم تغمض له عين فخرشة الحشرات يشعر وكأنها تحيط به من كل جانب. دندنة البعوض لم تفارق أذنيه ولسعها أخذ منه ما أخذ، ولكن ما كان يستفزه في هذا الظلام الدامس شيئان، صرير الجنادب وشخير الرفيق جبار.فكان طيلة الوقت يهشّ الحشرات عن وجهه ويديه ويدفع دبيبها بعيدًا عن قدميه. وبين فينة وأخرى يضغط على كتف الرفيق جبار ليجعله يكف عن الشخير ولكن جبار يعاود الكرة بأقوى من السابق. سمع حديث هازل ترافقه ضحكات متقطعة لمجموعة رجال تأتي أصواتهم من بعيد.
في هذه الأيام القليلة التي قضاها في العراق لم يستطع أن يجد تقيماً حقيقياً لما آل إليه الوضع، فالمفاجآت دائما ما كانت تعترض لا بل تثلم التقييم. في هذه الساعة وهذا الظلام ورائحة روث البقر التي تملأ الغرفة تذكر كيف ألح عليه رفيقه فردريك أنجلز وبعض الأصدقاء من الأطباء للذهاب إلى الجزائر. كان سفره يتعلق بحالته المرضية قبل أي شيء آخر، فهو يشكوا دائماً علة في الصدر، ولكن في الجزائر وبعد التقائه بذلك الطبيب الفرنسي حاول أن يدرس الملكية المشاعية عند العرب. تلك كانت محاولة لا طائل منها، بل عدها تضليل لا يمكن الخروج منه بنتائج تستحق الاحتفاظ بها، فليس للعرب ملكية مشاعية وفي نفس الوقت لهم من ذلك الكثير. حينها شعر بالتناقض العجيب والغرائبية في المزاج العام والطباع المتناقضة. فكلما توغل المرء في تلك العوالم المتضادة يجد في التوريات عالم خاص للفرد ومثله للمجتمع. وفي العموم فقد كان منهجاً غالباً لدى هؤلاء. فالعربي يضمر الكثير قبل أن يفصح عما يريد. يناقض نفسه بنفسه وفي ذات الوقت يوافقها ويرضيها، ازدواجية ليست بعيدة ولا غريبة عن ثقافة عامة دجنت دينيا ومجتمعيا. فعاف الجزائر وعاد إلى لندن دون أن ينال فائدة تذكر غير ذلك الانطباع السيئ جدا. وهو اليوم وفي هذه الغرفة المظلمة ومع مزيج من النباح وطنين الذباب ومأمأة وثغاء الخراف وخوار البقر ونهيق الحمير لم يصل لأية محصلة يستطيع من خلالها الحصول على ما يسعف المرء للتعرف على طبيعة المجتمع العراقي والقوانين والأخلاقيات التي تتحكم في مسيرته.ولذا يأسف بأن تتكلل سفرته هذه ولقاءاته ليعود بذات الحصيلة التي غنمها في الجزائر، وهي الحيرة قبل أي شيء آخر، ومن الممكن أن يسمى فشلا. وفي هذه الحيوات الغريبة وانصهار البشر فيها،تراهم يتوحدون معها ولن يجدوا أنفسهم دونها، عالم متصارع متناقض ولكنه متوافق ومتوائم مع كينونتهم، ولذا لن يزهر بينهم غير البؤس، ودائما ما تهرب عنهم السعادة ويتوطنهم الضياع.
دفع الرفيق جبار شخرة قوية اختلطت بحسرة أفرغها صدره وكأنها كانت حبيسة سنوات.ثم استيقظ واستدار واضعاً يده تحت خده الأيسر .
ــ رفيق ماركس ..هل أنت مستيقظ ؟
ــ لم أستطع النوم فالسرير لم يكن يوائم جسدي.
ــ كنت في حلم مزعج جدًا .. لقد أخذوني نحو النهر وهناك قيدوني وأحاطوا جسدي بالحبال وعلقوا معي صخرة كبيرة وثقيلة وهموا بإلقائي في النهر . كنت أنت واقفاً تنظر نحوي ببرود، لا بل ترتسم على شفتيك ابتسامة ماكرة .والغريب إن هيئتك كانت غريبة جدا، فرأسك حليق بالموسى ووجهك دون لحية وشاربك فقط هو الباقي. سألتك رفيق ما الذي حدث لك من الذي حلق لك شعرك ، فأجبتني بضحكة قوية قائلا، لا عليك ..لا تهتم للأمر اذهب وارم نفسك في النهر ولا تدعهم يفعلون ذلك بدلا عنك . فقلت لك .. رفيقي ألا تستطيع إنقاذي فأنا سوف أموت؟ فأجبتني بحدة .. يضربك قزولقورت .. فسحبوني نحو النهر فشعرت بالاختناق وصحوت.
ــ هذا كابوس وليس بحلم.. أعتقد أنه جراء الوضع الذي نحن عليه. فقط أتساءل عن معنى يضربك قزو وهكذا ..
ــ قزولقورت.
ــ نعم هذه الكلمة ....
ــ الكلمة تعني أني غير معني بما يصيبك .
ــ رغم أنه حلم ولكن لا أعتقد بأني سوف أقف معك ذلك الموقف .. وهل رميت نفسك في النهر ؟
ــ لم أكمل ذلك .. لقد استيقظت قبل أن يحدث الآمر.فلن أدعهم يفعلون بي ما يتمنونه لذا استيقظت.
بدأت صياحات مجموعة من الديكة تترنم على التوالي مع نباح جوقة من كلاب. وعند أولى معالم الفجر التي ظهرت شم الرفيقان رائحة الخبز المخلوط بالدخان تتسرب إلى الغرفة فراحا يحلمان بفطور قادم .
بزغ نور الصباح فامتلأت الغرفة بالضوء. فطالع الرفيقان بعضهما بعضا. فجأة وبمصاحبة ضحكة خفيفة ودهشة ظاهرة راح الرفيق جبار يطالع وجه كارل ماركس:
ــ ما الذي حدث لك رفيق ماركس لقد تحول وجهك إلى خارطة عجيبة.
ــ حتما فقد بت ليلتي في صراع مع البعوض .
ـ رفيقي .. البعوض في العراق يعشق لحم الأجانب.
ــ ربما سحب مني قنينتي دم في هذه الليلة المشئومة.
ــ البعوض العراقي يحب الدم الأجنبي، ولكن المصيبة أنه يتلذذ أيضا ويعشق دم أبناء العراق وتراه يمتصه بصمت وهدوء ودون إثارة، وهو في عمله هذا لم يعد ورفيقه الذباب يحسبان لنوع دمنا حساب، إن كان شيعيا أم سنيا. ورغم ما ينقلانه من أمراض،فقد توطنا فينا ومعنا، وهما مصيبة صغيرة جدا من مصائبنا. ألم أقل لك أن الجميع يلعب بنا شاطي باطي.

أطلق كارل ماركس ضحكة، سرعان ما كتمها بيده. عند تلك اللحظة، انزلقت السلسلة الحديدية، عن أطار فتحة الباب مصدرة أصوات صرير مزعج. انفرجت فتحة الباب ودخل أحدهم وطلب من الرفيقين النهوض، ثم أصطحبهما خارج الغرفة وأشار عليهم الجلوس عند تخت متهالك وضع قرب الباب.
أمامهما يمتد بالعمق بستان نخيل كثيف، وثمة امرأة في الجانب الأيسر من الساقية الصغيرة تقف خلف تنور وقربها يقف رجل يلتهم رغيف خبز وينظر نحوهما بتركيز بائن وكأنما ينبههم لوجوده كمراقب. وثمة ثلاثة كلاب منسدحة عند حافة الساقية، يبدو أنها في إغفاءة نوم بعد أن كانت تصول وتجول وتنبح طوال الليل. تحرك ماركس محاولا لملمة جسده فقد شعر بلسعة برد الصباح رغم إن الموسم كان صيفاً، ثم سأل رفيقه جبار.
ــ أليس باستطاعتنا الهروب الآن ..؟
ــ وإلى أين نتجه رفيق ماركس.. هل تستطيع أن تدلنا على طريق.
ــ إلى أي مكان يمكن أن نحتمي به من هؤلاء الأوباش.
ــ إنهم سلسلة من عصابة خطف تمتد أذرعهم بين أبناء جلدتهم في هذه المناطق، التي هي مجموعة كبيرة من بساتين. وإن كنا اليوم بيد هؤلاء فربما يضعنا هروبنا بيد أوباش أشد منهم قسوة.
ــ وهل نستسلم ؟
ــ وهل لديك طريقة للخلاص..رفيقي أن أردت الهروب فيضربك قزولقورت، وأنا باق هنا لحين ما يجد أهلي مخرجا.
ــ وعدنا لهذه الكلمة قزوزوق..
ــ نعم قزولقورت وتعني أني غير معني بما يصيبك أن هربت.
ــ أشعر أن معناها.. ليس بمثل ما تدعيه ..
فضحك الرفيق جبار ضحكة تنبه لها الرجل الواقف جوار التنور، فتحرك ثم رفع طبق معدني كبير وضع فيه صحن يحتوي على لبن رائب وقطعة زبد وأربعة أرغفة خبز ثم تقدم نحو ماركس وجبار ووضع الطبق بينهما وانسل بعيدا ليشعل سيجارة راح ينفث دخانها بكثافة ويراقب كيف كانا ينهشان الخبز ويأكلان بنهم.
ــ كلي رحمه الوالديك .. يمته يجي حجي أبو بشير
سأل الرفيق جبار الرجل الذي يقف بعيداً وهو يطالعهم.
ــ ليش شتريد منه ؟
ــ مو جماعتك البارحة كَالو .. هو راح يقرر شيسوي ويانه.
ــ أي هوه يقرر..
ــ زين وهوه يمته يجي...
ــ أي هسه أنته ليش مستعجل.. هيه شكَتين لو طريقين مو غيرهن..
ــ شنو طريقين الخاطر الله.
ــ شوف أنته وصاحبك هذا أبو كفشة الأجنبي.. لو تسيسون بالنهر وهاي طريقة .. لو أتطلعون سلامات بعد ما يدفعون ربعكم المقسوم.
ــ أي غير يجي الحجي حتى يحجي ويه أخويه .. أني مو أنطيتكم التلفون.
ــ عمي لتدوخني .. الحجي أبو بشير اليوم من الفجر راح للجامع وما راح يرجع إلا بعد صلاة الظهر. أي هسه أكلو أو وصوصو وبعدين فكروا شراح نسوي بيكم.. ترى التفكير الهواي يأثر بالأعصاب .
ــ أي ماكو غير أبو بشير يقرر.
ــ حجي أبو بشير وما كو غيره .. كافي عاد لتدوخني.

***
مضت ساعات ثقال قضياها في النظر لما يدور حولهما. تلك الحياة الفلاحية البسيطة الخشنة، تخفي خلف ستائرها الثقيلة، عالماً غريباً متوحشاً تنفلت أطرافه بتنافر عجيب، ولم يشهد إنتاج قيم ثابتة يرتكن لها على مدى عقود طويلة، لا بل العكس، فقد سحبته أقداره نحو أنماط غريبة من علاقات مشوهة، أربكت الأرواح وجعلتها تتخبط في دوامة لا نتائج يرجى منها. فكل شيء في هذا المجتمع متصدع وهزيل ومحطم، والهويات تتغير بل تُركب بفعل الخوف المجتمعي أو السياسي ويتقدم عليهما اليوم الخوف الطائفي .قفزة أو خطوة نحو التمدن والحضارة ولكن أعقبها ارتكاسات بقفزات واسعة نحو التخلف. تراني لم أجد الوقت أو لم أبذل جهداً كافياً في البحث داخل الطبقات الاجتماعية بتشكيلاتها وانحدارات فئاتها البدائية، واعتقد أني لم أبذل جهدا طيبا في تفكيك خاصية الوعي المحلي الديني والطائفي الراسخ في طبقات المجتمع الدنيا، وبالذات العمال منهم، وهل تراني غفلت عن ولم التفت بعناية لخصوصيات المجتمعات المركبة المتعددة الديانات والطوائف والمتناحرة بالرغم من كونها من عرق واحد وتعيش في رقعة جغرافية موحدة مثلما أراه الآن. هل كان هناك قصور في جدلية المادية التاريخية،وإنها لم تستطع بشكل كامل وناجز اكتشاف الأسس الموضوعية المادية لمجمل الحياة الاجتماعية ولم تصل لقدرة إيضاح جوهر وقوانين المجتمعات البشرية المتعددة والمتنوعة.أم ترى هؤلاء الذين أعيش بينهم اليوم، من طينية أخرى غير التي عرفتها.
هكذا فكر ماركس وهو يتعقب دبيب طابور نمل يسير برتابة ودقة قرب حذائه ليختفي في جحره الصغير جوار الجدار، لم يرغب في تحريك قدمه خوفاً من أن يؤثر في مسيرة هذا الطابور ويشتت نسقه الجميل. سُمعَ صوت سيارة قادمة ثم توقفت في الجانب الأخر خلف الساقية التي مروا بالأمس فوقها. جاء الحاج أبو بشير برفقة ثلاثة رجال لم يكن أي منهم يحمل سلاحاً. ساروا نحو البيت المجاور وسمع ماركس ورفيقه جبار جلبة ثم ضجيج أصوات أعقبه ضحك عال خرج معه الحاج أبو بشير ورجاله وجاء ليقف أمامهم قائلا.
ــ جبار هاي تكول ما عندي، وشدعوة، وأني خطية كاسب فقير... أشو طلع عندك فندق ومحل عطور ومحل كارتات تلفون والله يعلم شنو بعد. شوف أني حجيت اليوم ويه أخوك.. أذا ما يدفع باجر عشر دفاتر راح يلكَيك مسيس بالماي. وأنته كله وشجعه على الدفع لأن هاي المصلحتك . هاك التلفون وأحجي وياه.
أخذ جبار الهاتف وراح يضغط ببطء أزرار رقم أخيه، سمع صوت أخيه وكان الارتباك ظاهرا فيه.
ــ منو ؟
ــ أني جبار .. يابه شيردون أدفعلهم بس خلصني تره هذوله ناويه على شر.
ــ زين اني كلتلهم أنطيكم ست دفاتر بس ميرضون ..
ــ يمعود أنطيهم شنو يردون.
ــ خوش .. صار .. معليك أني أدبره وياهم...أنته اشويه أصمد والله كريم.
ــ يمعود مو محل أعناد أني أكَلك أطيهم.
ــ أي مو كتلك صار ..
سحب أحد رجال الحاج أبو بشير جهاز الهاتف النقال من يد الرفيق جبار وسلمه للحاج أبو بشير الذي قال مهاتفا.
ــ ها سمعت أخوك.. أنته تريده مسيس بالشط لو يمك بالبيت.
ــ يمعود الخاطر الكعبة بروح النبي عوفوه .. أني محضرلك ست دفاتر .. هاي الكدرت أجمعهن .. يا به وربك المعبود ما كدرت أجمع غيرهن.
ــ الظاهر أنته مو أدمي .. وأنته تريد أخوك يموت حتى تحوش على كلشي.
وفجأة أغلق الهاتف وضغط زر الإطفاء .. فسأله جبار أن يفتح جهاز الهاتف لعل أخاه يعاود الاتصال فقال الحاج أبو بشير
ــ هذا مو شغلك .. أحنه نتصل أذا ردنه..
أنسحب ورجاله تاركاً كارل ماركس والرفيق جبار مكانهما وكان المساء قد بدأ بالهبوط ومعالم الغسق يضرب حمرته فوق هامات النخيل، وضج المكان بنباح الكلاب وثغاء ومأمأة الخراف ونهيق الحمير فدندن ماركس مع نفسه.
ــ ليلة أخرى في السيرك .
ــ ماذا قلت رفيق ؟
ــ لا شيء .. هذا لا يعنيك ويضربني قزوزوق.
ضحك الرفيق جبار لما بدر عن الرفيق كارل ماركس، ولكنه تسمر فجأة وهو ينظر نحو رجال الحاج يتقدمون نحوهم شاهرين أسلحتهم . تقدم أحدهم وسحب رفيق جبار من يده وطرحه أرضاً ثم جاء الأخر وشده من قميصه رافعاً إياه ثم سحبه معه. عند تلك اللحظة تشبث ماركس بجسد الرفيق جبار وطلب من الرجل المسلح أن يتركه لحاله ولا يأخذه أو يؤذيه، ولكن الرجل المسلح الآخر استدار وضرب ماركس بقوة بأخمص البندقية فوق ذراعه الأيسر، فشعر ماركس بشدة الضربة فمال جانبا وسقط فوق التخت.سار الرجل ساحباً الرفيق جبار باتجاه الغرفة المجاورة حيث كان الحاج أبو بشير. وقفوا عند مدخل الغرفة بانتظار أن يرفع الحاج أبو بشير جسده وينهي صلاته . بعد عدة دقائق أنهى صلاته وسلم على ملائكة الرحمة القاعدين عند كتفيه.
ــ أتقبل الله حجي .. قالها الرجال المسلحون
ــ شكرا ولدي.. ها جبار شدكول
ــ حجي ... شكول هي الدنيا وحياتي صارت بيدك .. بس بجاه الله ألي صليتله أنته قبل شويه.. أني صاحب جهال وعائلتي جبيره .. بجاه هاي المسية عليك وأنشاء الله يتقبل صلاتك وأعمالك.
ــ ليش أحنه ما عدنه عوائل .. بس أنته .. تقبل أحنه نموت من الجوع وأنتم تتونسون بالولاية.. تقبل أنتم تلبسون قوط وتركبون سيارات وأحنه حسرة علينا المي الصافي. تقبل أنتم تنامون جوه المبردات وأحنه كاتلنه الحر .
ــ أي حجي قابل أني سببه ..
ــ شمعرفني منو سببه .. كله الأخيك الجماعة يقبلون بثمانية دفاتر، والباجر إذا ما وافق فأحنه ما نتحمل ذنبك وخطيتك بركَبة أخوك هو اللي سبب موتك.
ــ حجي هاي مثل سالفة مقتل عمار أبن ياسر... أنذبت براس الفئة الباغية ..
ــ أنجب لك لتتفلسف وتصير براسنا مطي روزخون .. أنته وعمار شنو .. راح أطيك التلفون وأحجي ويه أخوك.. كله الجماعة يكولون ثمانية دفاتر بالتمام والكمال لو أنطكك بالدهن ..وهذا آخر أنذار.. خوش.
تحدث جبار مع أخيه وكان الأخ يصر على الستة دفاتر وجبار يتوسل به أن يجعلها ثمانية، وبعد نقاش ليس بالقصير، أخذ حجي أبو بشير التلفون وراح يتحدث مع أخ الرفيق جبار وطال بينهما الحديث ثم أغلق الحجي التلفون قائلا.
ــ هذا شلون حقنه ..زمال يابس مثل سير النعال.. ما قبل وعاند.. بس ميخالف اتفقت ويه هذا الطايح حظ على سبعة دفاتر.. وباجر راح أنشوف شلون نتفاصل وياه على التسلوم.
أعاد الرجال المسلحون الرفيق جبار إلى الغرفة ليلتحق بالرفيق كارل ماركس ثم رجعوا إلى غرفة الحاج أبو بشير.
ــ حجي من نستلم الفلوس نسلمه ألهم مطبوخ لو مسلوك..
ضحك الحاج ضحكة قوية .
ــ ولك أنته شكد أتحب القتل .. ما شبعت.. أي دعوف هاذي السالفة ..نأخذ حاجاتنا ويأخذون رجالهم .. خلي رحمه الله بقلبك.
ــ حجي مو شافنه ويمكن عرف المكان.
ــ خلي يروح أوين ما يريد يشتكي .. اشو نص الحكومة ربعنه .. بعدين أذا أشتكى أخلي يزوع فلوس وره فلوس، فصل عشاير وره فصل.. أنه منو ولك ؟ نسيت سالفة المقاول أبو غانم .. مو خليناه ليهسه يدفع عيديات.
ــ حجي والنعم والتلاث أنعام عمي أبو بشير.. أني كَلت كَص راس موت خبر .
ــ لا ..مو بكل الحالات..أذا نريد نوجع لو من تعصه.. هذاك الوكت ميخالف.

***
عاد الرفيق جبار وجلس جوار الرفيق ماركس وكان شبح ابتسامة يرتسم على محياه. دفع بظهره ليلتصق بالحائط ومد قدميه وأرخى جسده. فكر بالذي حدث وشعر ببعض الراحة ولكنه لم يكن مطمئناً لما سيئول له الآمر. فمن الساعة حتى الغد هناك الكثير من التقلبات. فقد كانت بادية على وجوههم علامات الشر وعباراتهم متعصبة وسمجة لا بل كانت جارحة تصدر عن شراذم لا صلة لهم بالبشر.أما ما سمعه من أتفاق مع أخيه ما كان حتى هذه اللحظة ليتوافق مع حديث هؤلاء المفرط بالقذارة والبشاعة واحتقار الناس. لم ولن يكون مطمئناً حتى يرى الشوارع ويعود حراً منطلقاً فيها وليجد في أحضان أهله دفء الحرية التي يشعر أنها بعيدة جدا عنه.
ــ ما الذي حدث رفيقي جبار.
ــ أتفق رئيسهم مع أخي .
ــ بماذا أتفق؟
ــ أن يعطيهم سبعون ألف دولار مقابل إطلاق سراحي.
ــ جيد .. وأنا ماذا سيكون مصيري؟
ــ والله رفيق لا أدري كيف أجيبك ..فهؤلاء يتعاملون بالنقود .
ــ ومن يملك النقود ليفتديني بها..
ــ سوف أخبرهم بضرورة الاتصال بالسفارة الألمانية .. عسى ولعل يستطيعون المساومة معهم على حياتك .
ــ تعتقد ذلك..؟
قالها ماركس وانفرجت أساريره عن ضحكة شاحبة ارتسمت فوق وجهه الأحمر المطرز بالعديد من لسعاة البعوض. ولكن جبار بادر قائلا.
ــ نقول عسى ولعل... وأنا تلمست عند هؤلاء الأوباش وجود شيئاً ولو ضئيلاً من ارتخاء، أعتقد.. المبلغ سوف يجعلهم يتخلون عن قتلنا.
ــ وهل أنت متأكد من ذلك؟
ــ لا .. لست جازما .. لنرى ما يفعلونه غدا.
وكمن كان يريد أن يبعد عن ذهنه ذلك الغم الذي خيم على صدره بثقل غير عادي ،دس أصابعه في جيب سرواله وأخرج طرف رغيف لين احتفظ به منذ الظهر. راح يكوره بين أصابعه ويصنع منه كرات صغيرة وتارة مكعبات ثم يعيد تركيبه على شكل مربعات، ولكن مثل تلك اللعب الصغيرة لم تكن لتجعله يبتعد بتفكيره عن هذا المكان الموحش الضاج بالحشرات والروائح العطنة، ولم تدع تفكيره يسرح بعيدا عن يوم غد الذي يتقرر فيه مصير الرفيق جبار، وربما يكون هناك حلا لوضعه هو أيضا.هل تراه ينجو من الموت أم سيكون قدراً مكتوباً عليه. ترى كيف يكون وضع الغد معه بالذات..ما الذي يفعله هؤلاء الأوباش لينهوا حياة نضال كرسها لأمثالهم ، واحتضن قضيتهم وعاف كل شيء ليجلي لهم معالم طريق، وياترى على هذا سوف يعاقبونه؟ يجرجرونه نحو النهر ثم يفرغون فيه ثلاث طلقات ويرمونه في نهرهم القذر. أنه ثمن بخس لتلك الحياة التي كرسها وجهد فيها ليصنع للناس غدا مشرقاً أفضل. لقد جبل قلبه وقدّ من قرميد ولذا فهو لا يهابهم، سوف يقف قبالتهم ليلقنهم درساً بقيم النبالة والشرف . ولكن مثلما قال الرفيق جبار هؤلاء من طينة أخرى غير طينة البشر التي يعرفها، ليس يدري إن كان هذا ينفع معهم أم إن الدم كان بالنسبة لهم مثل الجاذبية الأرضية لا فكاك منها.هؤلاء مثلما بحث اليهودي عن قدر اللحم الفرعوني هربا من تعاليم موسى،فهؤلاء يسرقون وينهبون ويقتلون ويوغلوا في فواحشهم ولوثاتهم لكي يهربوا من دونيتهم وذلهم الذين ينكشف ويتعرى أمام الآخرين، ليجدوا في الجريمة ما يشفي غليلهم ويعطيهم الثروة وفي الوقت ذاته يشعرهم بعدم الحاجة لمفاهيم النبالة وقيم الشرف .
كانت الحجج والأفكار عن الاعتقاد والممكن ومثلها الآمال تهبط عليه مثل قطرات مطر ثقيل يقرع رأسه دون فكاك.الساعة تحضره زوجته برتا. فقد كانت محبوبته والنموذج المميز في حياته، فهي الوحيدة التي كانت تعلم مسبقاً بأنه شخص غير عادي وسوف يكون بسبب أفكاره مضطهداً مطارداً، وكانت شاهداً على كونه مطارداً من السلطات، ولكنها لم تعافه أبداً. ولكن لم يخطر في بالها على الإطلاق أن يكون حبيساً لدى لصوص قتله يتاجرون بحياة البشر، مثلما هو عليه اليوم.
هرب إلى باريس ثم طرد منها فانتقل إلى لندن فكانت رفقتها مفعمة بالحب الصلد الموثوق. عندما توفيت ذهب برفقة أولاده الستة يحملون جنازتها ، كان منكوباً يعتصره الألم وتمزق صدره اللوعة. عند قبرها تعثر ووقع في حفرة فأصيب برضوض في أجزاء مختلفة من جسمه بقي طريح الفراش لفترة طويلة، ذلك اليوم شعر بتصدع في روحه، فقد فقد برتا حبيبته وسنده وشعر مثلما الآن بأنه فقد منبع سعادته ومصدر قوته وهو بحاجة أليها الساعة بكامل جوارحه لتدله وترافقه في هذا الطريق الوعر.إن ذكرى برتا لا يمكن أن تفلت من ذهنه وقبل ذلك من قلبه.
إنه يعرف جيداً بأن هؤلاء اللصوص الذين يختطفونه والرفيق جبار، مثلما غالبية الفقراء في العالم هم نتيجة الطبيعة اللا إنسانية للاستغلال من قبل رأس المال، وبدلا من أن يكون نشاطهم الاجتماعي والاقتصادي بناء وفي خدمة المجتمع، يخلق الرأسماليون في سعيهم وراء الربح مثل هذه النماذج التي تمارس الصراع وتفرضه فيما بينها وكذاك بين الفقراء.ولكنه حتى وهو يبحث ويفكر في هذا تراه الآن يشعر بالحيرة أمام سؤال كبير واجهه في العراق منذ اليوم الأول لوصوله ، يا ترى هل هناك رأسمالية ورأسماليون في العراق وأين الطبقة العاملة من كل ذلك، ويا ترى ما طبيعة التركيبات الطبقية ، وأين يكمن أو ينفجر الصراع الطبقي .
كان كارل ماركس يتنقل بفكره من محطة إلى أخرى دون رحمة لنفسه، كان كمن يريد أن يستحضر شريط حياته ليجد في هذا وداعاً أخيراً لمسيرة ما شعر بغير حرارتها وعنفوانها والتي تلبسته ومازالت. طلع الفجر وارتفعت بعده الشمس عاليا وتسرب ضوءها الساطع من خلال شقوق الجدار وفتحة الباب.
كان جبار مازال يعزف نشيد الإنشاد في عزف منفرد على الشخير الذي ما أنقطع طوال الليل.ولم يكن لنغماتها القدرة على قطع سلسلة أفكار الرفيق ماركس ولكن سطوع الشمس أجبر جبار على الاستيقاظ. كان وجهه متجعداً مثل أرض بوار قطع عنها الماء فعاشت يباساً. كانت عيناه مسبلتان لا تريدان ترك النعاس. لقد أعطوا أخاه الحق في اختيار مصيره، بين أن يموت أو يطلق سراحه، كان فرحاً بعد أن اتفق اللصوص على قبول الفدية فراح في نوم عميق . أستيقظ الآن ويود بأن ينفذ الاتفاق دون أبطاء. ولعل ما يحز في نفسه الآن أنه خيب آمال ذلك الرجل الذي جاء صادقاً يحمل نوايا طيبة ليشاطرهم آلامهم وأحلامهم ويضع لهم حلولا لمحنتهم وعثراتهم، ولكن القدر دفع به إلى أحضان عتاة المجرمين. سحبت السلسلة الحديدة ثم فتحت الباب ودخل رجلان يحمل أحدهم رغيفي خبز وضع فيهما قطعتي جبن سلمتا إلى الرفيق ماركس والرفيق جبار.
لم يكونا في عجالة من أمرهما وليس هناك ما يفتح الشهية لذا تيبست أصابعهما وهما يمسكان بلفتي الرغيف.
ــ أتزقنبو .. جبار أنته بعد شويه تجي ويانه أسلمك الأخوك .. بس أذا لعب بذيله لو الفلوس مو جاهزة خلي صاحبك هذا أبو كفشه يقره الفاتحة عليك بالانكليزي .
ــ لا أنشاء الله أخويه دبرها...خلي نروح هسه .. ما أريد أكل ..
ــ بكيفك ..خاف الشغله أطول وتموت من الجوع.
ــ ميخالف بس رجعوني الأهلي.
ــ زين كَوم ..توكل على الله ..
سلم جبار رغيف الخبز لكارل ماركس وعانقه وأطال عناقه .. تسللت دمعة حرى من عينيه وانسابت لتسقط على كتف الرفيق ماركس ..شد بساعديه وطوق رقبة ماركس وهمس في أذنه..
ــ أعذرني رفيقي العزيز.


 

كارل ماركس في العراق (7)
كارل ماركس في العراق (6)
كارل ماركس في العراق (5)
كارل ماركس في العراق (4)
كارل ماركس في العراق (3)
كارل ماركس في العراق (2)
كارل ماركس في العراق (1)

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter