|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  13 /  7 / 2016                                 فرات المحسن                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

كارل ماركس في العراق
(
17)

فرات المحسن
(موقع الناس)

سار ماركس نحو غرفة الحبس بتثاقل ولكن عريف أحمد زجره ودفعه من كتفه وطلب منه الإسراع. دخل ماركس الحبس فوجد الجميع نيام ما عدا أبو رمزي الذي كان مستيقظا يتكئ على يده ثم اعتدل في جلسته حين اقترب كارل ماركس منه.
ــ ها بشر شنو صار؟
ــ لا شيء.
ــ شنو لا شيء .. قابلت العقيد لطفي ..كلمك ..كلمته.. وما صار شي.
ــ نعم كلمني وكلمته وفي النهاية تغير مزاجه وراح يشتم ويصرخ فخرجت وعريف احمد من غرفته.
ـــ جان يشرب؟
ــ نعم ..
ــ أبن المنبوش .. هم دمج وهم يتعيقل برأس الأوادم ..
ــ ماذا تعني بدمج؟
ــ شوف سيد كارل ماركس ..أنته بديت تفتهم شنو نحجي بالعراقي؟
ــ أعاني الشيء القليل.. والغالب أتفهمه بشكل حسن.
ــ خوش ..أنا راح أحجي بشكل يساعدك حتى تفتهم .. بس قبل هذا خلي أكلك فد شي .. احنه بالعراق ما عدنا شي غريب لو عجيب ..كلشي يصير ويصح ..الاعوج يصير عدل ، والعدل يصير اعوج..
ــ كيف يتم هذا؟
ــ الواوي تفترسه الدجاجة وينجبر كسر الزجاجة
والخصي يفوز بزواجه وغنم تسرح وي ذيابه
هذا ملخص الحجي بالعراق في هذا الزمن الطايح حظه.
ــ أوكي أستمع لك.
ــ كتلي شنو دمج..هذا العقيد جانت رتبتة قبل على عهد البعثيين رئيس عرفاء شرطة.
ــ وكيف أصبحت رتبته عقيد ؟
ــ أني كتلك راح يصير كل الليل عشه ..يعني راح نسهر ونسولف ..يعني نحكي قصص.. أوكي أبو .. صدك بالمناسبة أنته بألمانية شنو يسموك ..أبو منو؟
ــ نحن فقط نكنى بأسمائنا وأنتم فقط من يستخدم هذه التسميات.
ــ خليني اسميك .. لآن أني أشوف مو لايقه أكلك كالساع ماركس .. وهم ما أكدر أكلك أستاذ ماركس خاف تطلع مثل ذولاك لو همين دمج.

ضحك أبو رمزي ثم كتم ضحكته وتلفت ليرى باقي السجناء الذين كانوا يغطون في نوم عميق وتصدر عن البعض منهم نغمات وحشرجات أصوات ترتطم بجدران الغرفة ويتردد لبعضها صدى.
ــ أرجوك دع هذا جانبا ونادني فقط بماركس وهذا يكفي.
ــ خوش براحتك سيد ماركس.
ــ لم تجبني عن معنى كلمة دمج.
ــ تريد تنام لو نحكي ..لان السالفة طويلة.
ــ تحدث بما نويت عليه فليس لي رغبة بالنوم.
ــ أوكي .. يا أبن الحلال ..ربك قسمه علينه ولا اعتراض على قسمته .إنما الدنيا مشيناها خطى كتبت علينا، ومن كتبت عليه خطى مشاها، ومن كتبت منيته بأرض، فليس يموت في ارض سواها ...أغاتي تره ربك كلشي فصله وسواه لبني ادم وكلمن ياكل حقه وقسمته.
ــ وما علاقة هذا بالعقيد لطفي؟
ــ راح اسولفلك قصة لطفي وأنته راح تعرف شنو معنى كل هذا الحجيته...
عزيزي ماركس هذا العقيد لطفي جان رئيس عرفاء بالشرطة على عهد البعثيين .جان متزوج امرأة أصل أهله من إيران بس هيه ولادتها بالعراق وحاصلة على الجنسية العراقية..البعثية صدروا قرار ..أذا واحد عراقي موظف لو بالشرطة لو بالجيش ينهون خدمته الوظيفية، يعني ينطرد من الوظيفة أذا بقه متزوج من أجنبية، وبالتحديد إلي سماهم القرار التبعة الإيرانية. وجاء بالأمر الرئاسي بأن من يطلق زوجته يحصل على إكرامية.. رئيس عرفاء لطفي خاف على وظيفته وطمع بالإكرامية، طلك زوجته واستلم الإكرامية ..بعد فترة قصيرة قامت الحكومة بحملة جبيرة وسفرو أعداد كثيرة من العراقيين بحجة كونهم غير عراقيين، بل صنفهم القرار بأنهم تبعة إيرانية، من بين الذين سفروهم جانت مطلقة رئيس العرفاء لطفي مع ثلاثة من أطفالها.. ما راد لطفي الاحتفاظ بالأطفال وحين سألوه عن عدم ضم الأطفال أليه، أجاب بأنه يخاف أن تثار حوله مشكلة جديدة كون أمهم من أصل غير عراقي.. بقى لطفي في وظيفته وتزوج من امرأة أخرى.. الحرب العراقية الإيرانية طولت وشعرت الحكومة العراقية بأزمات وخسائر بشرية ومادية ..صدر قرار عن صدام حسين فرض على جميع الموظفين الحكوميين الذهاب إلى جبهات القتال ومن ضمنهم جهاز الشرطة..وأطلق على تلك المهمة أسم المعايشة، أي الموظف يروح إلى جبهات القتال لمدة شهر أو أكثر ويعيش حياة الجنود في مواقع القتال، ويجرب يعتاد على أوضاعهم ويشاركهم في حياتهم اليومية.. أجبر رئيس عرفاء لطفي على الذهاب إلى الجبهة في قاطع الشوش القريب من مدينة العمارة..كانت المعارك في ذلك القاطع من الجبهة لا تتوقف ،بل كانت هجمات إيران شبه يومية في تلك المنطقة، والقطعات العسكرية تقدم يوميا خسائر كبيرة..وقتل بعض زملاء لطفي من الذين ذهبوا معه إلى ذلك الفوج. في أحد الأيام فكر رئيس عرفاء لطفي وللتخلص من مصير مجهول كان يتهيب منه، ومع تكرر المعارك واشتدادها،شعر بأن الموت يقترب منهم يوما بعد أخر،ويمكن أن يكون هو أحد ضحاياه في أية لحظة. فكر وقرر أن يهرب إلى إيران فاستغل اشتداد المعارك وفي ليلة ظلماء ارتدى قميص وبنطال مدني تحت ملابسه العسكرية وتسلل إلى أماكن بعيدة عن وحدته العسكرية أثناء اشتباكها بالقتال، وحين وصل مكان قريب من جبهة الجيش الإيراني أخفى نفسه في حفرة حتى بزوغ الفجر. بعد ذلك خلع بزته العسكرية وذهب وسلم نفسه إلى الجيش الإيراني مدعيا هروبه من العراق وأنكر كونه عسكريا في سلك الشرطة العراقية.
ــ كيف فكر بتلك المجازفة الخطيرة ..كان من الممكن أن يقتل.
هكذا قال ماركس وهو يقاطع حديث أبو رمزي.
ــ هاي السالفة بأوله ..
ــ هل حدث له شيء مؤذي؟.
ــ لا عمي جان أمجنص ومضبط شغله.
ــ ماذا تعني أمجصن ؟
ــ أمجنص مو أمجصن ،يعني إن حظه كان حسنا جدا..بعد اعتقال لشهر أو شهرين وتحقيق مو عميق أرسلوه إلى معسكر للاجئين العراقيين. تعاون لطفي بصورة كبيرة مع الاستخبارات الإيرانية فكانوا يطلبون منه مشاركتهم في التحقيقات التي يجرونها مع بعض العراقيين من اللاجئين والهاربين وحتى الأسرى. وفي معسكر اللجوء لم يترك الوقت يمر دون أن يستفيد لذا ارتبط بالعمل السياسي مع فصيل معارض لحكومة صدام حسين وقد تحسنت ظروف معيشته بعد هذا الارتباط، وأصبح سريعا من رجال الصفوف الأولى في المعارضة الإسلامية العراقية. بعد سنتين فكر بأن يبحث عن أطفاله وزوجته السابقة أي طليقته التي سفرتها الحكومة العراقية إلى إيران. فسأل في معسكرات اللاجئين فلم يجد من يرشده على مكانها..سمع خبرا من أحد العراقيين بأن عليه البحث عن مطلقته وأولاده في مدينة بختران فهي تضم أعداد من المسفرين العراقيين، وبعد أن استقرت أوضاعه قرر الذهاب إلى مدينة بختران، وهي مدينة تقع غرب إيران.ذهب إلى هناك وبحث طويلا عن عائلته السابقة، وفي أحد الأيام لمح أبنه الكبير في أحد أسواق مدينة مروي. أقترب منه وتودد أليه ولكن الطفل قد كبر وبلغ من العمر الأثنى عشر عاما وكان قد سمع من أمه كيف عاملهم أبيه وكيف فضل نفسه دون الاحتفاظ بهم، فما كان من الابن غير رفض الحديث مع أبيه، لا بل قابله بالشتائم.تعقب لطفي ولده إلى حيث يسكن وحين عرف موقع دارهم، تهيأ ورجع في اليوم الثاني وطرق الباب فخرج طفله الأخر، وبسبب صغر سنه حين تسفيرهم إلى إيران، فلم يكن ليعرف أبيه.طلب لطفي من الطفل أن يخبر والدته بأن هناك شخص يريد التحدث معها، خرجت المرأة لترى لطفي ينتظر أمام الباب فما كان منها غير طرده شر طرده.
ــ وما كان يريد من مطلقته ؟

ــ طباكات ..لوكي حقير..كان يعتقد ممكن تحن عليه وترجع أله مرة أخرى ويستفاد منها كإيرانية..بس المرية جانت قوية ..تفلت بوجه وكالتله أذا تتقرب مرة لخ للبيت راح أخبر عليك الإيرانيين شنو ومنو أنته وشنو سويت بيه وبأطفالك.روح يا ساقط وأني مو بشكلك وأخلاقي مو بشكل أخلاقك ..روح والله راح يجازيك فد يوم. والله بالأخير صدك جازاه مجازاه ماكو منه، ورفعه عقيد وصار يلعب بالفلوس لعب.
ما علينه.. لطفي ما كذب خبر لم يبق في مدينة بختران فطلب من مسؤوله السياسي الانتقال إلى مدينة قم بحجة التقرب إلى المزارات الدينية ..وأصبح لطفي يتنقل من مدينة إلى أخرى لحين سفره إلى كردستان حيث شارك بقوة في العمل السياسي مع باقي الفصائل وأصبح عضو ارتباط بيناتها .ثم أنتقل إلى سوريا وهناك عمل في عدة مهن كان أخرها شغل قجق.
ــ ماذا يعني هذا العمل.
ــ تهريب بضائع بين تركيا وسوريا ولبنان ..بعدين طور عمله ليشتغل في تهريب البشر من سوريا إلى أوربا عبر أسيا. بعد سقوط صدام حسين على يد الأمريكان رجع إلى العراق ولكونه ينتمي لذلك الفصيل الإسلامي، فقد أعيد إلى الخدمة في الشرطة ومنح رتبة عقيد بعد أن احتسبت له جميع سنوات هروبه خدمة لأغراض العلاوة والترفيع والتقاعد وعوض بتمليكه دارا سكن ومنح مبالغ كبيرة تكريما له على سنوات غربته التي عدت له كسنوات جهادية ..وهسه أنته أتشوف المجاهد السيد لطيفي بالزي العسكري وبالدوام الرسمي وبالخفارة مالته وبأهم مركز للشرطة وسط بغداد يصلي الفرايض الخمسة يومية ويزور الأيمة بس بي سوله لازم يلط ليلية نص عرك لو أكثر، وبعد فد ساعة زمان من يطوخ يضل يبجي وينوح ..عليمن ما تدري ..يمكن على طيحان الحظ مالته..لآن ما أعتقد هذا يبجي ندامه على الماضي لو على أفعاله السودة.
ــ أبو رمزي كيف تسنى لك الحصول على كل تلك المعلومات.
ــ شوف أبن عمي ..مو يكولون أذا تريد يطش الخبر، أي يذاع السر للعلن ، فعليك أن تخرجه إلى شخص ثالث.. بالعراق ماكو هيج شي، أصلا ما يحتاج السر لشخص ثالث.. أحيانا العراقي وحده ما يصبر على سره، وتشوفه يحوص ويتحركص ويكَوم يهذري بالسر مالته، وبعدين تلكي الناس تحجي بي ..والشخص يتعجب شلون أنذاع الخبر وهو ما حاجيه لأحد. لا ويكول جان سري أبير، شلون طش أبين الناس؟
ــ أبو رمزي أذا أنا صدقتك القول وقلت بأني عرفت جميع ما تحدثت به في جوابك فتلك كذبة لا تغتفر. بالضبط أعيد سؤالي كيف حصلت على كل تلك المعلومات؟
ــ أغاتي ماركس .. العلمك هذي الرواية مسجلة بشريط .. وكل هذوله اليشتغلون بالمركز وأغلب المساجين عرفوها وحفظوها ..بس تعرف السيد العقيد لطفي محد يحجي وياه لأن هو قائد بالفصيل الإسلامي. في يوم ما هذا العقيد لطفي صار طلي أصلي مربوط للدنكَه، بعد ما شرب بطل ويسكي كامل، وجانت الدنيه حاره، وهو كاعد خطار يم واحد كَرايبة وصديقه من الطفولة وحباب كلش، وراح هذا الصديق يجر من لطفي حديث وره حديث ،وبنفس الوقت يسجله بكاسيت..يكولون هذا صديقة كام يبتزه للعقيد لطفي ويطلب منه طلبات كثيرة ولطفي ما يمانع جان يلبيله كل طلباته، بس فد يوم اختفى هذا الصديق الحباب كلش، بعد أسبوع وجدو هذا كلش ميت وذابينه فوك كومة زبل.
ــ يعني مقتول؟
ــ أي نعم مقتول .
ــ والتسجيل ؟
ــ التسجيل ظهر وتوزع بكل مكان قبل لا يموت الكلش حباب صديق لطفي، أصلا توزع حتى ويه الحصة التموينية.. مو أكلك العراقيين عدهم طرق عجيبة في الحياة. والسيد لطفي وفصيله السياسي يدعون أن التسجيل مفبرك ومقصود به تسقيط المناضلين والفصائل الإسلامية .
ــ في خضم هذه الفوضى العارمة كل شيء يبدو ممكنا وغير مستبعد.

 

كارل ماركس في العراق (16)
كارل ماركس في العراق (15)
كارل ماركس في العراق (14)
كارل ماركس في العراق (13)
كارل ماركس في العراق (12)
كارل ماركس في العراق (11)
كارل ماركس في العراق (10)
كارل ماركس في العراق (9)

كارل ماركس في العراق (8)
كارل ماركس في العراق (7)
كارل ماركس في العراق (6)
كارل ماركس في العراق (5)
كارل ماركس في العراق (4)
كارل ماركس في العراق (3)
كارل ماركس في العراق (2)
كارل ماركس في العراق (1)

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter