الأثنين 5 /2/ 2007
قناديل بصرية - 8
الشاعر عبد العزيز عسير
من قلبة الفحل الى حمى السمندل
د. صدام فهد الاسديحين يتوقف الشعر في عصرنا عند محطات الغموض والتعقيد والرسم في الخيال ,لم يكن الشاعر البصري بمنجاة من جدلية الصمت او الكتابة ,امامنا شاعر يرفض التهويمات ويصر على سيادة الشعر العمودي بالرغم من طوفان النثرويكره ان يبقى الشعر بالونا منتفخا بالهواء والهراء معا عن طرائق رخيصة كالمديح ,وهو القائل بعظمة لسانه((اني مقل في الشعر فلم انشر الا القليل ولكني بالحقيقة مكثر في الكتابة حد الافراط ولي دواوين كثيرة لم تنشربعد) هذه مفاتيح الشاعر عبد العزيز التي يتألق بها منفردا ساكتا واجد الشاعر ينطبق عليه قول اليزابيث درو((للشاعر طبيعتان انسانية وفنية ,والشعر ينبع من مصدرين من جبرية غامضة تكمن في اللاوعي ومن تنظيم صناعي تام الوعي))الشاعر من هنا يؤمن بان الشعر رسالة ومهمة الشعر لن يخدم الانسان ويذبحه في آن واحد, الشاعر عاش خمسة عقودا يزرع بذور نتاجه القليل في تفكير عميق ويحسب سنوات النشاط الفكري التي امتدت من 1958م الى 1968م ولكنه لم ينقطع عن المتابعة والنشر والحضور لجلسات الادباء مستمعا يغربل اين وصلت بهم الحداثة وحينا يحتفظ برايه محترما الرأي الاخر,وقد درست الشاعر في اطروحتي في الدكتوراه (البصرة في الشعر العراقي)1999م من بين 37 شاعرا بصريا واخترت قصيدة رائعة له (الراس بين النخلتين) وقد تركتها في ملحقات الرسالة اعتزازا بها لما فيها من سياق يعبر عن تجربة الانسلاخ من الريف الى المدينة فقد رمز (السنما الوطني والشارع الوطني) وقد اختار بطلا لقصيدته الفلاح ,وبصوته كان يحن لبستان النخل البصري من خلال مشاهدة رقصة شعبية في فلم اجنبي لاظهار مفارقة بيم ما تعيشه المجتمعات الاخرى وما ترزح به البيئة الجنوبية وقد تمثل الفلاح بالرقصة واعاد تشكيلها في فرحة بعد مشاهدة الفلم حاملا سلة الطب القنطار ,ولكنه يفاجيء بن كل شيء في القرية يرفضه حتى النخلة التي لم تغادر اعماقه خلال سنوات العد فصارت ترفضه وتنفر منه ,وهنا تبرز مأساة النص :
((السلال على شاشة السينما الوطني
تتلوى باغنية
ورقاب الصبايا تكب السلال
تتناثر الوانها االقزحية بين ثياب الرجال
اسكب الطب المتفالع عنه النوى
تمرد الروح سلة قنطارها ظمأ لاينال
سكرا يسمن الروح
منذ حف البلابل ريش الحلال))
انظر الى لوحات عسير لوحات تتكلم الكثير وترسم الاكثر والابدع كل منا يرصد تلك البيئة البصريىة الفلاحية والخصيبية ,ولكن عندما يعود الفلاح الى المدينة (شارع الوطني) ايام زمان شهرته باحثا عن نخلة بديل يجد نخلة الزينة المعروفة بجوز الهندويؤطر اللوحة بمسميات بصرية لاتغيب عن الذاكرة منها((غابة النخل/السوباط/البرحي/البرين) ولم تغب تسميات النخل (القنطار/البرحي/الؤلؤية/الفحل) وثمة افعال متحركة من سمات الفعل الشعبي (تكب / تمرد/ يسحن/ قلبة الفحل/ يطوب / متفالع))وهو يرى لغة الناس وحديثها اليومي قريبا من دلالات رمزه فضلا عن ايحاءاتها ودورها في ابراز وحدة النص ,وحين نسرب المسارات نحو مقطع اخر نكشف عن المضمون الذي دفنه الشاعر دون تصريح(هذا الشعر الخلاق) قائلا:
غابتي غيمة تتكور او تستطيل
غابتي لهفة المستحيل
البريمة,الؤلؤة ,السايرات
معرض سعفها عن طريد النخيل
لاصبايا هنا لاسلال
قاعنا قامة تتهاوى على لهفة المستحيل
الحبيبة في قلعة تستحيل
اوصدت كل ابوابها بالنباح الفحيح
اتسورها قلت امرق بين ضفائرها والصويل
اتسلل من قلبة الفحل))
هذه قصيدة تدعونا للتاملات والكشف عن ماهية الشعر فثمة متحدث غائب وراو مستمع ونفور موضوعي من التمدن ونزوع الى الريف النقيهروبا من لدغات النفس الانسانية في المدينة قبولا بشوك النخل العذب .
وهو يستفيد من رؤيا القرآن الكريم ((ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير)) ووتوحي تلك الاية عن عجز الانسان وقد تناص الشاعر مع ذلك التصوير بثوب جديد ليصور عجز البطل تجاه قريته التي رفضته باصرار وهو يدلنا على الرمز وصوت البطل الذي زهد بالمدينة واختار لنفسه بديلا نخلة الزينة,وهناك الواقع المرير بعدم امتلاك اللاح شبرا من ارض يزرعها في قوله :
ساعود الى الشارع الوطني وافتش عن غرفة
نخلة عاقر,في حجرها جوز هند
ولاتمر هند
اشواكها لاتباغت احدا توسدها في المساء
انت بصرية تظفرين بشبر من الارض
اما انا ربما جئت يوما من السند
او من بلاد ماوراء النخيل)
وكيف تكون الغربة بعد هذا؟؟؟وهكذا تمتد بنا الاضاءات من ديوانه المخطوط ((يانخلة البيت انا القادم))1976م وكم اقف عاجزا في تحليل قصدته الرائعة ايضا(حمى السمندل) واراهن على هذه القصيدة بانها خلق شعري لايتاتى الا من شاعر موهوب وانا شاعر وناقد احمل اكاديميتي قبل موهبتي منصفا واقول انها قصيدة تستحق السماع ,والسمندجل حيوان صغير يستقر في النار ولايحترق,هل رايتم كيف اختار فكرة وقد ورد ذكره في الشعر الاغريقي وان بعض المعاصرين لايعده خرافة لان ارسطو قد ذكره باندهاش ,والقصيدة تنمو لمقطعين متكاملين وقد غلبت عليها الصورة الخطابية واقول ربما التسجيلية حين قال:
يباغتك البرد,محرارك الان يقرأ عشرا
ويحوم موقدك المتافت ذارب للسخام
ثم ياتي الموروث متحدثا في سمندله
قد تابطت شرا وعيشا شبيها بعينيك,يقدح يقدح يلتهب الخدر)
ثم يعود الشاعرالى العد التسجيلي في المقطع الثانيقائلا:
وانت تحدق في خدرها الان مرتجفا
تتجمد رؤياك رؤيا فرؤيا
ومحرارك الان يقرأ خمسا))
ولم يغب الموروث ايضا (( شلت يداك من البرد,ومن سيحر بالموت قطتك السابعة) اشارة الى القطة التي تحمل سبع ارواح وثمة دلالة رائعة شاخصة (قبة الطين) وهي محرقة السيك التي تبدو كضريح مهجور على الطريق الخارجي بعد مدينة الشاعر(الزبير) بثلاثة كم, هذه الاشارات كلها تنطلق في ابواب الحداثة وتقلص الهوة الداعية الة ان الشاعر العمودي لايقدر ان ينسى الشكل وهذا الشاعر من شعراء العمودي في البصرة باستطاعته ان يسجل حضورا في النثر ايضا وله اذن موسيقية في العروض وله بحوث بهذا المجال
بمثل هذه الخلاصة الدافئة في مسارات الشاعر اترك الحلم محلقا في فضاءات الشاعر ولعله يقرأ بحثي ويرسل قصيدته الثانية في هذا البحث كي يطلع عليها القراء .
وفي مسك الختام اقدم اعتذاري من اخي الشاعر عبد العزيز لعلي تجاوزت الفكر الذي رسمته ريشته الذهبية فان قصائده بلا شك تنساب كأنسياب النسيم في ليلة ربيع جميل وان فكره ينحت في الصخر الجلمود ليفجر نبعا يدلنا على سواقي الشعر القادمة .