د. صدام فهد الأسدي

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء 9 /1/ 2007

 

 

قناديل بصرية -3

الشاعر المبدع علي الامارة
في الركض وراء شيء واقف


د. صدام فهد الاسدي

تلعب المشاكلة دورا في شعرية علي الامارة منقسمة إلى اتجاهين هما تكرار التراكم والتلاشي، وحسبي ان اشير تلك الجدلية في شعره لعله لم ينتبه إليها وهذا اكيد وطبيعي لأن الامارة شاعر يحمل موهبته سلاحا ويضبك لغته ويتقن عروضه دون ان يتخصص في اللغة ولم يأخذ شهادة بها وكم من المختصين بها واعني الشعراء حصرا قد وقعوا في هنات لا يحتمل الصبر معها ، ولا اريد المغازلة للشاعر على حساب النقد التطبيقي وسوف ادخل في المعايير التي وضعتها عنوان (تكرار التراكم والتلاشي وفنية المشاكلة) وارى ان الشاعر قد بذل جهدا بين التأمل والشطب والانفعال والرسم والتغيير في بعض قصائده ذات الدلالة المتصلة أما المقاطع فقد جاءت عفوية تسرح كالماء ولا أجد فوضى في شعره وارى العناصر الاربعة (اللغة ، الصورة ، الموسيقى ، البناء) قد احتلت مكانها وأظنها النعايير الدافئة التي نحتكم إليها لايضاح الصواب من الخطأ ، ونلمس الطريق الصحيح إلى عالم الشعر ، وحسبي أجد قصائد علي ذات علاقات منسجمة تسيطر على تداعياتها الحرة التي يحتشد فيها الوجدان بشكل مدهش ولن اعفي الشاعر وهو أدرى بذلك من تلك الاستطرادات الزائدة عن الحاجة والقلق الشاعري في زرع المفاجأة للقارئ. وان مفتاحي لدخول عالمه الشعري سيكون التكرار الذي يلفت النظر دون جهد ، وأنا افتح الصفحة الأولى من اماكنه الفارغة قرأت (بحثوا عنه في اماكن يرتادها في القرى واماكن يرتادها في المدينة) كشفت عن ضالتي (التكرار) ثم تلك التنموية (قرية – مدينة) وهنا دلالة الانسلاخ تفرض طبيعتها ، ثم ذلك التدفق الفعلي المرسوم بالحركة يمد ( يمد إلى الأرض رجليه مثل الجذور ويمد مع السقف قامته فيطل على الازمنة) اكشف عن علائق ترابطية تمتهن الصورة الجزئية فالجذور في الأسفل تنمو ضعيفة تمتد باتجاهات متنوعة ومثلها (الرجلان) أما الامتداد المعاكس الذي يسمى الصورة الكلية فيمثل الارتفاع (قامته) دون حد السقف . زد على ذلك الحاح الشاعر على المضارعة الانية (يسافر صوتك عبر الفصول) (ينهض وجهك بين البراري) (ترتدي وحشة الروح) (تغدو بك الأرض) (تضرب في الوهم) (تنأى بك الريح) (تنأى بك الخمر والجمر والرغبات) وهنا يتدفق الايقاع الداخلي (خمر ، جمر) (الصدى ، المدى) (اللظى ، الأسى) ومما تراه الرائدة نازك أجده في شعر علي وذلك في دلالة التكرار الذي يوازن بين الكيان ومركز الثقل في هندسة اللوحة ، كما تقول نازك (ان التكرار يجب ان يجيء من العبارة في موضع لا يثقلها ولا يميل بوزنه إلى جهة ما) وهذا القانون لا يشكل نمطية في شعره كله بل يتراكم حتى يصبح قاعدة ذهبية ثم يتلاشى حينا فتغيب البنائية انظر قوله التراكمي (لكن ظلك ما زال موتا/ ما زلت ظلك ، ما زلت أنت ) وقوله :
(لا تسلب الحجر السكران نشوته
غدا سيفصح عما يكتم الحجر
)
وان عذر الشاعر وهو يستخدم فنية رد العجز على الصدر موقفا فيه ، وقوله التراكمي (يسعى بنا قلقل قاتل / يسعى بنا الميتون/ المقابر تسعى الحدائق تسعى/ ويسعى الحصار) وهنا استنتج رأيا مفاده ان الحكم على نجاح الشاعر هنا قلق لأنه ابتعد عن دور البناء وتوظيفه الايجازي بالاعتماد على الاتحاد الكامل بالاختصار (يسعى بنا قلق ، ميتون ، المقابر ، الحدائق ، الحصار) وهنا ما الذي جعل الامارة يبتعد عن ذلك..؟ الذي جعله ايلاقاع وهذا من خاصية الفن الشعري فلن يضحي بالوزن من أجل الفكرة لوحدها، والتكرار كما نعرفه له وظيفة دلالية لا تتأتى من فراغ وليس قصدا لسد النقص في الكمية الصوتية للمقطع مثال ذلك ( وليسمع صوتك من يأتي من الغيب سوف تتيه ، سوف تتيه وتصبح ملك للضلالة) ، كان الشاعر مولعا بالتكرار لأنه يفهم النهج المفضي إلى معادلته وبعد تغييرين ايقاعين (يصبح ماؤك جمرا ودمعك خمرا فهل تحتسيه أنها محنة المبتلى بأبيه) ليربط صوته ( تتيه ، تتيه) ، وقوله ( حين يسكنك الشعر / يسكنك الفقر) (صوت ، صدى) مرتين ، وفي النبوءة الأولى تراكم والثانية تلاشي ( بخيط من الدمع يشنقك الشعر فوق منصة هذا الزمان / ثم تمشي بنعشك في طرقات المدينة) فأين التكرار ، وعند قراءة ابياته (شاعر) تجد النهر لوحة غارقة بالتكرار (راكض خلف نهره) (بعدما نهره انطلق) (أيها النهر لا تسر) (هو يا نهر من ورق) وحتى كانية طه حسين تكاد ان تجلس في قصائده (كنا التقينا ، كنا حفرنا ، كنت تأملت ، كنا نخبئ) وقوله ( كن نجمة ، كن قدرا ، كن حجرا) وهذا الالحاح التكراري يفقد اللذة شيئا بالعجز الخطابي ، انظر قوله المتعب :
المجد للصخر ما للصخر من سمة
رباه كيف خلود الصخر رباه
وحتى الحرفية المتراكمة استقرت في فضاءات الامارة ، انظر قوله ( عشرة أعوام أغرق فيك ، بعيدا عنك ، قريبا منك) وحتى الحذف المنقط كان مكررا ( أتكفيك أم نبقى ...) ( وتطلب مني أن ...) ( حتى اخفيك...) وحتى الظرف لم يفلت من عنان تكراره ( شجرا يمشي تحت الماء/ شجرا ينمو تحت الماء ، يركض نحو الأشجار) وقد لعب الشاعر بالمقلوبات مستخدما القلب المكاني الدلالي ليخدع البصر ويجذب الاسماع ويلفت الفكر ( نبحث عن عظم في ليل جائع / نبحث عن ليل في عظم ضائع) وقوله ( شاب الرأس وما شاب القلب) وكيف قولك بتكرار بنى الألفاظ مثال ذلك ( أترجل عن صهوة النار) (من أي بارقة ترتمي صهوة الجمر) لقد تجسد التكرار في قصائد الامارة مسبغا نفسا شعريا منسجما مع ترعته الوجدانية التي تتأصل في تداعيات بنى تدور على نفسها منها دلالة الحب المقتول ( فكيف تخبئ اوجاع عمر تقاضتك فيه النساء) (أن الهوى محنة والليالي اغتصاب) وضمن دلالات تضاد ( يا أيها المتكور في غابة الماء والنار) ( ان يتوحد فيك الضدان فتصلب بين الحانة والميدان) (النهاية مثل البداية والموت مثل الحياة) وإذا كان هاجسه التكراري متراكما يفلت من عنان المتفهم والمتابع فإن تكراره المتلاشي يتقاطع ضمن سياق رمزي ، فكل دلالة تأتي في لحظة شعرية تحمل لفظة تركد سياقا محذوفا متلاشيا دالا على نقص يضعه المتذوق وهذا ما عنيت به تكراره المتلاشي انظر قوله ( ريثما نتحسس اوجاعنا / ريثما يشرب الصمت اكوابنا) وينزل التكرار من الأفق الاعلى إلى مدار الوسط ثم يتلاشى دون ان يعلمنا عن مساهمة تكراره ، وقوله ( ما الذي أنت أورثتنيه ، ما الذي أنت حملتنيه) هنا لا نتكافئ مع دلالة قوله ( إن أثقل وزر على الأرض ان يحمل المرء موت ابيه) ودلالة ذلك تلاشي تكراره الثاني ( وهبني عبرت الفراغ المخيف ، وهبني ... فألف فراغ يليه) ان هذه الصور تغني وتبرهن على شعرية فائقة دالة على ذوق تساهمي لا يفتعله الامارة.
ولو عدت إلى نبوءته الأولى صوت ( حسن يسكنك الشعر يسكنك الفقر)
صدى ( حين يسكنك الفقر يسكنك الشعر)
فهل تظنن ان الشاعر لا يدري بتلك الاشارات والقلب ولكن يفتعل رمزية لفقدان نتائج تراكمه.

¤ قناديل بصرية - 2

¤ قناديل بصرية - 1