| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

 

الأربعاء 3/1/ 2007

 

 

حول الإسلام السياسي
(
3-3 )
 

د. صادق إطيمش

حينما يحتمي الطغاة بالدين فإنهم يفتشون دومآ عن مخارج لضياعهم وتشردهم وابتعادهم عن عالَم العلم والمعرفة , يتشبثون بكل ما تناله أيديهم لإثبات وجودهم أولآ ومحاولة تحقيق ولو بعض اهدافهم ثانيآ , حتى ولو كان ذلك لوقت قصير يبسطون فيه بطشهم ويمارسون عنفهم قبل أن ينكشف زيفهم وتزكم الأنوف روائح فكرهم المتعفن لتلفظهم الجماهير التي عانت من وحشيتهم وذاقت ما ذاقت من ويلات همجيتهم , والأمثلة التي ساقتها إلى العالم أجمع أحداث الجزائر والسودان وأفغانستان وصوماليا وأيران لا تزال طرية في الأذهان وماثلة للعيان , وما سيسوقه لنا المستقبل القريب عن المصير المشؤوم لهذه العصابات سيكون اكثر وضوحآ . وفي وطننا العراق الجريح تحاول العصابات المتسترة بقناع الدين أن تملأ الفراغ الإرهابي الذي تركته عصابات البعثفاشية الساقطة لتسلك ذاك السبيل مع تحوير في الشعارات المرفوعة وتغيير في الأسماء التي يتنادون لفديتها بالروح والدم وتنويع في الشخوص المحمولة صورها بعد أن كان التنويع في أوضاع ذات الشخص الواحد في صور مختلفة , وكل من في هذه العصابات السائبة يلهج باسم سيده ليضعه في ذلك الموضع الذي تركه طاغية العصر فارآ بجلده حيث أصنافه من سكنة الحُفر والجحور, بعد أن سار بالبلد واهله إلى غياهب القرون الوسطى بسياساته الحمقاء وتصرفاته العرجاء التي آلت به إلى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليه إلا من قبل من عميت أبصارهم وتلوثت بصائرهم . فهل يتعظ المداحون الجدد بما آلت إليه عبادة ألأصنام .....؟ وهلا يرعوي بعض من تُرفع صورهم اليوم وتُبح ألأصوات بالإعلان عن الفداء لهم بما آل إليه الصنم الذي سلك طريق التستر بالدين أيضآ بحملته الإيمانية الكاذبة محاولآ خداع الناس بما كان يريد تحقيقه من توظيف الدين وتسييسه والمتمثل بالتحكم برقاب العباد والسيطرة على البلاد ....؟

إن الذين يحاولون إثبات نظريتهم حول مفهوم الحكم في ألإسلام ودعاة تيار تسييس الدين ولجوئهم إلى نصوص قرآنية يمنون انفسهم من خلالها بكسر طوق عزلتهم والخروج ألى ذوي البصيرة من الناس ببعض ما يرونه منسجمآ وتأويلهم للنص القرآني , إنما يغالطون أنفسهم ويخدعونها قبل أن يحاولوا ذلك مع الغير , حيث أن العلم والفكر المتنور لهم بالمرصاد , يردهم على أعقابهم وإلى عالم الجهل الذي هم فيه دومآ يتخبطون .

وكان المستشار محمد سعيد العشماوي واحدآ من ذوي الأفكارالثاقبة الذين قارعوا الفكر الباطل لهذا التياروالذين سلطوا الضوء بالحجة والمنطق على ظلام مسالكه , فكشف تلاعبه بالنصوص وتاويله لها بما ينسجم وتوجهاته السياسية واثبت مخالفة ذلك للتعاليم الدينية الحقة وتعارضها معها , حيث جاء في المؤلَف الذي نحن بصدده الآن ما يلي :
"ويتصل بدعوى حاكمية الله في السلطة والتشريع والقضاء , ما يردده الدعاة ويردده من بعدهم التابعون من انه { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون...ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون ... ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الفاسقون }(المائدة 5 : 44 ـ 47) يقصدون بذلك أن من يحكم ـ في السياسة او القضاء ـ بغير حكم الله فهو كافر ظالم فاسق , لا تحق له طاعة ولا يجب له ولاء , وإن حربه واجبة , وجهاده لازم , وإغتياله تنفيذ لحكم الله . وليس ادل من هذا القول على مدى تأثير الغوغائية في تحريف مقاصد الله وإستعمال آياته في غير ما أنزلت من أجله . فهذا القول يرمي إلى اهداف سياسية محضة , وينشط إلى أغراض حزبية بحتة , ولا يقصد حماية الدين او الحفاظ على الشريعة او صيانة أحكام الله . فالآيات المنوه عنها ـ والتي تستعمل كشعار سياسي وهتاف حزبي ـ نزلت بسبب معين . "

إن الذي يطلع على النصوص الكاملة لهذه الآيات من سورة المائدة يجد أن الخطاب في ألآيات الثلاث موَجه فعلآ إلى أهل الكتاب وليس إلى المسلمين . فنزولها قد إرتبط بسبب آني نتيجة لتجاهل بعض أهل الكتاب للأحكام الواردة في التوراة والإنجيل . وعلى هذا الإتجاه التاريخي العلمي يِؤكد المؤلِف حينما يتطرق إلى تفسير هذه ألآيات فيقول: " ولذلك فإن المنهاج السليم الذي يرى ضرورة تفسير الآيات على أساس اسباب التنزيل يقطع بأن هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب , وإنهم وحدهم المقصودون بها , لا المؤمنين (ألمسلمين) . " ويستشهد المؤلِف بالتفاسير الموثوقة لدى كافة المسلمين وتفسيراتها لهذه الآيات التي تؤكد جميعها بنزولها في أهل الكتاب وليس في المسلمين , ومنها تفسير القرطبي , تفسير البيضاوي , تفسير الطبري , تفسير الزمخشري , تفسير النسفي . كما يؤكد هذا المعنى لهذه الآيات كتاب أسباب النزول لأبي الحسن الواحدي وكتاب أسباب النزول للسيوطي .

إن الذين يتشبثون بهذه ألآيات لتبرير الوصول إلى أهدافهم السياسة بالتسلط على الحكم ومن ثم على رقاب الناس جاعلين من لغة السيف , لا الجدال بالتي هي أحسن كما ينص على ذلك القرآن الكريم, وسيلتهم لذلك , لا يتوانون عن تشويه معاني الآيات التي يجعلونها حجة لهم . فلفظ الحُكم , لا يعني هنا الحكم السياسي , بل الحكم القضائي . أما الحكم السياسي فهو ما عبر عنه القرآن الكريم بلفظ الأمر, كما شرح ذلك لنا المؤلِف.

" فإستعمال الآيات ـ مع تبديل معنى اهم كلمة فيها ـ هو إمالة للفظ عن معناه , وتحريف للآيات يأباه الله وينهى القرآن عنه. فإذا ووجهوا بذلك , او ووجهوا بتفاسير الثقاة العُمُد , اعرضوا عنها وقدموا اقوالآ لشراح مجهولين او مفسرين على شاكلتهم , او قالوا في إستخفاف ولِمَ لا يكون تفسيرها كذلك (اي كتفسيرهم)؟ فهل يمكن ان يؤخذ الدين والشريعة والقرآن بهذا التعبير الطفولي الفج : ولِمَ لا يكون كذا , أو لِمَ لا يكون غير ذلك ؟ كأنما الدين بغير ضوابط تحدده , والشريعة بغير حدود تعينها , والتفسير دون قواعد يتعين إلتزامها والتقيد بها ؟ إن الضوابط والحدود والقواعد التي لابد من إلتزامها والتقيد بها حتى لا ينحرف تفسير القرآن ولا يحيد فهم المسلم , هي ـ أولآ وآخرآ ـ أن يرتبط تفسير الآيات القرآنية بأسباب تنزيلها . "
بهذه العبارات الواضحة يرد الكاتب على مُحرفي ألفاظ القرآن فيدحض أطروحاتهم التي يُظهرون أنفسهم من خلالها وكأنهم حماة الدين , في الوقت الذي يعملون به للإساءة إليه بتحريف نصوصه .
ثم يعرج الكاتب على مسألة فقهية هامة تتعلق بوقتية الأحكام الشرعية والإدعاءات التي يُكررها تيار تسييس الدين بالإرهاب والتطرف قائلين: " إنه لابد من الحكم بكل التشريع الإلهي , وليس لإنسان أن يُشرع للناس , وإنه لا يجوز إجراء أي تعديل في التشريع ألإلهي أو وقف حكم آخر , او القول بنسبية حكم ما أو وقتية أي حكم . ومن لا يحكم بكل التشريع ألإلهي دون ما تعديل أو وقف فهو كافر , وكذلك من يقول بنسبية حكم أو وقتية حكم آخر." ولتفنيد هذه الآراء وكشف زيفها يستشهد الكاتب بالنصوص الإسلامية ووقائع التاريخ الإسلامي ويقول : " وهذا القول لا يمكن أن يصدر إلا ممن يجهل جهلآ تامآ كل شيئ عن التشريع ألإسلامي والفقه ألإسلامي ." ثم يضيف قائلآ فيما يتعلق بنفس الموضوع : " فالقرآن الكريم ـ على ما سلف ـ وكما لابد ان يعلم قُوّال ذلك التيار ومنظروه لم يتضمن إلا آيات قليلة في أحكام المعاملات . وهذه ألآيات القليلة لا تحكم كل المعاملات , فضلآ عن انها عامة تحتاج إلى إجتهاد الأمة في التطبيق والتفسير والتفصيل . " ويستشهد هنا بمدأ النسخ في القرآن وإلغاء احكامآ سابقة بأحكام لاحقة " وهو المبدأ الذي تكرر مرارآ في أحكام المعاملات , هو بذاته دليل على وقتية بعض الأحكام التي رأى الشارع ألأعظم إلغاءها بعد أن إستنفذت غايتها أو تعدّت وقتها ." ثم يستشهد بامثلة من التاريخ الإسلامي بإيقاف العمل حتى بآيات غير منسوخة إذا لم تعد هناك حاجة لتطبيق أحكام هذه ألآيات , فذكر على سبيل المثال إيقاف العمل بنصيب المؤلفة قلوبهم المنصوص عليه في سورة التوبة 9 : 60 من قِبل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب كما أنه اوقف العمل بحد السرقة في عام المجاعة " ومع ذلك فلم يدّع أحد ـ على مدى التاريخ الإسلامي ـ أن عمر قد كفر إذ وقف حكمآ من احكام القرآن رأى أنه كان حكمآ وقتيآ , بل أن ما فعله عمر ليعتبر ـ بكل مقاييس الفقه وآراء الشراح ـ فخرآ للإسلام ودليلآ على أهمية ألإجتهاد حتى ولو أدى إلى وقف حكم لم يُنسخ قط ..... وفي القرآن الكريم { وأحل الله البيع وحرم الربا } (البقرة 2 : 275) ومع ان هذه الآية واضحة صريحة قاطعة في حل البيع على العموم , فقد حرم الفقه بيع المزابنة أي بيع الشيئ بالجزاف , وبيع المحاقلة اي بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو ـ كما قيل ـ بيع الزرع في سنبله بالحنطة, وبيع المزارعة وهو بيع الزرع على نصيب معلوم بالثلث او الربع أو أقل من ذلك او اكثر أو ـ كما قيل ـ إكتراء الأرض بالحنطة , وهكذا . أي ان الفقه حرم حلالآ وخصص عامآ , دون ان يُتَّهم بالكفر. ....والواقع أن ألإدعاء بأن عدم تطبيق شرع الله كاملآ , وإغفال أو وقف اي حكم فيه يعتبر كفرآ , هذا لإدعاء , إتهام سياسي يخلو من روح الدين ويتجاهل معاني الشريعة , وقد بادر إليه تيار تسييس الدين بالتطرف والعنف والإرهاب عندما سُقط في ايدي قادته وأُلجئوا إلى الحجج بدلآ من الشعارات , وأُلزموا التحديد بدلآ من التعميم والإطلاق , فتبين من الجدال العلمي أنهم لا يستعملون لفظ (الشريعة) الإستعمال القرآني السليم . "

يقدم تيار الإسلام السياسي الدين الإسلامي وكانه مرتبط بالعنف والتكفير وإنهاء الآخرين بالإرهاب والقتل فيبدو الإسلام أمام أبناءه وغير أبناءه بهذه الصورة التي لا تعرف الرحمة والتسامح , علمآ بأن المبادئ الدينية الحقة مليئة بمثل هذه الدعوات التي تؤكد على الحكمة والموعظة الحسنة . وإلى ذلك يشير المؤلِف ويقول:
" إنما كان التكفير في التاريخ الإسلامي دائمآ , وكان القتل بالرأي على الدوام , عندما تختلط السياسة بالدين , وكلما كان ثَم إتجاه أو نظر لتسييس الدين أو لإستعماله لخدمة السياسة , إنْ من المُغتَصِبين للسلطة أو من الطامحين إليها , من الطغاة تارة ومن البغاة تارة أخرى . وهذا النظر الثاقب يمكن ان يقدم لنا السبب الحقيقي لإرتكاز تيار تسييس الدين (المعاصر) إلى العنف وإرتكانه إلى الإرهاب. فالعنف والإرهاب كانا على الدوام أمران يظهران ويغلبان كلما أُستُخدم الدين لأهداف سياسية أو أُستُعملت الشريعة لأغراض حزبية . وفيما عدا ذلك فلقد كانت الأمة الإسلامية , مثلآ واضحآ لسماحة الرأي وحرية التعبير. "

لا يقتصر ظهور هذا التيار على المجتمعات الإسلامية فقط , بل ويمكن مراقبة هذه الظاهرة في مجتمعات اخرى أيضآ يلجأ فيها دعاة تسييس الدين أو تديين السياسة إلى أساليب مشابهة عند مواجهة خصومهم في الرأي . لقد أصبح التطرف الديني ظاهرة تعكس ما يتبلور عن المشاكل الإجتماعية بأشكالها وصورها المختلفة في اي مجتمع من المجتمعات .
ألاسباب السياسية وهدف الوصول إلى السلطة يكاد يكون القاسم المشترك بين جميع هذه التيارات أينما وجدت , أي الرغبة بالوصول إلى الحكم وليس الدفاع عن الدين , كما يدعون , هو السبب الرئيسي الذي يدفع هذه التيارات لإرتكاب مثل هكذا حماقات . إلا أنه من الممكن ان تتواجد في بعض المجتمعات عوامل مساعدة أخرى , قد تختلف من مجتمع لآخر , يعمل المتطرفون على إستغلالها ومن ثم توظيفها لأغراضهم .
يحاول الكاتب أن يلخص بعض هذه العوامل في المجتمعات العربية الإسلامية فيذكر مثلآ الصراع الحضاري بين البداوة والحضارة وأثر ذلك على فهم وتطبيق التعاليم الدينية خاصة في القرون الإسلامية الأولى ومن ثم إحتكاك المجتمعات الإسلامية بالحضارة العالمية مع إستمرار وجود ظواهر البداوة في هذه المجتمعات , مما أدى إلى نشوء الإزدواجية في بعض مرافق الحياة العامة على مستوى التعليم والعمل والعلاقات الإجتماعية والأُسرية . " ونتيجة ذلك كله أن ضم المجتمع سلوك الحضارة بتطريته وليونته , وسلوك البداوة بجفافه وخشونته , ووجد فيه فريق مصقول الطباع انيق التصرف حسن الفهم واسع الأفق لين العريكة , بينما وُجد فيه فريق آخر جاف الطبع فض التصرف خشن الفهم ضيق الأفق غليظ العمل . إن أصحاب البداوة لا يعرفون المنهج الحضاري وليس بوسعهم ان يسلكوه , لظروف تعليمهم أو تربيتهم أو معيشتهم أو لعجز فيهم أو قعود منهم أو جهل متأصل . وإذا كان الناس اعداء ما جهلوا , فإن هؤلاء ينكرون هذا المنهج متترسين بالسلوك البُدائي وطباع البداوة , مدعين أن ما يفعلون هو الإسلام , والواقع أنهم مغرقون في صميم الجاهلية مبتعدون عن جوهر الإسلام ."

ثم يعرج المؤلِف إلى ذكر ألإختلاف في مستوى التعليم بين افراد الجتمع الواحد كأحد العوامل التي ساعدت على إختلاف فهم التعاليم الدينية وإنعكاس هدا الفهم على العلاقات ألإجتماعية في هذا المجتمع او ذاك والعلاقة التي نشات من جراء ذلك بالسلطة السياسية . كما يعتبر الكاتب سبب إنحدار الحضارة الإسلامية منذ القرن الرابع الهجري , أي منذ حوالي ألف عام, احد العوامل ألأخرى التي ساعدت على بروز ظاهرة التطرف الديني في المجتمعات العربية الإسلامية , ويحمل ألإحتلال العثماني لاغلب بلاد الشرق الأوسط مسؤولية تواصل الإنحدار الحضاري لهذه المجتمعات حيث " فرض العثمانيون على رعايا البلاد المحتلة ظلامآ شديد الوطأة وجاهلية عنيفة الضغط , حتى أصبحوا في ظلام دامس وفي جهل بالغ , نسوا فيه المناهج العلمية التي قدمها المسلمون الأوائل واعرضوا عن الإبداعات العقلية التي فاض بها أسلام القرون الأولى . واختلطت لديهم الأمور ـ في الظلام والجهل ـ حتى باتوا يظنون أن الإحتلال العثماني جزء من الإسلام , وإن الخليفة الذي لا يتكلم العربية رمز للمسلمين , وحتى صاروا يعتقدون ان النظم السياسية البغيضة التي فرضها المحتل والمؤسسات الدينية والإجتماعية الطارئة التي أقامها لصالحه , هي بذاتها التاريخ ألإسلامي وهي هي التراث الديني ."
وكنتيجة لهذا التخلف الفكري الذي افرزه الإحتلال العثماني لأربعة قرون متواصلة , تحوَل كثير من المسلمين إلى متمسكين بقيود الماضي , رافضين لأي تجدد حضاري علمي واضعين هذا الرفض ـ بغيآ وعدوانآ ـ تحت مفهوم الحفاظ على الشريعة والتراث . " ومن عجب أن من يرفض أي فكر جديد أو فهم حديث أو صيغة مُبتَكرة او رأي مستحدث أو ما إلى ذلك , يُقبِل بنهم شديد على المنتجات المادية للحضارة والسلع الإستهلاكية لها , غير مدرك ان هذه السلع وتلك المنتجات تؤثر في حياته , شاء ام لم يشأ , وتُغير من مجتمعه , أدرك ذلك ام لم يدركه , هدا فضلآ عن الآثار الوخيمة التي تنتج عن مجرد الإستهلاك والإستهلاك دون اية مشاركة في الإنتاج , ودون اية محاولة لتشرب أساليب الإنتاج والوسائل العلمية والإقتصادية التي تؤدي إليه . بهذا أصبح تيار التطرف رافضآ بشدة أي جديد فكري أو اي تغيير عقلي , بينما هو مقبل بنهم على كل منتج مادي وكل سلعة ترفيه , ثم يدعي أنه إن رفض الجديد الفكري فبإسم الدين وإن عارض التغيير العقلي فبإسم الشريعة . "

إستنادآ إلى كل ما تقدم من العوامل التي ساعدت وتساعد على بلورة الإسلام السياسي المُتطرف كحركة سياسية تتخذ الدين ستارآ لها وتجعل من العنف وسيلتها لتحقيق أهدافها السياسية التي لا علاقة لها بإعلاء شأن الدين أو الدفاع عن تعاليمه , " وإذا كان تيار تسييس الدين يعلن الحرب على المجتمع الوطني والمجتمع العالمي ـ زاعمآ بأنها مجتمعات جاهلية ـ ويدعي انها حزب الشيطان في حين انه هو حزب الله , فإنه لابد ان يضع في تقديره انه يجعل من فهمه للإسلام قعقعة حرب وطنطنة فتنة , فيسيئ إلى الإسلام أيما إساءة ويدفع الآخرين إلى حربه , دفاعآ عن انفسهم وحفاظآ على حيواتهم وإبقاء على قيمهم التي يعتقدون انها اصح واسلم . فعلى من يعلن الحرب أو يبدأ العدوان ألا يتوقع من ألآخرين إستسلامآ له وخضوعآ لأهوائه , بل حربآ بحرب وعدوانآ بعدوان , والبادئ أظلم . " وعلى الباغي تدور الدوائر.

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى