| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

الأحد 21/6/ 2009



مآزق منظري ولاية الفقيه
(3)

د. صادق إطيمش
 
لا احد يدري ما هو الأساس الذي إستند عليه الملالي لمراجعة 10% من أصوات الناخبين وباختيار عشوائي محاولين بذلك إيجاد مخرج من هذه الأزمة الضاربة الآن في إيران ، وليحافظوا على بعض ماء وجوههم التي كشفت قبحها المظاهرات الجماهيرية العارمة التي تصدى لها حكام إيران المتغطرسون بما معروف عنهم من أساليب البطش الدكتاتورية التي تمثل نهجهم ليس بتسويق الدين لمآربهم الخاصة وحسب ، بل وفي كل ما يمارسونه من النشاطات السياسية والإقتصادية والإجتماعية . وإن مبعث توجههم للعنف هذا ينطلق من إعتقادهم ألأخرق بأنهم يمثلون الدين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه ويتحايلون على الناس بهذا الطرح باعتبارهم يمثلون دين السماء لا دينهم هم ، دين الفقهاء . وقد اكد هذا التوجه مرشدهم الأعلى علي خامنئي في خطابه الأخير حينما أعلن , وبدون خجل من الواقع الجاري فعلاً ، بأن التزوير في الإنتخابات لا يمكن ان يحدث في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، باعتبار ان نظامها الإسلامي لا يسمح لها باستعمال أساليب التزوير أو الممارسات اللاقانونية . مسكين هذا المرشد الذي لم يعرف كنه نظامه بعد وممارسات القائمين على هذا النظام منذ سقوط دكتاتورية الشاه عام 1979 ولحد الآن ، أو انه يعرف ويحرف ، كما يقول المثل ، اي أنه مراوغ . فإن كان الأمر كما يدعي المرشد الأعلى ، وأن جمهوريته لم ترتكب أي خطأ وإن أزلامها لا يلجأون إلى الأساليب الملتوية في تعاملهم مع بعضهم البعض أو مع الشعب أو مع الموارد الإقتصادية للبلد ، إن كان الأمر كذلك حقاً فكيف يفسر إذن هذا الإثراء الفاحش الذي وصل إليه البعض ومن أمثلتهم هاشمي رفسنجاني مثلاً أو وزير الداخلية الحالي الذي موَّل الحملة الإنتخابية لمحمود احمدي نجاد بعشرة ملياردات تومان ، وغيرهم من سراق المال العام في هذه الجمهورية التي تريد أن تتبوء موقع النزاهة لأنها تدعي إلتزامها بالتعاليم الدينية والكل يعلم تماماً ان القمع والتسلط والسرقات ليست من الدين بشيئ . وعلى ذكر اللصوص وإثرائهم الفاحش على حساب الشعب ، يبدو أن بعض معممينا في العراق من الذين قضوا فترات طويلة من حياتهم في هذه الجمهورية الإسلامية قد أتقنوا صنعة زملائهم في اللصوصية فطبقوا ما تعلموه في وطننا العراق بعد أن مالت لهم الدنيا بعد سقوط البعثفاشية حتى أوصلوا هذا الوطن بفضل ممارساتهم هذه إلى أوطأ درجات السلم الحضاري العالمي في مجالات الفساد المالي والإداري .

لا نريد ان نشذ كثيراً عن موضوع حديثنا هذا الذي يتناول ما آل إليه الوضع في إيران اليوم وما سيؤول إليه في المستقبل بعد أن خرجت الملايين إلى الشارع منددة بالتوجه الدكتاتوري لولاية الفقيه والذي رسمت ملامحه نتائج إنتخابات الرئاسة الأخيرة . فحتى لو ألغى مجلس صيانة الدستور هذه العشرة بالمئة التي إقترحها كمادة لمراجعة نتائج اإنتخابات ، فإن النسبة التي سيظل أحمدي نجاد محتفظاً بها ستكون 53% إستناداً إلى النتائج التي أعلنتها وزارة الداخلية الإيرانية والتي بلغت 63% من أصوات الناخبين . فماذا يعني مثل هذا الإجراء بالنسبة للمعترضين ليس على نتائج الإنتخابات فقط ، بل وعلى طبيعة مسارها ايضاً كموسوي وكروبي مثلاً ...؟ لا يوجد أمام هؤلاء الذين ينطلقون من ترقيع النظام وليس تغييره ، إذ أنهم والمعممون الآخرون في خندق واحد ، كما عبر عن ذلك مرشدهم الأعلى خامنئي طالباً منهم الخلود إلى الهدوء والرضوخ للأوامر التي يفرضها هو، لا يوجد أمامهم سوى الرضوخ فعلاً لتوجيهات المرشد الأعلى والتوقف عن الإحتجاجات بكل أشكالها ، كما طلب منهم مرشدهم ذلك ، أو أنهم يضربون توجيهات خامنئي عرض الحائط ويواصلون المسيرة الإحتجاجية مع الشعب الساخط الغاضب . الحالة الأولى هي الحالة الأكثر إحتمالاً في الوقوع ، حتى وإن لم تبدو كذلك في الوقت الحاضر، وهي الحالة التي ستقود إلى الفرز الأكثر وضوحاً والذي يتحقق من خلاله أرتباط مدعي الإصلاح بنظام ولاية الفقيه إرتباطاً لا يسمح لهم بالوقوف ضد توجيهات المسؤول الأول والأخير فيه علي خامنئي . وهنا تبرز الحاجة إلى قيادات جديدة على الشارع الإيراني الذي يريد التغيير لا الترقيع ، كما عبرت عن ذلك المظاهرات المليونية التي إعتبرها جلاوزة ولاية الفقيه في الداخل وأبواقه الدعائية في الخارج بأنها تسير حسب توجيهات المعادين للإسلام وجمهوريته وأن المتظاهرين هم عملاء للإستعمار والصهيونية ، وما شابه ذلك من التوافه التي توقعنا صدورها من هكذا جهلة بوعي الشعوب والتي أتينا عليها في القسم الأول من هذا الموضوع. لقد ظل كل من كروبي وموسوي على موقفهم من الإنتخابات لحد الآن مطالبين بإلغاءها واستمرت مساندتهم للمظاهرات الجماهيرية التي لم تكترث بما طالب به المرشد الأعلى بوقف اللجوء إلى الشارع لحل الأزمة العاصفة بالبلاد ، إلا أن تطور الوضع إلى هذه الدرجة من الحدة أو تلك يتوقف على تطور شعارات الجماهير المتظاهرة التي ربطت الدكتاتورية التي تعاني منها بهذا النظام الذي يشكل كل من كروبي وموسوي وخاتمي ورفسنجاني وكل الذين يدّعون الإصلاح جزءً لا يتجزء منه .

إن المتتبع للتاريخ الحديث للشعب الإيراني يرى مدى جنوحه للسير في طريق التحرر الوطني ورفضه للدكتاتورية ومدى إستعداده للتضحية في سبيل الوصول إلى هذا الطريق. ففي اقل من ستين سنة من تاريخه نفذ هذا الشعب ثلاث ثورات عارمة هزت إثنان منها الكيان الشاهنشاهي حتى أطاحت به . الثورة الأولى التي قادها الشخصية الوطنية مصدق في أوائل خمسينات القرن الماضي والتي قمعتها المخابرات المركزية الأمريكية بالتعاون مع النظام الملكي العراقي وبقية الأنظمة المتعاونة والمتعاملة مع هذه المخابرات في المنطقة. ثم الثورة الشعبية العارمة ألأخرى عام 1979 والتي شاركت فيها كل القوى السياسية التي عانت من بطش جهاز السافاك الشاهنشاهي كالشيوعيين والليبراليين والقوى التقدمية الديمقراطية الأخرى إلى جانب الإسلاميين الذين إنفردوا بالإستيلاء على هذه الثورة الشعبية وجيروها لحسابهم بعد أن سرقوها من الشعب الإيراني . وهذه هي الثورة العارمة الثالثة التي تشكل إرهاصاتها الأولى وفي إسبوعها الأول زخماً نوعياً لا يمكن تجاهله والذي هد مضاجع حملة أفكار الظلام الثيوقراطي الدكتاتوري . فهل ان هذه الثورة سائرة إلى التغيير ايضاً ...أو أنها ستكون المجس الذي مدّه الشعب الإيراني لإكتشاف الطريق الشعبي لمواصلة هذا التحرك الجماهيري بمعزل عن أزلام النظام ممن يسمون أنفسهم بالإصلاحيين...؟ هذا ما ستفرزه الأيام القادمة من تطورات جديدة ستشهدها الساحة السياسية الإيرانية .

لقد إستمرت المظاهرات وتطور الصدام على الشارع بين المتظاهرين وأجهزة النظام الدكتاتوري الإيراني القمعية حتى بعد التهديدات التي أطلقها المرشد الأعلى في خطابه الأخير والتي أجابه عليها الشعب الإيراني بأنها لا تعدو عن كونها فقاعات جوفاء. ومع إستمرار هذا التحدي الجماهيري لتهديد ووعيد المرشد الأعلى إستمرت أيضاً الصراعات التي أخذت تشتد يوماً بعد يوم بين أقطاب ولاية الفقيه ورمي كل منهم للآخر بانتهاك قوانين الجمهورية الإسلامية وتعريض وجودها للخطر والتهديدات التي أطلقها خامنئي بمواجهة أي تحرك على الشارع بالقوة محذراً القائمين بمثل هذه التحركات بتحملهم مسؤولية ما قد يحدث ، وهو يعني بكل تأكيد مواصلة القمع الدكتاتوري ضد المعارضين لنظامه حتى وإن كانوا من أزلام هذا النظام . هذا إلى جانب الإختلاف في الموقف من الإنتخابات الرئاسية وطبيعة مسارها والنتائج التي ترتبت عليها ، كأستمرار مطالبة كروبي وموسوي بالغاءها حتى بعد أن أعلن خامنئي في خطابه الأخير تأييده لها ، واشتداد العداء العلني بين خامنئي ورفسنجاني وهما الوريثان الأساسيان لسلطة الخميني الذي وضع فيهما كل ثقته وطلب منهما التعاون من بعده، ووقوف مرجعية قم ضد التصريحات التي أدلى بها خامنئي في خطابه الأخير ووقوفه العلني إلى جانب أحمدي نجاد ، حيث أن المفروض فيه كمرشد أعلى أن يقف على الحياد على الأقل ، ثم عدم تقدم أي من الشخصيات المحسوبة على واجهة النظام بالتهنئة لأحمدي نجاد بما يقال عن فوزه في إنتخابات الرئاسة ، وحملة الإعتقالات الأخيرة التي شملت شخصيات من الجناح الإصلاحي . إن كل ذلك قد يقود في النهاية إلى سلوك سياسة ذر الرماد في العيون والقبول ببعض الترقيعات التي قد يعتبرها ما يسمى بالتيار الإصلاحي بأنها إنجازات حقق من خلالها بعض أهدافه ويعلن عن سعيه لمواصلة هذه المسيرة ضمن النظام نفسه وبذلك يكون هذا التيار قد خلع الشعب وابتعد عنه وما على الجموع الغاضبة إلا التهيؤ لمواجهات قادمة بشعارات أخرى وقيادات أكثر وعياً لطموحاتها وأكثر إستعداداً للتضحية من أجلها وأصلب موقعاً في تبني مطاليبها . وقد جاءت المظاهرات التي تلت خطاب المرشد الأعلى لتؤكد هذا المسار للثورة الشعبية الإيرانية التي وضعت النظام الدكتاتوري الثيوقراطي في وضع لا يستطيع مواجهته بما يتمشدق به من الديمقراطية أو ما سماه هو ومنظروه بالتجربة الديمقراطية الفذة فكشف عن وجهه الدكتاتوري الأسود من خلال سقوط عشرات الضحايا بسلاح عصاباته المسلحة التي لا ولن تستطيع نيران اسلحتها إيقاف هذه الهبة الجماهيرية التي جعلت القضاء على الدكتاتورية واحداً من شعاراتها الأساسية .

إن الجموع الغاضبة التي أعطت رأيها المُشكك بهذه الإنتخابات وطرحته على الشارع الإيراني بكل صراحة ووضوح مطالبة بالغاءها وإلغاء الدكتاتورية التي جاءت بها، إن هذه الجماهير سوف لن تتنازل عن هذه المطالب الشعبية التي يطمح لها كل شعب ينشد التحرر من الظلم والجور والقمع الفردي ، فما بالك بالشعب الإيراني الذي خبر مثل هذه الأنظمة القمعية وتمرس في سوح النضال الوطني التحرري وأبدى إستعداده للتضحية والفداء في سبيل تحقيق أهدافه هذه . إن شعباً إقتلع الدكتاتورية الشاهنشاهية لا يمكنه أن يستكين لدكتاتورية ثيوقراطية طال الزمن بنضاله او قصر .

 

¤ مآزق منظري ولاية الفقيه (2)
¤ مآزق منظري ولاية الفقيه (1)

 

 

free web counter