|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد 4/11/ 2012                                   د. كاظم حبيب                          كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

دراسة معمقة في حياة وأعمال ونقاد هاينريش هاينه للكاتب ماجد الخطيب

كاظم حبيب

صورة الغلاف

المؤلف: ماجد الخطيب

اسم الكتاب: هاينريش هاينه روح الشعر الألماني

إصادر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت

الطبعة الأولى 2012

عدد الصفحات: 406 صفحة

هدية جميلة وممتعة تلك التي تسلمتها من الصديق الكاتب والروائي والصحفي المميز ماجد الخطيب , كتاب جديد صدر له تحت عنوان " هاينريش هاينه روح الشعر الألماني". لقد تمتعت كثيراً بقراءة هذا الكتاب من حيث المضمون وكذلك اللغة السلسة التي كتب بها والترجمة الممتازة لشعر هاينريش هاينه غير السهل على الترجمة إلى العربية حقاً. وكانت المروءة والصداقة المتينة التي جمعت بين الكاتب والشاعر الفقيد مهدي محمد علي , أن يهدي ماجد الخطيب هذا الكتاب إلى ابن البصرة الفيحاء والشاعر المبدع الذي غاب عنا جميعاً بوقت مبكر, مات في الغربة اللعينة كالكثير من مثقفي ومثقفات شعبنا الجريح , إضافة إلى الكثير من المواطنات والمواطنين العراقيين.

تضمن هذا الكتاب الشيق تسعة فصول بضمنها المقدمة ومأساة المنصور وقصائد أخرى مترجمة.

تضمن الفصل الأول المقدمة التي كرست لمتابعة رؤية جورج لوكاتش لهاينريش هاينة, وكانت بعنوان "هاينريش هاينة بعيني جورج لوكاتش" أو [الشاعر بين"حمار بلعام" و"ثور فالارس"]. وبحث الفصل الثاني في الإشكاليات التي رافقت حياة هاينريش هاينه مما دفع بالكاتب إلى اختيار عنوانين لموضوعين في هذا الفصل هما " قلما فهمتموني ..." , و"ها قد جاء الموت .. الذي طالما خفق له قلبي". وتضمن الفصل الثالث بحثاً عن هاينه باعتباره "الشاعر المجدد", في حين بحث الفصل الرابع في العلاقة بين الشاعرين الألمانيين العملاقين "هاينه وغوتيه" وأراء كل منهما إزاء الآخر أو "صراع المواطن والنبيل في الثورة الفرنسية". وركز الفصل الخامس عن العلاقة المتميزة التي ربطت بين "هاينه والشرق". وانتقل في الصف الفصل السادس لمعالجة العلاقة بين هاينريش هاينه والفاتيكان وموقفه من الدين عموماً. أما الفصل السابع فقد توقف كثيراً عند الطبيعة التي ميزت الشاعر ووضع له العنوان التالي " الشاعر بين"انثى الشؤم" و"الأنثى الهشة". وتابع الكاتب في الفصل الثامن  " نظرية المؤامرة في موت هاينه". يضاف إلى ذلك تضمن الكتاب "مأساة المنصور" ومجموعة من أشعاره المتميزة إضافة إلى نبذة مختصرة عن حياة الشاعر وفهرست لمؤلفاته وبعض اقواله المشهورة, وكذلك نبذة قصيرة عن المؤلف ماجد الخطيب ومؤلفاته وترجماته.

من مطالعة فهرست الكتاب يستطيع القراء والقارئات تقدير الجهد الكبير المبذول في إنجاز هذه الدراسة المهمة والحيوية عن الشاعر والبحث في مختلف جوانب حياة ونشاط وشعر وعلاقات الشاعر بالمجتمع والقوى الفكرية والسياسية حينذاك والمكانة التي كان يحتلها في ألمانيا أو في الدولة التي انتقل للعيش فيها فرنسا ومن ثم مات ودفن فيها.

حين بدأت بقراءة هذا الكتاب لم أتوقف عن القراءة حتى انتهيت من الفصل الثامن , ثم توقفت عند مأساة المنصور , إذ إنها تراجيديا متميزة ورائعة تستوجب القراءة المتمعنة للتعرف على صراعات تلك الفترة في أسبانيا وموقف الشاعر من أحداثها ومن القوى المتصارعة فيها. شعرت وأنا أقرأ الكتاب بمتعة كبيرة فالكاتب والصحفي والروائي استخدم لغة أدبية رفيعة وأسلوب بحثي متماسك وقدرة صحفية على تطويع اللغة لصالح تسهيل القراءة وتكثيف المادة وبرؤية تقدمية وبحث ديمقراطي ناضجين.

استخدم ماجد الخطيب في إنجاز كتابه عن هاينريش هاينه خمسة أصوات في هذا الكتاب ومتطلعاً لصوت سادس هو صوت القارئات والقراء ليكون كل منهم رأيه الخاص في شعر وحياة هاينريش هاينه وفي مواقف نقاده وفي الكتاب الذي أنجزه الخطيب. اعتمد الكاتب هنا صوت هاينريش هاينه حين كان يتحدث عن نفسه أو عن غيره وعن مراراته من الحياة ومن العيش مع الآلام وعن رغبته في الموت , أو عن أفكاره وعن علاقته المرهقة بزوجته وعلاقاته الأخرى وتطلعاته وقلقه الشديد على المانيا وعن موقفه من يهوديته أو من الديانات كافة. ثم وضعنا الكاتب في مواجهة صوت النقاد الكارهين لهاينريش هاينه والحاقدين عليه , سواء أكان ذلك الكره بسبب ثوريته وتقدميته وكرهه للحرب والعنف وصداقته مع اليساريين في تلك المرحلة من تاريخ المانيا وفرنسا وبريطانيا , أم كان بسبب رفضه للفكر المحافظ والرجعي وإدانته للرأسمالية والاستغلال , أم بسبب ولادته في عائلة يهودية فقيرة , أم بسبب فقره وشظف عيشه , حيث قال عنه غوتيه "لو أن هاينه توقف عن التصرف كـ "ابن شوارع" لكان أكبر شاعر عرفته"! (ص 108). بعدها قدم لنا الكاتب صوت النقاد الذين عشقوا شعر هاينريش هاينه وتوافقوا مع مواقفه الثورية وشاعريته الكبيرة فوصفه بعضهم بأنه "يقف بين شاعري ألمانيا الكبيرين غوته وشيلر", وهو موقع عظيم وصائب لشاعر كبير مثل هاينه. ثم كان الصوت الرابع الغاضب لطاغية الإمبراطورية الروسية, الأمير والكونت كليمنس فينزل ميترنيش (15 مايو 1773 - 11 يونيو 1859) , مستشار الدولة البروسية حينذاك, المعبر عن أكثر القوى المحافظة رجعية والممثل الشرعي لها وفي فترة قفزة التطور الصناعي في ألمانيا وأوروبا عموماً , الذي طارد الشاعر الكبير هاينريش هاينه بسبب مواقفه الثابتة والجريئة من الظلم والطغيان وانتقاده للمستبدين حتى يشك في كون الطاغية قد أرسل جواسيسه لاغتيال الشاعر بدس الرصاص في الشراب الذي يتناوله الشاعر والذي كشف عن وجود مادة الرصاص بنسبة عالية حين تم فحص شعرة من رأس الشاعر. ولم يقتصر الفحص المختبري على جهة واحدة بل أكدته جهات أخرى مستقلة أجرت الفحص ايضاً. وأخيراً كان الصوت الخامس, صوت الكاتب ماجد الخطيب, الذي تابع بدأب وعناية كبيرة كتابات النقاد والكثير من الدراسات والأبحاث التي صدرت عن هاينريش هاينه وحياته وشعره ساعياً لا إلى استعراضها فحسب , بل وإلى إبداء رأيه الخاص بشأنها وبالشاعر وشعره. كما أعطى فسحة مناسبة للقراء ليدلوا بدلوهم ويكونوا رأيهم المستقل بهذا الشاعر العظيم الذي توفى بعد أن أقعده المرض عن عمر ناهز التاسعة والخمسين.

إن تنوع وتعدد فصول الكتاب توضح إلى إن المؤلف ماجد الخطيب قد تتبع بجهد كبير حياة هاينريش هاينه منذ الولادة مروراً بمرحلة الشباب والدراسة والحياة الزوجية ومن ثم الشيخوخة المبكرة والمرض الذي ألم به طوال سنوات من جهة , والأعمال الشعرية والنثرية من جهة أخرى , ووضع يده على الملامح الأساسية لشخصية وشاعرية هاينريش هاينه وشعره ودوره في العصر الذي ولد فيه وموقفه المبدئية من اتجاهات التطور في ذلك العصر.

لقد كان الشاعر صارماً في نقده للرجعية والارستقراطية الألمانية والأوروبية وهلي التي جلبت عليه الكثير من المشكلات بما فيها ترك المانيا والهجرة إلى فرنسا التي تجلت بوضوح في سلسلة المقالات التي كان يكتبها من باريس ويرسلها إلى الجريدة الألمانية "الگماینه تسایتونگ" للنشر التي وجدت رواجاً واسعاً وتأييداً من جانب المجتمع الألماني , إذ كان توجه النقد الصارم والكشف عن المشكلات التي يعاني منها المجتمع الألماني حينذاك وعن الحراك الثوری في تلك الفترة من حياة الشعب الألماني. (ص 204). وقد وجد الناشر نفسه عاجزاً عن نشر مقالات هاينه الثورية بسبب التهديد الذي بلغه بغلق الجريدة.   

لم يكن هاينريش هاينه مراقباً لما يجري في المانيا من تناقضات فحسب , بل كان ساعياً إلى بلورة الأجواء التي كانت تنشأ فيها تلك التناقضات من جهة وإلى تبيان العوامل الكامنة وراء ذلك وإلى نقدها أيضاً , كما عبر عن ذلك بطريقة ما لوكاتش. (ص 14/15)  ويمكن أن نقرأ ذلك في الأبيات التالية: (ص 15).

تغفو الغابة، والنهر ينام بإطمئنان،

مغرق بضوء القمر الناعم؛

يعلو فجأة أزيز. هل كانت رصاصة؟

ربما أنه صديق أُعِدم؟

لقد وقف الشاعر بكل ثقله الفني إلى جانب قوى اليسار والتقدم , ولكنه لم ينتم إلى حزب سياسي معين. كان صديقاً لكارل ماركس وزوجته ولعدد كبير من اليساريين الألمان والفرنسيين.

كان هاينريش هاينه ساخراً ومعبراً بعمق ومسؤولية عن الأوضاع البائسة التي عاش تحت وطأتها الشعب الألماني والشعوب الأوروبية والتي تجلت في قصيدته عن "الملوك الثلاثة المقدسون" والتي كان يقصد فيها مستشار ألمانيا وإمبراطور النمسا وقيصر روسيا (ص 208-211).

وسخرية الشاعر تبدو ماثلة للعيان في الكثير من قصائده الرائعة. وهو قادر على ممارسة السخرية حتى في أحلك فترات عمره ومعاناته من مرضه , كما يشير إلى ذلك ماجد الخطيب , إذ أورد قول الشاعر لطبيبه المعالج ما يلي: " دكتور, أنت عليم بالأعصاب عموماً, لكن أعصابي ذات طبيعة مؤلمة وفريدة, إلى حد أني مقتنع بأنها يمكن أن تنال الميدالية الذهبية للألم والتعاسة". (ص 57).

 وتبدو رقة الشاعر وحبه لوطنه , ألمانيا , والمعاناة من هجرة قسرية لهذا الوطن الحبيب والعيش في الغربة , فرنسا , في القصيدة الرائعة التالية: (ص 141/142)

وهكذا غادرنا بساتين الوطن,

وأمعنَّا السير لا نحن على عجل, ولا نحن مبطئين.

كأن أذرعاً لا مرئية

وصوتاً محبباً يذوب عذوبة يشدنا إلى الوراء

وإلى الأمام يدفعنا, في الوقت ذاته,

عويل ذئاب.

ومثل آخر قبلة وداع من أم حنون,

استنشقنا, حتى الثمالة, شذى الآس الاسباني

وعبق غابات الليمون,

وبينما حفت بنا الشجيرات متفجعة,

هبت بنحيب رقيق حولنا النسمات,

رفرفت العصافير حزينة فوقنا,

نحن المرتحلون الصمتى,

بتحية وداع. 

ويبدو إن الشاعر قد عاني الأمرين من زوجته, هذه المرأة الفرنسية الشابة اللعوب والمزاجية وذات طموح كبير للصعود إلى مصاف الارستقراطية الفرنسية , وهي بالضد من طبيعة ومزاج وحياة هاينريش هاينه. لقد عاش صراعاً مريراً بين عشقه هذه المرأة الحسناء التي تعرف عليها في أحد أزقة باريس ثم تزوجها , وبين سلوكها المرهق للأعصاب. لقد عاش بين مدينتي لا ونعم على حد قول الشاعر الروسي أفتوشنكو.

لقد لعبت زوجته دوراً كبيراً في عزلته الشديدة عن أقرب اصدقائه بسبب كرهها لهم وسعيها لإهانتهم لكي ينقطعوا عنه. وفي هذا الصدد كتب ماجد الخطيب عن موقف كارل ماركس من وفاة صديقه هاينريش هاينه ما يلي: " زعق كارل ماركس، حينما بلغه نبأ وفاة صديقه الشاعر هاينريش هاينه، " قتلته هذه المرأة"، وكان يعني ماتيلده زوجة هاينه" (ص 198). وفي قصيدة له يعبر هاينريش هاينه عن حياته الزوجية وعذاباته الشخصية تحت عنوان العالم السفلي نقتطف منها ما يلي :

فقط لو أنني عازباً بقيت!

يطلق بلوتو ألف حسرة-

الآن، في عذاباتي الزوجية،

لا أجد الجحيم، فيما مضى,

دون زوجة، جحيماً.

فقط لو أنني عازباً بقيت!

مذْ حظيت ببروسربينا

أتمنى لو يضمنى القبر يومياً! حين تلعن وتزمجر، لا أكاد أسمع

حتى نباح كلبي سيريبروس

.... (ص 74-75)   

لقد أصيب الشاعر في السنوات الأخيرة من حياته في باريس بالحزن واليأس الشديدين. ويرى الباحثون ثلاثة عوامل كامنة وراء ذلك هو تعدد الأمراض التي كان يعاني منها والآلام المبرحة التي فرضت عليه استعمال المورفين , ثم فشل الثورات وتراجع الحركة الثورية حينذاك بما فيها ثورة 1848 في ألمانيا والسلوك المضني لزوجته اللعوب. وقد دفع هذا الواقع الشاعر إلى تمني الموت بسرعة رغم حب الشاعر للحب والحياة. نقرأ هذه الرغبة في مغادرة الحياة في الأبيات التالية: (ص 58)

ها قد جاء الموت,

وسأقول الآن ما منعتني كرامتي

عن قوله منذ الأزل: له, له فقط

يهفو قلبي.

لا بد أن أشير هنا إلى إن صدور هذا الكتاب في هذا الوقت بالذات له دلالة خاصة وكبيرة , وخاصة بصدد ما عانته الغالبية العظمى من مثقفات ومثقفي العراق في العقود التي حكم فيها البعث والدكتاتور صدام حسين البلاد , وما تعانيه هذه الغالبية ايضاً في هذه الفترة التي تسمى بالعراق الجديد من سياسات الحكومة العراقية ورئيس الوزراء البائسة والمضادة للثقافة والحياة الثقافية الحرة والديمقراطية والأوضاع المرهقة التي تواجه اتحاد الأدباء والكتاب بسبب مناهضة رئيس الحكومة وأجهزة الأمن لهذا الاتحاد ونشاطه عملياً. 

لقد حاولت بهذه المقالة القصيرة أن أجلب انتباه قارئات وقراء العربية إلى هذا الكتاب المهم الذي يقدم لنا واحداً من ثلاثة أعظم شعراء المانيا في القرن التاسع عشر وما بعده.

 

 

 


 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter