|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  22 / 6 / 2014                                 د. كاظم حبيب                          كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 


 

من أجل دحر قوى الإرهاب والطائفية السياسية المستباح بهما العراق

كاظم حبيب

ليس العراق وحده من يواجه قوى الإرهاب والطائفية السياسية فكلاهما نتاج عقلية واحدة، عقلية الإقصاء والإفناء والتمييز، عقلية التسلط والعنف والقسوة، عقلية "أنا" و "الآخر", أنا الصحيح والأخر على خطأ. ومن لا يسير على وفق مذهبي ويتخلى عن مذهبه الخطأ فمصيره الموت على أيدي أصحاب "الحق!". وتتغير الأسماء والعناوين والأشخاص والأماكن والأزمان، ولكنها تبقى القضية واحدة لا غير. إنها عقدة العقيدة الجامدة والإيمان الخاطئ والرؤية النمطية (Stereotype ( القاصرة عن رؤية التنوع في هذه الحياة وروعة هذا التنوع. إنها الذهنية المغالية في التمييز وفي الكراهية والحقد. فمن ليس معي فهو ضدي وينبغي أن ينتهي. هذه هي الفلسفة التي تؤمن بها قوى التسلط والعدوان، وهي ليست جديدة ولم تقتصر على الفكر الإسلامي، بل مارسها أتباع الكثير من الديانات في فترات مختلفة، كما تجلت في ذهنية وسلوك رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم جورج دبليو بوش الابن.

وإذا كان العراق قد اغتنى بالديانات والمذاهب الدينية والفكرية العديدة، إسلامية وغير إسلامية، دينية وغير دينية، فإنه قد ابتلى أيضاً بالسلفيين والمتشددين منهم ونجدهم في جميع الديانات والمذاهب الدينية والفكرية دون استثناء، والكثير من أتباع كل مذهب في الإسلام مثلاً، وهذا هو الواقع الجاري، يدعي أنه على حق وغيره على باطل ويتكئ على ما نسب لنبي المسلمين محمد بن عبد الله، قوله: "روى الترمذي عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيَأْتِيَنّ عَلَى أُمّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النّعْلِ بِالنّعْلِ حَتّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمّهُ عَلاَنِيَةً لَكَانَ فِي أُمّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلّةً كُلّهُمْ فِي النّارِ إِلاّ مِلّةً وَاحِدَةً، قَالَ ومَنْ هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي". أن ترويج مثل هذا الادعاء والحديث الضعيف هو جزء من تلك الأفكار الخاطئة التي تنسب خطأ إلى النبي محمد والتي تساعد على تأجيج الصراع الطائفي بذريعة كلهم على خطأ إلا نحن أصحاب هذا المذهب أو ذاك. وبهذا ينطبق عليهم بيت الشعر المنسوب للمتنبي قوله :

كلٌ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقرُ لهم بذاكا

نحن أمام مرحلة خطيرة جداً في منطقة الشرق الأوسط. فقوى الإسلام السياسية الإرهابية الشرسة التي أسستها بشكل خاص الدول الثلاث، الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية وباكستان، فكراً وسياسة وتمويلاً وكادراً وجماعات، لمواجهة الاتحاد السوفييتي بأفغانستان، قد أصبحت اليوم تهدد الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط والكثير من الدول الأفريقية وهي قابلة للاتساع وممارسة كل أشكال العنف والقسوة بغض النظر عن قدرتها في الوصول إلى السلطة أم في تنفيذ أوامر القتل لمن لا يكون معها. إنها الجريمة الكبرى التي خططت لها ونفذتها تلك الدول الثلاث والتي نقلت فعل هذه القوى إلى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا والتي تعاني منها اليوم شعوب هذه الدول بعد أن أبعدتها عن دولها الغربية منذ أن قررت الحرب ضد أفغانستان والعراق بين 2001 و2003، أي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وكان هذا الهدف أحد أهم العوامل في خوضين الحربين بأفغانستان والعراق، وليس تحرير العراق من ظلم وجور الدكتاتورية البعثية.

إن الفكر المتطرف والتوسعي والتصديري لم يقتصر على الجماعات الوهابية المنحدرة من أصل مذهبي حنبلي متشدد، بل شمل وانطلق من الفكر الشيعي السائد بإيران، إذ سعت هذه الدولة الإيرانية الإسلامية الشيعية بكل قوة وجموح إلى تصدير المذهب الشيعي إلى مناطق أخرى من العالم وتسببت بصراعات إضافية جديدة وعواقب وخيمة على تلك الدول. وبعد سقوط الدكتاتورية الغاشمة بالعراق برزت الميليشيات الشيعية المتطرفة مثل منظمة بدر وميليشيات جيش المهدي وعصائب أهل الحق وحزب الله بجوار ميليشيات سنية متطرفة مثل تنظيم القاعدة وأنصار السنة وهيئة علماء المسلمين التي شكلت ميليشياتها الخاصة والتحمت بتنظيمات البعثيين العسكرية من جهاز الأمن العراقي السابق، إضافة إلى تنظيمات وميليشيات داعش الجديدة، وكذلك القوى الإرهابية البعثية والقومية اليمينية المتطرفة المتداخلة والمتشابكة مع الميليشيات السنية المتطرفة والمسلحة.

إن الخطر الداهم الذي يواجه الشعب العراقي كله يبرز في وجود ميليشيات مسلحة خارج إطار الدستور والقوانين العراقية والقوات المسلحة العراقية، أياً كانت هويتها الفكرية والسياسية والدينية والمذهبية، فهي التي تهدد الأمن والاستقرار والسلام بالعراق. واليوم نواجه داعش وهي تهدد الشعب العراقي بكل مكوناته الدينية والمذهبية من شيعية وسنية ومسيحية ومندائية وإيزيدية وبهائية وكاكائية وأهل الحق الشبك وزرادشتية وغيرهم، كما إنها تعتبر تهديداً للعرب والكرد والتركمان والكلد أشور والفرس أيضاً. ولكن لا يعني غياب الدور الخطير للمليشيات الشيعية المسلحة مثل عصائب أهل الحق وبدر وميليشيات جيش المهدي التي تتميز كلها بالعنف والقسوة والجور والإرهاب والاستعداد للقتل.

إن الخطر المباشر الذي يواجه العراق كدولة وكشعب يأتي اليوم من تلك الجماعات المسلحة التي اجتاحت الموصل وتلعفر وبيجي وبعض مناطق ديالى ومناطق أخرى من محافظتي نينوى وكركوك وقبل ذاك الفلوجة وصلاح الدين والرمادي والتي تحاول خلط الأوراق مع أبناء وبنات العراق من السنة ومن ذوي المطالب العادلة. إن الدعوة لمساندة الجيش العراقي تأتي من الحرص على مواجهة هذه القوى الشريرة التي تستهدف الجميع دون استثناء، ولكننا لم ولن ننسى العوامل التي تسببت بهذه الكوارث المتلاحقة رغم التحذيرات التي انطلقت منذ سنوات. ولكن قوى النظام الطائفية لم تستمع إلى صوت العقل والعقلاء، بل استمعت إلى أصوات وعاظ السلاطين الذين سبحوا بحمد السلطان الفاشل في بناء الدولة العراقية وتوفير الخدمات للشعب العراقي والذي تنكر بالكامل للهوية والعقيدة الوطنية العراقية والتزم بالمطلق بالهوية الطائفية القاتلة وتعاون بمن يلتزم مثله بها. إن مثل هذا الرجل لم يعد يصلح لقيادة البلاد، بل مكانه القضاء العراقي ومحاسبته على ما جناه على العراق. وكم كان الأستاذ المحامي رحيم العگيلي صادقاً وصائباً حين قدم لائحة اتهامات طويلة وخطيرة ضد رئيس وزراء العراق نوري المالكي التي أؤيدها وأضع توقيعي تحتها أيضاً.

إن الدعوة إلى مصادقة القضاء العراقي على نتائج الانتخابات وبسرعة أصبحت ملحة جداً من أجل عقد جلسة المجلس واختيار رئيس وزراء جديد وتشكيلة وزارية جديدة لا تخضع، رغم طبيعة وبنية المجلس النيابي، لتقاسم السلطة على أساس المحاصصة الطائفية بل تأتي بحكومة وطنية لتنقذ العراق من حالته المأساوية الراهنة وتعيد ترتيب الأمور بالعراق على أسس المواطنة وبعلاقات جديدة مع المواطن والمواطنة ومع الإقليم ومع المحافظات ومع المجتمع كله وبعيداً عن الشحن الطائفي الراهن. إنها مهمة عسيرة ولكنها الوحيدة القادرة على إنقاذ العراق من محنته الكبرى الراهنة ومن مخاطر الموت المتفاقم لأبناء وبنات الشعب العراقي ومن مخاطر تفاقم العدوانية في صفوف المجتمع نتيجة سلوكية العنف والقسوة والقتل التي تمارس اليوم بالبلاد. إن العراق لا يمكن أن يعتمد على العامل العسكري في إنهاء استباحة أرض وشعب العراق، بل العراق بحاجة إلى نهج جديد وسياسة جديدة وشخصيات أخرى غير التي ساهمت بتمزيق العراق وإيصاله على هذا الواقع المرير والمخزي الذي نعيش فيه. إن العبور على هذه المسألة لن يجدي نفعاً ولن يعالج المشكلة من جذرها حتى لو طرد الداعشيون والبعثيون المسلحون وغيرهما من العراق.

إن وحدة المجتمع والعودة إلى الصفاء العراقي ضروري لهذا اليوم وفي المستقبل، ويتحمل مثقفو ومثقفات البلاد من مختلف الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية السليمة والفئات الاجتماعية مهمة أن يكونوا القدوة في نبذ الطائفية السياسية وشجبها وإدانتها وإدانة ممارسات الطائفيين السياسيين دون استثناء. عليهم أن لا يتلوثوا بها, إذ بغير ذلك سيكون عراق اليوم في مهب الريح حقاً.

ويقع على عاتق القوى المستقلة والديمقراطية والأمينة لشعبها أن ترفع راية التغيير لإقناع من اندفع من أبناء وبنات السنة لتأييد داعش والبعث المسلح تحت وطأة ما عاشه من ظلم أو اضطهاد أو شعور بأنه مواطن من الدرجة الثانية وأنه لا يشارك في الحكم، أن يستعيد ثقته لا بنفسه فحسب بل وببقية الموطنات والمواطنين من أتباع المذهب الشيعي. إن الكارثة قد حصلت بالعراق وما يمكن أن يحصل أمرّ وأقسى ما لم تؤخذ المبادرة لإجبار من ركب رأسه في أن يعيد النظر بحساباته ويبتعد عن السلطة ويتسلمها فريق جديد يكون بمقدوره إعادة ثقة الناس، كل الناس العراقيين، بالدولة والحكم بالعراق. وبغير ذلك سوف لن يكون الحل سوى ضحك على الذقون.


22/6/2014





 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter