|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين 21/1/ 2013                                   د. كاظم حبيب                          كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

محنة الشعب والسجناء في نظام المحاصصة والقهر السياسي بالعراق

كاظم حبيب

كل ما أشار إليه السيد القاضي منير حداد حول أوضاع السجون والتعذيب والرشوة والتغيير الديموغرافي لمناطق في بغداد وغيرها كان معروفاً لمن يعمل في السياسة ويعرف طبيعة النظام السياسي المحاصصي في البلاد, إضافة إلى معرفته بمضمون الإيديولوجية القهرية التي يحملها الحكام الحاليون الطائفيون والعنفيون. ولكن الجديد بالأمر هو صدور هذه المعلومات عن شخصية حقوقية كبيرة في الجهاز القضائي للدولة العراقية ونائب رئيس محكمة التمييز الجنائية والحاكم الذي أصدر قرار الحكم بإعدام المجرم صدام حسين. وهذا يعني إن الرجل من أتباع النظام المحاصصي القائم حالياً في البلاد, ولكن ضميره الحقوقي أجبره على قول الحقيقة المؤكدة في السجون العراقية وفي المجتمع العراقي وما يتعرض له أتباع المذهب السني في البلاد وكأنه انتقام لما عانى منه أتباع المذهب الشيعي في البلاد وكأن السنة هم المسؤولون عن جرائم صدام حسين والبعث والحكم الدكتاتوري. وهي مسألة ليست خطيرة فحسب, بل ومشينة أيضاً, لأنها تريد تعبئة المواطنات والمواطنين من أتباع المذهب الشيعي ضد المواطنات والمواطنين من أتباع المذهب السني في البلاد. وهي محاولة يعاد إنتاجها وتوسيع قاعدتها سننة بعد أخرى منذ تسعة أعوام وحققت للأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية اصطفافاً واستقطاباً مؤلماً أعلى الأصوات في الانتخابات العامة وانتخابات مجالس المحافظات.

ماذا يجري في سجون العراق؟ يقول القاضي منير حداد بأنه حذر رئيس مجلس القضاء الأعلى مدحت المحمود من " «عدم اتخاذ إجراءات رادعة لوقف الجرائم التي ترتكب في السجون العراقية»، معتبراً أنها «جرائم ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي». وقال حداد الذي كان عضواً في المحكمة الجنائية التي حاكمت الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إن السنة العرب يتعرضون لظلم يفوق ما تعرض له الشيعة في ظل نظام (الرئيس السابق) صدام حسين". وأضاف في حديث إلى «الحياة» أن «السجناء يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل والقتل من جراء التعذيب». وأضاف، «أنا شاهد على بعض تلك الجرائم ولدي الكثير من الأدلة والمعلومات التي بعثتها إلى السيد رئيس الوزراء (نوري المالكي)، وقام هو بدوره في التحقيق فيها». (راجع: عدي حاتم, جريدة الحياة, السبت 19/1/2013).

والسؤال الملح الذي يطرحه ويطالب به الشعب بإلحاح هو: ماذا جرى بعد التحقيق الذي أجراه رئيس الوزراء؟ كل المعلومات المتوفرة تشير الى إن التعذيب قد تواصل دون انقطاع أو تخفيف أو إيقاف. بمعنى إن رئيس الوزراء كان يعرف به ويؤيده لأن التعذيب جزء من إيديولوجية حزب الدعوة ورئيس الوزراء, وكان التحقيق دون نتائج ذراً للرماد في العيون.

ولكن ما كان الناس في العراق يعرفونه ويتعرضون له أكده اليوم القاضي منير حداد لمراسل الحياة ببغداد, إذ كتب المراسل السيد عدي حاتم ما يلي:

انتقد بشدة إصدار بعض القضاة أوامر اعتقال بالاستناد إلى معلومات يدلي بها «المخبر السري»، معتبراً أن «معظم المعلومات عارية عن الصحة وهناك معتقلون منذ عام 2005 أي مضى عليهم اكثر من 7سنوات، تم اعتقالهم بناء على معلومات قدمها مخبرون سريون ولا أدلة أو اعترافات ضدهم».

وشبه حداد «المخبر السري» بـ «البعثيين في النظام السابق الذين يكتبون تقارير كيدية ضد المواطنين أملاً بتحقيق مكاسب مادية أو حظوة لدى السلطة، وأنا اجزم بأن غالبية المخبرين السريين من نوعية هؤلاء». وأكد أن «القضاء العراقي للأسف يعتمد الاعترافات التي غالبيتها منزوعة بالإكراه، ما أدى إلى أن يكون معظم المعتقلين من الأبرياء أما المجرمون الحقيقيون فهم خارج السجن يقتلون ويفجرون ولا رادع لهم».

وعن عدم إطلاق من تنتهي أحكامهم واكتشاف الآلاف منهم بفضل لجنة شكلها مجس الوزراء مطلع الشهر الجاري، قال حداد إن «المعتقل حتى لو أنهى محكوميته لا يخرج من السجن إلا بعد أن يدفع أموالاً طائلة إلى المسؤولين عن السجون والمعتقلات»، مؤكداً أن «بعض الناس لا سيما العرب السنة اضطروا إلى بيع بيوتهم وأراضيهم وما يملكون لتبرئة أولادهم أو إخراجهم من السجون". (راجع: المصدر السابق نفسه).

هل كل هذا يجري ولا يعرف به رئيس الوزراء العراقي المسؤول عن حماية الشعب؟ هل كل هذا يقع ويدعي رئيس الوزراء إن التقارير الصحفية وتقارير المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان مبالغ بها؟ وهل إن القاضي منير حداد هو الآخر يبالغ بالأمر أم إن الرائحة النتنة والعفنة قد بلغت عنان السماء وهي القمة التي لم يعد ممكناً السكوت عنه أو إخفائها.

ولكن الشيء الآخر المرير الذي أشار إليه القاضي السيد منير حداد وتحدث عن السر المكشوف للناس ببغداد حين كتب مراسل الحياة عنه ما يلي: "وكشف حداد أن «الجرائم لا تقف عند هذا الحد بل إن هناك مخططاً للتغيير الديموغرافي شمل مناطق محيط بغداد، لاسيما في التاجي وأبو غريب من خلال إجبار بعض العائلات على ترك منازلها ومناطقها". (راجع: المصدر السابق نفسه). ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني إن الحكومة العراقية التي يرأسها حزب شيعي وتحالف شيعة أهل البيت في التحالف الوطني العراقي والأجهزة الحكومية المسيرة من قبلها تمارس إحلال عائلات شيعية في مكان العائلات السنية المهجرة بأساليب مختلفة من مناطق سكناها. وهي جريمة أخرى لا تختلف عن جرائم التغيير الديموغرافي التي ارتكبها صدام حسين ضد الشعب الكردي في العديد من المدن الكردية, إضافة إلى ما ارتكبه ضد الكرد الفيلية.

نحن أمام نظام سياسي محاصصي قمعي وأمام مؤسسة قضائية خاضعة لإرادة السلطة التنفيذية, وهذا لا يعني أن جميع القضاة سيئون أو مرتشون أو خاضعون, ولكن كمؤسسة خاضعة لإرادة الحاكم الفرد, وهي تقترب تدريجاً من الحالة السابقة التي عانى الشعب العراقي تحت وطأتها.

إن مطالبة الشعب بالتغيير لا تقتصر على المواطنات والمواطنين من أتباع المذهب السني , بل تشمل جميع الموطنات والمواطنين ممن يدركون العواقب الوخيمة لهذه السياسة غير الإنسانية التي تمارس في العراق في الوقت الحاضر.

إن المطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين وإيقاف عمليات التعذيب الشرسة وإيقاف السيطرة على بيوت العائلات السنية وبيعها لعائلات شيعية هو مطلب آني وملح وضروري ولا يمكن تجاوزه, وإن استمراره يقود الى مزيد من تمزيق النسيج الوطني للشعب العراقي.

إن الإدانة غير كافية بل المطالبة بالتغيير وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة وتحت إدارة حكومة انتقالية حيادية ضرورة ملحة ايضاً. 

 

20/1/2013            
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter