|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  6  / 6 / 2016                           د. حسن البياتي                        كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



(حكاية اسطورية من شبه جزيرة القرم)

نقلها من اللغة الروسية وقدم لها:
أ.د. حسن البياتي
(موقع الناس)

مقدمة المترجم:

هذا كتاب، يقع في (246) صفحة من القطع الصغير. صدر في مدينة سيمفيروپل سنة 1961، عن دار القرم للطباعة والنشر، تحت عنوان (أساطير القرم).

يضم الكتاب بين دفتيه أربعاً وثلاثين حكاية أسطورية من شبه جزيرة القرم. وقد حافظت في النسخة العربية المترجمة عنها على التسلل نفسه، الذي رتبت فيه الحكايات بلغتها الروسية - الأم.

والحكايات كلها مجهولة المؤلف (عدا واحدة منها كتبها الأديب الروسي – السوفيتي الكبير مكسيم گوركي) فهي من الموروث الشعبي الذي تناقلته ألسنة الناس وشفاههم جيلاً بعد جيل ثم دونته أقلام المهتمين بجمع التراث الفلوكلوري وتسجيله ونشره.

تتسم هذه الحكايات الاسطورية بالجمالية الفنية وبالبساطة والعفوية وباحتوائها كثيراً من عناصر الفانتازيا. ويسمو عدد منها بالتحليق في أجواء شعرية أخاذة، وفي مقدمتها أسطورة (أوكسانا) وحكايات أسطورية أخرى منها (جانيكه الكيرك- أورية) و (عائشة الأبية) و (حورية البحر ونافورة آرزا) و (الصخرتان – الأم وابنتها) و (نافورة الدموع) و (حكاية البحيرات العلاجية) وغيرها... ولم أبخس هذا الجانب الإبداعي حقه إذ بذلت جهدي، بما أوتيت – أنا الآخر - من روح شاعرية أن أحلق بالنص الروسي تحليقاً يستحقه في النص العربي. وزدت على ذلك أنني نظمت شعراً بعض ماجاء منظوماً في النص الروسي من ذلك مثلاً أغنية بكائية وردت باللغة الأوكرايينية على لسان إحدى السبايا فصغتها شعراً بعد تحويلها الى اللغة الروسية، كما في اسطورة (الخالدون الثلاثة عشر).

ويُغرق قسم آخر من هذه الحكايات في المبالغة حدَّ الإفراط واللامعقول، لكننا حين نتمثل أجواءها الأسطورية يتحول اللامعقول لدينا الى المرحَّب المقبول... من ذلك مثلاً (حكاية الجبل – الدب) و(حكاية ينبوع أي – پيتري) و (صخرتا گورزوف التوأم) وغيرها. ولا غرابة في ذلك اذ ان أساطير الشعوب جميعها تنطوي على مثل هذه المبالغات المحلقة، المستحبة.

وقد حاولت أن أحافظ على الأسلوب الذي وردت فيه الأساطير في لغتها الأصلية (الروسية)، إلا اذا كان ذلك يتعارض وطبيعة اسلوب الكتابة باللغة العربية.

تضم الحكايات بين أبطالها سحرة وساحرات وقوى خارقة... غير أن البطل الرئيس فيها هو الشعب، ببسالته وتفانيه، ببساطته وطيبته، بنبله وسخائه وأمانته، وبإخلاصه في حبه وطنه الغالي...

وتعتمد الحكايات الأسطورية هذه، في خلقها وإبداعها، على ظواهر ومشاهد مادية ملموسة، منها ما هو طبيعي كالجبال والتلال والصخور، والبحار والانهار والبحيرات والآبار والغدران والينابيع، والغابات والرياض والأشجار، والنجوم والأقمار... ومنها ما هو غير طبيعي، أي من صنع البشر، كالمدن والقرى، والقلاع والحصون والأبراج والقصور، والأضرحة والأنصاب، والأحواض والنافورات، والسفن والمراسي والمرافئ...، فضلاً عن شتى صنوف البشر والمخلوقات الأخرى.

ومن هنا نجد أن كل واحدة من هذه الحكايات الأسطورية تتصدرها لوحة فنية منتزعة من مكان وجودها، تنطلق منها الحكاية الشعبية الخالدة، التي نأنس بها ونبهج لما تتركه في نفوسنا من آثار المتعة الفنية الخلابة والهزة الجمالية الأخاذة فضلاً عما تحمله من حكم وعظات اخلاقية ارشادية.

ومما يجدر ذكره هو ان طبيعة شبه جزيرة القرم الرائعة، تاريخها المأساوي عبر العديد من القرون، الذي تشابكت فيه مسالك الكثير من شعوب المنطقة وقبائلها، وانعكس فيه النضال البطولي ضد الغزاة والمحتلين الأجانب... إن هذا كله لم يكن قادراً إلا أن يجلب انتباه واهتمام الكتاب والشعراء والفنانين... حيث انعكست لوحات القرم الطبيعية بشمسها المشرقة ومناظرها الخلابة وحياة ناسها في بعض آثار كل من ألكسندر پوشكِن وليڤ تولستوي وليسا أوكرائينكا ومكسيم گوركي وڤلاديمير ماياكوڤسكي وكثيرين غيرهم. ولعل من المفيد أنْ نذكر هنا أنّ (نافورة الدموع) التي هي واحدة من الآثار الرائعة في فن العمارة، الماثلة حتى أيامنا هذه، قد نالت إعجاب الشاعر الكسندر پوشكِن فأوحت اليه أن يكتب مطولته الشعرية (پوئيما) التي تحمل عنوان (نافورة باخچي سراي).

تنطوي هذه الحكايات الأسطورية، في مجملها، على عامل الصراع بين الخير والشر متمثلاً بالأشخاص والأحداث ومظاهر الطبيعة المختلفة. وغالباًما ينتصر عنصر الخير فتنفرج الأزمة ويبتهج الخيّرون. وحين يتغلب عنصر الشر نجد أن ثمة مَن أو ما يندفع منتصراً لعنصر الخير المهزوم، فمن الأشخاص نستطيع أن نذكر ذلك الحكيم القادم من بلاد المشرق الذي تصدى للمرأتين القاسيتين في أسطورة (الجبل ذو الهدهدين - أوپوك) و السائح الروسي الذي تصدى للتاجر اللئيم في أسطورة (الحصن الطويل). وغالباًما نجد أن عناصر الطبيعة تصب فورة غضبها على رأس الظالمين فتمسخهم صخوراً تمثل هيئاتهم: يهيج البحر وتتلاطم أمواجه، وتهتز الجبال رامية صخورها الجلمودية، وتزلزل الأرض زلزالها... كل ذلك انتقاماً من الظالم وانتصاراً للمظلوم.

وللعنصر النسائي حضور بارز في أغلب الحكايات الأسطورية هذه بصور ومظاهر شتى معظمها إيجابي، فهناك (أوكسانا) الفائقة الجمال والغنية بعطائها؛ وهناك (عائشة الأبية) التي لم تتنازل حتى لمن أحبه قلبها وهناك (جانيكه) التي أنقذت قومها من العطش الذي فرضه محتكرو المياه و (گيكييا) التي ضحت بزوجها الغادر، دفاعاً عن مدينتها وقومها...

ومن جانب آخر، نجد أن مصير كثير من الفتيات الروسيات والقوقازيات الجميلات كان ينتهي بهن الى أن يصبحن حريماً في قصور خانات التتر أو سلاطين وبيگات الأتراك نتيجة لما كان يقوم به قراصنة تجارة الرقيق أو لوقوعهن سبايا نتيجة لغارات القطعان التترية أو نتيجة للصراعات والحروب التي كانت تدور بين جيوش الدولة العثمانية وروسيا القيصرية.

لقد قمت بنقل هذه الحكايات الأسطورية الى اللغة العربية في النصف الثاني من عام1987 ثم بدأت بإعدادها للنشر حيث ظهرت إحدى هذه الحكايات (نافورة الدموع) على (ص 184- 186) من مجلة (التراث الشعبي) العراقية – العدد الفصلي الثاني – ربيع 1988. وظهرت سبع حكايات أخريات منها على (ص 227 -240) من مجلة (الثقافة الأجنبية) العراقية – السنة العاشرة – العدد الثاني – 1990. والحكايات السبع هي: 1- الصخرتان – الأم وابنتها 2- عالياً تحلق العقبان الأبية 3- حكاية ينبوع أي- پيتري 4- الحسناء والناسك والقط 5- الشجرات الثلاث: الحور والرمان والسرو 6- لماذا البحر الأسود متلاطم الأمواج 7- نهر الفدائيين.

وفي النصف الثاني من عام 1991 بدأت، بطلب من دار المأمون العراقية للترجمة والنشر، بإعداد الصيغة النهائية (المبيّضة) للحكايات الأسطورية جميعها لكي تقوم الدار بنشرها على نفقتها الخاصة. لكن حال دون إنجاز المهمة أمر عودتي الى الخدمة الجامعية وانشغالي المتشعب بمهام مهنتي الأساسية التي كنت قد أجبرت لأسباب سياسية على تركها مدة اثنتي عشرة سنة (من 7 نيسان 1981 حتى اوائل كانون الثاني 1993) ثم اضطرتني الظروف الى مغادرة العراق لتبقى الحكايات الأسطورية هذه، في معظمها، (مسوّدة) على الورق مدة تقرب من ربع قرن زمني الى أن قدر لها أن تصل اليّ مع مصدرها الروسي كتاب (أساطير القرم) الذي نقلتُها منه الى العربية، حيث جلبتها لي، الى لندن في تشرين أول 2015، إبنتي البكر جميلة المقيمة في مدينة البصرة والتي تعرف اللغة الروسية معرفة جيدة، ورتبتها لي هنا كما هي في أوراقها المسودة المحفوظة في بغداد - مع العديد من آثاري في حقول التأليف والتحقيق والترجمة الأدبية - لدى ابنة شقيقتي نسرين خليل الداودي ثم واصلتُ إعدادها مبيضة للنشر في هذا الكتاب الذي آمل أن يأخذ سبيله الى القراء.

وتعود بي الذكريات، وأنا هنا في لندن أعيش بين أحضان غربتي وملكوت ظلامي وأوجاع شيخوختي... الى مدى زمني بعيد نسبياً وهو على وجه التحديد يحمل تاريخ شهر تموز من عام (1961) حيث نزلت ضيفاً على مصح (كموناركا) الكائن في بلدة (مِسخور)، في شبه جزيرة القرم على البحر الأسود. وقد شعرت عندها بسعادة غامرة حين وجدت اهتماماً استثنائياً بشخصي من الوسط الثقافي بخاصة وذلك لتأكدهم من أنني هو الشخص (حسن البياتي) ذاته الذي كانوا قد شاهدوه في فلم تسجيلي وهو يقرأ قصيدته (كلمات الى الرجال الأربعة)، التي كنت قد كتبتها في موسكو بتاريخ 21/03/1960 ثم ألقيتها باللغة العربية من اذاعة موسكو في شهر نيسان من العام نفسه كما أنها ألقيت مترجمة الى اللغة الروسية بعد نشرها بترجمتها الروسية في صحيفة (كومسومولِسكيا پراڤدا)، قبل أن تأخذ سبيلها الى الفلم التسجيلي المذكور. والقصيدة هذه تحكي قصة أربعة من رجال البحرية السوفيتية، ضل بزورقهم السبيل عبر المحيط الهادئ مدة تقرب من ستة أسابيع استطاعوا أن يقاوموا فيها ببطولة شتى المشاكل والصعوبات التي واجهتهم قبل أن تنتشلهم البحرية الامريكية في مياهها الاقليمية. وكان من مظاهر الاحتفاء بي أن أقيم حفل تكريمي قدمت لي فيه بعض الهدايا، كان من بينها كتاب (أساطير القرم) وفي صفحته الأولى أهداء مذيل بتاريخ 29 تموز 1961 وبتوقيع س. ت. مروزا، مسؤولة المنظمة الثقافية هناك.

ولقد شعرت فيما بعد حين تمكنت من معرفة اللغة الروسية جيداً بقيمة هذه الهدية التي آمل أن يشعر القارئ بجدوى ما فيها من محتوى نافع وجميل.

بقي أن أقول - للحقيقة والتاريخ - انني قد اعتمدت في كتابة هذه المقدمة، فضلاً عن تثبيت بعض التعليقات الهامشية، على مصادر منها بعض ما ورد في مقدمة الطبعة الروسية التي قدمها مكسيم ريلسكي تحت عنوان (أزهار من ساحل البحر الأسود) وعلى بعض مجلدات الطبعتين الثانية والثالثة من (دائرة المعارف السوفيتية الكبرى) والمعاجم المختلفة باللغات العربية والروسية والانكليزية وأخيراً – هنا في لندن - على بعض معطيات الانترنت باللغتين الروسية والعربية.

لكنّ المصدر الأساس لكتابة المقدمة هو الحكايات الأسطورية ذاتها، بما يختلج ويعتمل بين طياتها من أحداث وأشخاص ومظاهر طبيعية وغير طبيعية. ولا يقتصر ذلك على قراءة الأساطير نفسها فحسب بل يضاف اليه أيضاً أمر مهم هو أنني قد شاهدت وعايشت العديد من الأماكن التي تتمثل فيها أو تنعكس عنها. ولن أكون مبالغاً إذا قررت أنني قد زرت كثيراً من البلدات التي ضمت منطلقات هذه الحكايات الأسطورية. ولقد تعدت زياراتي لشبه جزيرة القرم المرات العشر سواء في سني وجودي طالباً في قسم الدراسات العليا أو مدرساً في كلية اللغات الشرقية التابعة لجامعة موسكو أو بعد عودتي الى الوطن، حيث كنت أقوم مع أفراد أسرتي بزيارة الاتحاد السوفيتي أثناء العطلة الصيفية وقضاء شهر بكامله في شبه جزيرة القرم وبخاصة في بلدات (مِسخور) و (يڤپتوريا) و (سوداك) و (يالطا) و(سيواسيتوپول) و (باخچي سراي) وغيرها، متمتعين فيها بالراحة والاستجمام والاستفادة من البحيرات العلاجية فضلاً عن مشاهدة المعالم والآثار ومواضع الأحداث المختلفة التي ورد ذكرها في هذه الحكايات الأسطورية. ولم تنقطع زيارتي الى هذه الأماكن وغيرها إلا سنة 1978 حيث منعت من السفر الى خارج العراق لأسباب سياسية مدة دامت عشرين عاماً.

وفي ختام هذه المقدمة أود أنْ أبين أنّ هوامش الطبعة الروسية وردت جميعها مثبتة في نهاية الكتاب مع ذكر عنوان الحكاية الأسطورية لكلٍّ. وقد رأيت أن أثبتها وتعليقاتي الخاصة في نهاية كل حكاية أسطورية، على حدة، تسهيلاً للقارئ عند الرجوع اليها. مع الإشارة الى كل من هوامش الطبعة الروسية ومن تعليقاتي الخاصة بما يميز كلاً منها عن الآخر.


 

لندن- آذار 2016
 





 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter