| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عبدالرزاق الصافي

 

 

 

 

الخميس 2 /8/ 2007

 


 

شهادة على زمن عاصف
الجزء الأول

عبد الرزاق الصافي

الحلقة الثالثة


... قصة البحث عن هوية حزبية
يفرد عبد الرزاق الصافي الفصل الثالث «بدايات الوعي السياسي والانخراط في العمل الحزبي» للحديث عن بداية عمله الحزبي في صيف 1946 بعدما أنهى الدراسة المتوسطة، ونجح في امتحان البكالوريا، وصار في سن المراهقة التي تزداد فيها الاهتمامات وتتكاثر الأسئلة في الذهن في شأن الحياة الخاصة والعامة، مشيراً الى «أن الوعي الاجتماعي وعدم قبول ما ينافي العقل والواقع يسبق الوعي السياسي، من ذلك أنني وبعض أبناء جيلي صرنا نرفض ما يقوله بعض غلاة الشيعة، وما ينسبونه الى آل البيت من (كرامات) تنافي المعقول».

أحزاب وصحف
يقول الصافي: «كان صيف العام 1946 ساخناً سياسياً، فقد سبقه ربيع اجازة الأحزاب: (الوطني الديموقراطي) برئاسة كامل الجادرجي، و(الاستقلال) برئاسة محمد مهدي كبة، و(الشعب) برئاسة عزيز شريف، و(الاتحاد الوطني) برئاسة عبد الفتاح ابراهيم، و(الأحرار) بقيادة توفيق السويدي وسعد صالح، وكان الأخير هو قطب الحزب الحقيقي، اذ لم يواصل السويدي العمل الحزبي، ولم تجر اجازة حزب التحرر الوطني الذي كان يراد له أن يكون واجهة علنية للحزب الشيوعي لعدم امكانية تقديم طلب باسم الحزب الشيوعي، والشيوعية محرمة في قانون العقوبات البغدادي منذ عام 1939، اذ تنبه الانكليز الى ضرورة مكافحتها، وبدأوا باتخاذ الاجراءات لذلك منذ العشرينيات عندما جرى تعطيل مجلة (الصحيفة) التي أصدرها حسين الرحال ورفاقه عام 1924، ودخول الحكومة العراقية أيام الانتداب البريطاني في اتفاقية أمنية مع سلطات الانتداب الفرنسي في سورية، والبريطاني في فلسطين والسلطات المصرية الخاضعة للنفوذ البريطاني بهدف مراقبة النشاط الشيوعي في هذه البلدان والتعاون في ما بينها لمكافحته. وكانت قد أجيزت عصبة مكافحة الصهيونية في ذلك الربيع قبل اجازة الأحزاب، وأصدرت جريدتها (العصبة) في أبريل، وأغلقت مع سحب اجازة العصبة في يونيو، ولذا لم أطلع على الجريدة لأنني لم أكن من قراء الصحف في ذلك الوقت.
في ذلك الصيف الساخن كانت تصدر صحف الأحزاب: (الأهالي) و(لواء الاستقلال) و(الوطن) و(السياسة) و(صوت الأحرار)، وكلها صحف وطنية معارضة، وبعد أن أُجبرت وزارة توفيق السويدي التي أجازت الأحزاب وصحفها على الاستقالة، بفعل اضراب مجلس الأعيان، الذي قاده نوري السعيد وصالح جبر، بالاتفاق مع البلاط لتعطيل عمل الوزارة، جيء بأرشد العمري ليكون رئيساً للوزراء وليتولى التصدي للحركة الوطنية والديموقراطية، والعودة بالوضع في البلاد الى ما كان عليه قبل اضطرار الفئة الحاكمة الى اجازة الأحزاب وصحافتها، وكان تكليف أرشد العمري بتشكيل الوزارة نذير شؤم، فلم يكن هو مشكلها الحقيقي، بل البلاط ونوري السعيد».
ويضيف الصافي: «أتذكر أنني اشتريت العدد الأول من جريدة (لواء الاستقلال)، لسان حزب (الاستقلال)، وهو حزب قومي عروبي، لأنها جريدة جديدة لا لشيء آخر، ولما جئت بها الى البيت بادرني أخي عبد اللطيف بالسؤال: (هاي شنو؟) (أي ما هذه) قلت له: (انها جريدة جديدة)، وفهمت من سؤاله ومن تعابير وجهه أنه لم يحبذ ذلك. وفي الأيام التالية صرت أشتري جريدة (السياسة) لسان حزب (الاتحاد الوطني)، وقد استهوتني كونها معارضة، ورصينة، وفيها معالجات جيدة، وتقارير عن الوضع الدولي ووقعت الجريدة - السياسة - موقع القبول لدى أخي الذي امتدحها في رسالة الى صديق له اطلعت عليها قبل ارسالها. أما لماذا استهوتني جريدة معارضة، فلأني والكثيرين من أبناء جيلي صرنا ندرك سوء الأوضاع تحت تأثير عوامل كثيرة، منها الدراسة ومطالعة الصحف وسماع الأخبار عن نضالات الشعوب من أجل التحرر والديموقراطية في أعقاب هزيمة النازية، ودور الجيش الأحمر السوفياتي في تحقيق النصر، وخصوصاً أخبار مصر ونضال طلبتها وعمالها من أجل الجلاء، وضد معاهدة صدقي - بيفن، واستقلال سورية ولبنان، والخطر الصهيوني على فلسطين، ونضال الشعب الايراني.
وعلى الصعيد الداخلي هزنا موقف الحكومة من اضراب عمال النفط في كركوك ومجزرة كاورباغي، وقتلها العمال المطالبين بحقوقهم العادلة في زيادة الأجور، وحق التنظيم النقابي، دفاعاً عن مصالح شركة النفط الاستعمارية. هذا بالاضافة الى التشبع بحب العدالة والنضال ضد الظلم الذي ألهمتني اياه مآثره الامام الحسين واستشهاده البطولي من أجل العقيدة وعدم الخضوع للحاكم الفاسد الظالم، فالى جانب ما كنت أسمعه في بيتنا عن هذا في مجالس العزاء التي كنا نقيمها في العشرة الأولى من محرم وفي كل أربعاء على مدار العام، كما مر ذكره، كنت أحرص على حضور مجلس العزاء الكبير الذي كان يقام سنوياً في (السيف) الكبير للحاج محمد رشيد الصافي عشرة أيام في كل عام، ويتحدث فيه أحد أشهر قراء المجالس الحسينية، وقتذاك، الشيخ محمد علي اليعقوبي. هذه العوامل كلها، بالاضافة الى مطالعة بعض الكتب الجادة من قبيل (النفط مستعيد الشعوب) ليوسف ابراهيم يزبك، و(على طريق الهند) لعبد الفتاح ابراهيم، و(الاقطاع والديوان في العراق) لعبد الرزاق الظاهر، و(من تاريخ الحركات الثورية في الاسلام) لبندلي جوزي، وقصص وروايات الأدب الثوري، وفي مقدمتها رواية (الأم) لمكسيم غوركي، جعلتني أميل ليس فقط الى المعارضة، بل الى اليسار عموماً منذ بداية اهتماماتي السياسية».

حراك المعارضة
ويتابع الصافي: «بعد جريمة قتل العمال في كـاورباغي في يوليو 1946، وما جوبهت به من سخط واسع عبرت عنه كل الصحف الوطنية ومذكرات الأحزاب، وبيانات الحزب الشيوعي، وقبلها اطلاق النار على مظاهرة 28 يونيو 1946 التي نظمها الحزب الشيوعي العراقي، وسقوط قتلى وجرحى كثيرين فيها، شنت حكومة أرشد العمري حملتها على الصحف الوطنية المعارضة، وأقامت الدعاوى ضد مديريها المسؤولين ومحرريها في محكمة جزاء بغداد، وجندت بعض الحكام (القضاة) الرجعيين ليقوموا باصدار الأحكام التعسفية بغلقها. وكانت المرافعات التي يلقيها المديرون المسؤولون للصحف ومحاموهم الكثيرون مادة سياسية جيدة لتعرية النظام الملكي وفساده ولا ديموقراطيته، وخصوصاً محاكمات الأستاذ كامل الجادرجي (الأهالي)، وعزيز شريف (الوطن)، وناظم الزهاوي (السياسة)، وقاسم حمودي (لواء الاستقلال). وعند بدء الحملة على الصحف برفع الدعاوى ضدها، كتب الأستاذ عبد الفتاح ابراهيم مقالاً افتتاحياً في جريدة (السياسة) يفضح الحملة وأهدافها تحت عنوان (أهذا أول الغيث؟)، وفي محاكمة الأستاذ ناظم الزهاوي، المدير المسؤول عن جريدة (السياسة) تطوع العشرات من المحامين للدفاع عنه، وكان من بين من تطوع للدفاع رجل الدين المعروف الشيخ أمجد الزهاوي الذي قال في دفاعه كلمة معبرة صارت عنواناً لمقال افتتاحي في الجريدة هو (خير الصحف من تُرشد وخير الحكومات من تسترشد)، ولعله كان يغمز رئيس الوزراء أرشد العمري الذي لم تكن حكومته تريد الاسترشاد بطبيعة الحال، ولذا واصلت حملتها ضد الحريات العامة، وعملت على اسكات صحف المعارضة وتمهيد الطريق لعودة نوري السعيد الى رئاسة الوزراء لترتيب الأوضاع بما يسمح بتجديد معاهدة عام 1930 الاسترقاقية بمعاهدة جديدة، كما كانت تريد الفئة الحاكمة والبلاط، على الضد من مطلب غالبية الشعب بالغائها».

عودة السعيد
ويشير الصافي الى «أنه جرى تكليف نوري السعيد بتأليف وزارة جديدة، بعد استقالة أرشد العمري في خريف 1946، واستدرج نوري السعيد حزبي (الوطني الديموقراطي) و(الأحرار) للمشاركة في وزارته التي أخذت على عاتقها اجراء انتخابات لمجلس نواب جديد، زعم أنها ستكون حرة ونزيهة، وكتب ذلك خطياً برسائل تبادلها مع الجادرجي. وأسهم الحزبان في الوزارة رغم تحذير الحزب الشيوعي وأحزاب أخرى، من أن نوري السعيد يسعى باشراك الحزبين في وزارته الى تخدير يقظة الحركة الوطنية، ولاقرار مشاريع على الضد من مصلحة الشعب.
وسرعان ما انكشف زيف الوعود التي قطعها نوري السعيد على نفسه عن نزاهة هذه الانتخابات وحريتها، اذ مارست الحكومة الأساليب السابقة نفسها في فبركة الانتخابات على هواها بأساليب التزوير والتزييف والتضييق على حرية المرشحين والناخبين، الأمر الذي اضطر الحزبين الى سحب وزيريهما من الوزارة. وأضاف نوري السعيد بذلك برلماناً مزيفاً آخر الى سلسلة البرلمانات المزيفة التي شهدها العهد الملكي قبل ذلك. واستقال نوري السعيد بعد ذلك ليفسح المجال لتأليف وزارة جديدة في ربيع عام 1947 برئاسة صالح جبر، وهو أول رئيس وزراء شيعي في العهد الملكي، لتأخذ على عاتقها تمرير المعاهدة التي أشرت اليها».

«الوثبة»
ويذكر الصافي: «كانت أول فعالية سياسية شاركت فيها، وكنت طالباً في الصف الرابع الثانوي، هي مظاهرة للتضامن مع الشعب الفلسطيني ضد تقرير لجنة التحقيق الأنغلو - أميركية الذي أوصى بتقسيم فلسطين، وكانت هتافات المظاهرة تطالب بانهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وجلاء الجيش البريطاني عنها، واعطاء الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره واقامة دولته الوطنية المستقلة، أسوة بما جرى لسورية ولبنان عندما طرحت قضيتهما على مجلس الأمن، وحظيت بدعم قوي من الاتحاد السوفياتي، واستقل البلدان وجلت عنهما الجيوش الفرنسية. وكان مدير المدرسة الثانوية في ذلك الوقت الأستاذ حسن موسى، الذي ارتعب من مشاركة عدد من طلبة الثانوية في المظاهرة، وعمل على اخراجهم منها من دون أن يوفّق، ولذا استدعانا في اليوم التالي الى غرفة الادارة لـ(يبصّرنا) بخطورة ما أقدمنا عليه! والعواقب الوخيمة التي تنتظرنا في حالة تكراره. وكنا يومها خمسة على ما أتذكر، وهم: عباس النصراوي، ونزار كاظم الحسن، وجاسم محمد الباقر، وصادق الخطيب، وأنا. ومن الطريف أن الزميل صادق الخطيب عندما سمع تهويل المدير بخطورة ما يمكن أن يلحقنا من أذى جراء مشاركتنا في المظاهرة، رد على المدير قائلاً: (شنو يعني شنق؟) (اذ مطَّ كلمة شنق بشكل لافت للنظر مما أثار غضب المدير). ولا أتذكر ان كانت قد صدرت بحقنا عقوبة انضباطية بخصم درجات من سلوسوفي جراء مشاركتنا في المظاهرة أو لا. والفعالية الثانية كانت في يناير عام 1948، اذ صادف يوم الاعلان عن التوقيع بالأحرف الأولى على (معاهدة بورتسموث) بين الطرف العراقي وبريطانيا التي أريد لها أن تحل محل معاهدة عام 1930، نظراً الى قرب انتهاء مدة هذه المعاهدة، أن جاءت مجموعة من طلبة ثانوية النجف بقيادة مديرها الأستاذ علي الطرفي الى كربلاء في سفرة طلابية، فأقامت لهم ثانوية كربلاء حفلة شاي في نادي الطلبة عصر ذلك اليوم بحضور مديرنا الأستاذ حسن موسى. انتهزت الفرصة للاعراب عن المعارضة للمعاهدة الاسترقاقية الجديدة، وكتبت كلمة بهذا الخصوص عرضتها على زميلين ديموقراطيين من الطلبة هما حسان رؤوف وفاضل حسن محمود فاستحسناها، وطلبت من أحدهما أن يطلب من نزار كاظم الذي كان عريفاً للحفل أن يقدمني لالقاء الكلمة التي لم يكن يعرف شيئاً عن محتواها، اذ لم أعرضها عليه بسبب جفوة كانت بيننا. فوجئ مديرنا بالكلمة واستشاط غضباً، وأصدر في اليوم التالي قراراً من دون استدعائنا للتحقيق والمحاسبة، بخصم عشر درجات من سلوكنا، نزار وأنا، وطردنا من المدرسة لمدة أسبوع، متصوراً أن نزار، متواطئ معي في موضوع الكلمة، وبذلك كنا - ربما - أول المعاقبين بسبب موقفنا من المعاهدة التي استثارت المفاوضات بشأنها، واعلان نصوصها في 16 يناير 1948 سلسلة المظاهرات والاضرابات التي استمرت حتى السابع والعشرين من الشهر (اليوم المعروف بوثبة كانون المجيدة) وأدت الى اسقاط وزارة صالح جبر التي أرادت فرض المعاهدة بقوة الحديد والنار، بعد سقوط عشرات الجرحى والشهداء الذين كان من بينهم جعفر الجواهري، أخو الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، وقد أبّن الجواهري أخاه جعفر بقصيدة هي من عيون شعره السياسي».
ويوضح الصافي: «لم تقتصر مساهمتي في الوقوف من (معاهدة بورتسموث) على الكلمة التي أشرت اليها، بل ظللت أتابع وزملائي طلبة الثانوية مجريات الأحداث في بغداد وسائر المدن العراقية، التي بدأت في كلية الحقوق في الأيام الأولى من الشهر وتصاعدت، وخصوصاً بعد اعلان نصوص المعاهدة في يوم 16 يناير وحتى اليوم السابع والعشرين منه، فلم نطق الصمت الذي خيم على مدينة كربلاء طوال الأسابيع التي سبقت (الوثبة)، اذ لم تنطلق فيها أي مظاهرة ضد المعاهدة والحكومة التي تريد ابرامها، ولذا تجمع عدد من الطلبة في صحن العباس عصر يوم 27 يناير وسرت شائعات بأن مهدي القنبر وكان عضواً في الهيئة العليا لحزب الاستقلال، وعبد الحسين كمونة من حزب (الأحرار) سيحركان أنصارهما للتظاهر ضد المعاهدة (علماً بأنه لم يوجد تنظيم لأي من الحزبين في كربلاء)، وقد شاهدناهما معاً قرب صحن العباس. وصادف أن جاءت مجموعة من الفلاحين، حسبنا أنها جاءت بتدبير منهما بهدف المشاركة في المظاهرة، وعند ذلك أخذت المبادرة ووقفت في مقدمة البهو الذي تحت الساعة في الصحن عند باب القبلة، وهتفت بسقوط وزارة صالح جبر والمعاهدة، فتجمع الطلبة وخرجنا الى الشارع، شارع علي الأكبر، قاصدين الروضة الحسينية. وعند وصول المظاهرة الى هناك داهمتها الشرطة كما أن بعض العناصر الرجعية عمدت الى رمي بعض المفرقعات الصغيرة مما أدى الى تفرقها. ولم تمض سوى ساعة أو أكثر قليلاً حتى أعلن راديو بغداد نبأ استقالة الوزارة وقبول الوصي عبد الاله للاستقالة، وكان ذلك اليوم قد شهد في بغداد مظاهرات كبيرة جداً جوبهت بقمع وحشي من الشرطة، مما أدى الى وقوع الكثير من القتلى والجرحى، الأمر الذي حمل عدداً من الوزراء على الاستقالة، وارتعاب الفئة الحاكمة، ولذا أوعز الوصي الى صالح جبر بالاستقالة، وعهد بتشكيل الوزارة الجديدة الى السيد محمد الصدر عضو مجلس الأعيان لتهدئة الأوضاع. وأعقب ذلك استقبال مدينة كربلاء في الأيام اللاحقة جثامين عدد من شهداء (الوثبة) الذين كانوا يدفنون في النجف الأشرف، وتشييعهم بشكل مهيب. ونظمنا نحن طلبة الثانوية وفوداً الى بغداد للمشاركة في مجالس الفاتحة التي أقيمت على أرواح الشهداء. وكذلك في المظاهرات التي نظمت في أربعينيتهم، ولا أدري كيف قبلنا أن يكون الشعار الذي رفعته مجموعتنا بيتاً من الشعر هو:
                  من المسؤول عن دمك المراقا        شباباً متَّ كي تحيي العراقا
وهو من نظم أحد زملائنا في الثانوية، رغم الخطأ الفاضح في كلمة (المراقا) المنصوبة في حين أنها يجب أن تكون مجرورة»!

العرس النضالي
يقول الصافي: «كانت الأشهر الأولى التي أعقبت (الوثبة) قد شهدت نهوضاً وطنياً، واستطاعت الجماهير أن تفرض جواً من الحريات العامة، وممارسة المظاهرات والاضرابات العمالية، وحرية الصحافة. وصدرت في مارس من العام نفسه جريدة (الأساس) التي أصدرها المحامي الشيوعي (شريف الشيخ)، وهي أول جريدة شيوعية علنية، بعد جريدة (العصبة) التي أصدرتها عصبة مكافحة الصهيونية في أبريل 1946 وأغلقت في يونيو من العام نفسه، مع سحب اجازة منظمة العصبة التي أصدرتها واحالة قيادتها الى المحاكم بتهم ملفقة.
وكان من محرري جريدة (الأساس) بالاضافة الى شريف الشيخ الرفيق زكي خيري الذي نشر فيها بحثه القيّم (بدل الملاكية والتأخر الزراعي في العراق) الذي طالب فيه بالغاء الاقطاع وتوزيع الأراضي على الفلاحين. وعمل في الجريدة أيضاً الرفيق عدنان البراك، وكان يومذاك طالباً في الصف الأول في كلية الطب. كما نشر فيها بدر شاكر السياب عدداً من قصائده التي كانت تلهب مشاعر القراء، وكان يومذاك عضواً في الحزب الشيوعي العراقي. وأتذكر أن أبي كان يحاول منعي من قراءة جريدة (الأساس) قائلاً: (ولك! أنا ألتهب من قراءتها فكيف أنت؟). وكانت ذروة النشاط الجماهيري العمالي والطلابي في شهر أبريل. حتى أن نوري السعيد صرح وقتها وكان في تركيا على ما أتذكر، أنهم - أي الفئة الحاكمة - لم ينزعجوا من الوثبة، بقدر انزعاجهم وقلقهم من أحداث شهر أبريل، الذي تعاظمت فيه الاضرابات العمالية. واستطاع الطلبة عقد مؤتمرهم في ساحة (السباع) التي تقع في منطقة شعبية، تشهد حضوراً عمالياً كثيفاً يوم 14 أبريل، رغم أنف الحكومة التي امتنعت عن اعطائهم رخصة عقده في احدى القاعات، وفي هذا المؤتمر الذي مثل الغالبية العظمى من اللجان الاتحادية، التي انتُخبت بعد (الوثبة)، في كليات بغداد والمدارس الثانوية وبعض المتوسطات في كل أنحاء العراق عدا كربلاء، ألقى الجواهري الكبير قصيدته الرائعة التي يقول في مطلعها:
                   يوم الشباب تحية وسلام        بك والنضال تؤرخ الأعوام
وانبثق عن المؤتمر الذي حرسته فصائل عمالية، اتحاد الطلبة العراقيين العام، الذي انضم الى اتحاد الطلاب العالمي، وكان من فصائله النشيطة، واستضاف مؤتمره السادس في بغداد عام 1960، وتولى سكرتاريته العالمية على مدى أعوام عدة بعد ذلك. الزميلان نوري عبد الرزاق حسين ومهدي الحافظ».
ويضيف الصافي: «غير أن العرس النضالي الذي عاشته الجماهير في الأشهر الثلاثة التي أعقبت الوثبة، سرعان ما أنهته الفئة الحاكمة في مايو 1948 عندما أعلنت الأحكام العرفية بذريعة ارسال وحدات من الجيش العراقي الى فلسطين، الى جانب وحدات من الجيوش العربية الأخرى في مصر وسورية ولبنان والأردن، بزعم منع تنفيذ قرار التقسيم، والحيلولة دون قيام اسرائيل، الا أن النتيجة التي كان مخططاً لها، على ما ظهر بعد ذلك، هي منع الشعب الفلسطيني من اقامة دولته الوطنية المستقلة على الجزء الذي خصصه له قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، فقد عهد بقيادة الجيوش العربية في المشرق الى الضابط البريطاني غلوب باشا (أبو حنيك) قائد الجيش الأردني يومذاك. وعندما توقف القتال وعقدت الهدنة بين اسرائيل والدول العربية: مصر والأردن وسورية ولبنان، جرى ضم الضفة الغربية لنهر الأردن الى امارة شرق الأردن التي صارت المملكة الأردنية الهاشمية، وضم قطاع غزة الى مصر الملك فاروق».

مداهمات في كربلاء
ويتابع الصافي: «رغم عدم وجود تنظيم شيوعي في كربلاء حتى ذلك الوقت، فقد شملت الحملة الارهابية التي شنتها الفئة الحاكمة ضد الحركة الديموقراطية، وقلبها الحزب الشيوعي، مدينة كربلاء، اذ جرى اعتقال بضعة عشر مواطناً وسيقوا الى المجلس العرفي العسكري في الديوانية، حيث مقر الفرقة الأولى في الجيش العراقي، لمحاكمتهم بتهمة الشيوعية، وكنت من بينهم، وأتذكر منهم الآن السادة: جواد الشروفي وأخاه ضياء، وصالح نصر الله ويحيى نصر الله، وهما من خدم الروضة العباسية، وصالح الهر، وهم أعضاء في الحزب الوطني الديموقراطي (عدا ضياء الشروقي ربما)، وهادي السعيد وضياء السعيد الطالبين في الصف الخامس الثانوي، اللذين لم يكن لهما اتجاه سياسي معروف يومذاك، واعتقلا لمشاركتهما في مظاهرة 27 يناير الذي ذكرتها ومحسن أمين، وهو طالب أيضاً في الصف الخامس الثانوي وأخاه نعمة أمين الأطرقجي، المعروفين بميولهما اليسارية، (وربما كان نعمة أمين من أعضاء رابطة الشيوعيين العراقيين التي شكلها المحامي داود الصائغ بعد انشقاقه عن الحزب الشيوعي العراقي في أواسط الأربعينيات، وانتهت بعد اعتقال نشطائها، وانضمام خيرة من فيها الى الحزب الشيوعي العراقي)، ونزار كاظم الحسن المعروف بكونه يسارياً يومذاك، ومحمد تقي المصعبي، وهو عنصر مثقف ومؤلف، معروف بميوله اليسارية، وكاتب هذه السطور الذي كان من قراء جريدة (السياسة) اليسارية و(الأساس) الشيوعية، ولم يكن له انتماء تنظيمي الى الحزب الشيوعي العراقي حتى ذلك الوقت رغم تعاطفه مع الحزب من خلال متابعته لمحاكمة الرفيق فهد ومن معه من كوادر الحزب الشيوعي عام 1947 والحكم عليه بالاعدام، ومن ثم تبديل الحكم الى الأشغال الشاقة المؤبدة، بفعل الحملة العالمية التي انطلقت ضد الحكم، وخصوصاً في بريطانيا وفرنسا، ناهيك عمّا جرى من التضامن مع الشيوعيين العراقيين في الاتحاد السوفياتي وبلدان (المنظومة الاشتراكية) الأخرى، وفي سورية ولبنان والسودان بمبادرة من الشيوعيين في هذه البلدان.
حضر في الموعد الأول للمحاكمة أمام المجلس العرفي العسكري في الديوانية المحامي حسين جميل الذي تولى سكرتارية الحزب الوطني الديموقراطي قبل ذلك، ومحامٍ آخر أتذكر أنه كان أيضاً من الحزب الوطني الديموقراطي، ولا أتذكر اسمه. وأتذكر أن حسين جميل نصحنا أن نتظاهر بالسذاجة أثناء المحاكمة اذا ما جرت، غير أن المحاكمة أجلت الى موعد لاحق، وتولى الدفاع عنا في الموعد الجديد المحامي سعد عمر العلوان، نائب كربلاء الذي صار وزيراً للمعارف في بداية الخمسينيات، وذلك بطلب من والدي، وقد استجاب للطلب بروحية عالية رغم أنه كان في تلك الأيام من أنصار صالح جبر، الذي عمل كل المتهمين على اسقاط وزارته.
كان الاتهام هزيلاً اذ لم تتضمن ادعاءات الشرطة والشهود الذين جيء بهم وهم من الشرطة السرية أي أدلة على شيوعية أي من المتهمين، اذ اقتصرت الشهادات على ذكر ما يقرأه المتهمون من جرائد: (الأساس) و(الأهالي) وغيرها، ومشاركتهم في بعض المظاهرات. وبلغت التفاهة بأحد الجواسيس الذي جيء به للشهادة أن قال مخاطباً رئيس المحكمة: (سيدي هذا شيوعي هدام يعرفه الخاص والعام!) بحق أحد المتهمين ظناً منه أن هذا السجع سيقنع المحكمة بشيوعية المتهم! أفرجت المحكمة عنا جميعاً (لعدم توفر الأدلة) كما ورد في قرارها، اذ لم يكن من عادة المجالس العرفية أن تصدر أحكاماً بالبراءة»!

نحو الشيوعية
ويختم الصافي الفصل الثالث: «بعد المحاكمة رحت أبحث عن الحزب الذي اتهمت بالانتماء اليه، وراح يبحث عني! فقد جاء الى كربلاء الشهيد أحمد حسون (وهو معلم رياضة عمل قبل ذلك في كربلاء واعتقل في نهاية عام 1948 وحكم بالسجن، واستشهد في مجزرة سجن بغداد في يونيو 1953) واتصل بي لغرض تنظيمي في الحزب الشيوعي، وأعطاني كتاب (أسس اللينينية) الذي ألفه ستالين، مطبوعاً بالرونيو، وعثر عليه والدي عندي وقام بحرقه، ولم يعاود الاتصال، بسبب اعتقاله على ما أعتقد.
انتهى صيف 1948، ومع بدء السنة الدراسية الجديدة التحقت بكلية الحقوق، بعد أن أخفقت في الالتحاق بدار المعلمين العالية للدراسة في فرع الاجتماعيات، والتخصص في تدريس التاريخ وهو الدرس الذي أحبه كثيراً، وأحسب أن بالامكان من خلاله التأثير في الطلبة أكثر من أي درس آخر. وتسنى لي في سنوات الدراسة الثانوية أن أقرأ الكثير من الكتب في هذا المجال، وأتذكر منها سلسلة (أعلام الحرية) الصادرة عن (دار العلم للملايين) للكاتب قدري قلعجي الذي كان شيوعياً عند كتابته لها، وهي بضعة عشر مؤلفاً كان أولها عن روبسبير أحد أبطال الثورة الفرنسية، وديموستين خطيب أثينا، وأبي ذر الغفاري أول ثائر في الاسلام، وجمال الدين الأفغاني والامام محمد عبده من رواد النهضة، ومدحت باشا المصلح العثماني، وصن يات صن بطل الثورة الصينية الديموقراطية وغاندي وسعد زغلول والموسيقار العالمي شوبان، وأبراهام لنكولن محرر العبيد في أميركا والثائر الانكليزي كرومويل، وغيرها. كما قرأت مؤلف جواهر لال نهرو (لمحات من تاريخ العالم)، ومؤلف رئيف خوري (الفكر العربي الحديث وأثر الثورة الفرنسية فيه)، الذي تحدث فيه عن الكثيرين من رواد النهضة من بينهم أديب اسحق وشبلي شميل وغيرهما. وفي بدء التحاقي بكلــــية الحــــقوق اتــــصل بـــي الشهـــيد عدنان البراك ليضـــمـــني الى خــلية مع اثنين من زملائي في الكلية كانا زميلين له في ثانوية الحلة، غير أنه اعتقل وانفرط عقد الخلية.
وقبل ذلك كانت لي مع اثنين من الطلبة محاولة لتشكيل منظمة شيوعية في كربلاء، هما عباس مجيد الكشوان، ويحيى بابان الذي جاء الى كربلاء من الحلة، وكان قد امتلك خبرة تنظيمية عندما كان في الحلة، وقد أعددنا رسالة وأرسلناها الى قيادة الحزب، وكبست الرسالة من قبل شرطة التحقيقات الجنائية، وظهرت في الجزء السادس من الموسوعة السرية التي أعددتها عن الحزب الشيوعي العراقي».

الرأي العام الكويتية - 8/7/ 2007

يتبع

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى