| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عبدالرزاق الصافي

 

 

 

 

الخميس 26 /7/ 2007

 


 

شهادة على زمن عاصف
الجزء الأول

عبد الرزاق الصافي

الحلقة الأولى

الشهادة تبقى للتاريخ تضيء زواياه المعتمة، لما فيها من حقائق تلهم الباحث عن الحقيقة مبتغاه، ولو بعد حين. هكذا تبقى الشهادة حية لا تموت. لكن الشهادة تكون أمضى وقعاً عندما تكون في زمن عاصف بالأحداث، يجابه صاحبها الرياح العاتية ملتقطاً أنفاسه ليؤرخ تلك الحقبة.
العراقي عبد الرزاق الصافي من مواليد مدينة كربلاء عام 1931 يسترجع شريط ذكرياته الحافل بالأحداث بعد أن تردد كثيراً في توثيق شهادته، ويقول :
« منذ أعوام عدة والكثير من الأصدقاء والرفاق والمعارف يتوجهون إلي بالسؤال: هل كتبت مذكراتك؟ ويستغربون عندما لا يكون الجواب بالإيجاب. ومن ثم يلحون عليَّ بضرورة الكتابة. وأنا ما بين إقدام وإحجام. أكتب فصلاً أو فصلين، ثم أتوقف أشهراً عدة، وربما عاماً. تارة بسبب التردد وأخرى بسبب الانشغالات اليومية. ولما اكتملت فصول هذا الجزء مما كتبته كمسودة أولية، كاد التردد يحول دون تنقيح ما كتبت وإنجازه، ودفعه إلى المطبعة للنشر، وسبب ذلك هو التطلب العالي الذي ألحظه في أحاديث عدد ممن يطالبونني بالكتابة، وملاحظاتهم السلبية عما نشر في مذكرات عدد من الرفاق، هذه الملاحظات الناجمة عن هذا التطلب العالي، وعن نواقص حقيقية في هذه المذكرات ».
ويضيف الصافي « أن الادلاء بالشهادة جواب عن أسئلة الصحافيين ومعدي البرامج الإذاعية والتلفزيونية والمقابلات الصحافية، وهو أسهل بكثير من كتابة المذكرات، والسيرة الذاتية، التي تتطلب خبرة خاصة، وأناساً ذوي اختصاص يلجأ إليهم السياسيون والشخصيات العامة لمساعدتهم على إنجازها. وأتذكر أن شارل ديغول وجه نقداً لاذعاً لونستون تشرتشل لأن الأخير استعان بأحد الصحافيين لكتابة مذكراته. ولا يشمل هذا طبعاً، الكتاب والأدباء والشعراء الذين كتبوا مذكراتهم وسيرهم الذاتية لتكون طرفة أدبية مشوقة، إلى جانب تسجيلها لوقائع حياتهم. من ذلك مثلاً الشاعر الكبير بابلو نيرودا، وسيرته الذاتية التي حملت عنوان (أشهد اني عشت) ».
ويتابع الصافي: « لم ولن أطمح لأن يكون ما أقدمه للقراء طرفة أدبية، لعدم قدرتي على ذلك، وإنما هو شهادة متواضعة عن جانب مما عشته، عسى أن يكون فيه بعض الفائدة لمن يقرأها، وخصوصاً أبناء الجيل الحالي، فضلاً عن أبناء جيلي، لعل فيهم من تحفزّه هذه الصفحات لإغناء الحديث عما تناولته، تدقيقاً وتصحيحاً، فأنا في غالبية ما كتبت اعتمدت على الذاكرة المعرضة للتشوش والخطأ. ولا بد لي من القول إن هذه الصفحات ليست دراسة تاريخية، ولا رواية أدبية، ولا حتى سيرة ذاتية متكاملة، بل هي، باختصار شديد، شهادة على زمن أعدّه عاصفاً، تحوي جوانب من سيرة ذاتية، كما هو عنوانها، آملاً أن تلقى القبول من القراء، وهو غاية ما أتمناه. وشكراً لكل الصديقات والأصدقاء الذين قرأوا بعض الفصول وظلوا يلحون على استكمالها ونشرها ».
«الرأي» تضيء عبر حلقات على شهادة عبد الرزاق الصافي التي يهم بنشرها تحت عنوان «شهادة على زمن عاصف» (الجزء الأول) في دار قرطاس الكويتية.


... طفولة قاسية تحفر وشمها بندبة على الخد الأيسر
يستهل الصافي الفصل الأول «طفولة قاسية» للحديث عن علامة فارقة في جسده هي ندبة على خده الأيسر، فيراها كعلامة فارقة في جواز السفر أو شهادة الجنسية، ويعزوها إلى تلف في الجلد ناتج من مرض جلدي يسمى «حبة بغداد» التي كثيراً ما أتلفت خدوداً وجدَعت أنوفاً.

حديث الندبة
يقول الصافي: «حبة بغداد كانت منتشرة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، بسبب قلة الوعي الصحي، وضعف الأجهزة الصحية، وعدم وجود الأدوية الفعالة لمعالجتها. وكان من جملة أساليب معالجتها في أوائل الثلاثينيات تحويطها بقلم (قوبيا)، وهو قلم لا تمحى كتابته على الورق بالممحاة، كما تمحى الكتابة بالقلم الرصاص، شريطة أن يكون مستخدم القلم كاتباً ابن كاتب! والكاتب هذا هو من يقرأ ويكتب وليس الأديب أو الباحث، كما قد يتبادر إلى الذهن. ولحسن الحظ كان في بيتنا من يستطيع أن يقوم بهذه المهمة الطبية، وهو أبي. فقد كان كاتباً ابن كاتب، إذ كان جدي عبد الكريم أيضاً يقرأ ويكتب، كما كان أبوه أي جد أبي محمد أمين يقرأ ويكتب أيضاً، وأتذكر أنه كان في بيتنا حتى الأربعينيات صندوق رسائل يحوي رسائل وقوائم حسابات تجارية وغير ذلك بخطه. ولحسن الحظ أيضاً، أو من محاسن المصادفات، أن تحويط الندبة بالقلم، من قبل والدي، جعل الندبة صغيرة، ولم يدع حبة بغداد تأكل خدي الأيسر كله! وبطبيعة الحال لا يستطيع أحد الجزم بأن توقف الحبة عن التوسع كان بفعل قلم (القوبيا)، أو بفعل عوامل أخرى»!
ويضيف الصافي: «حديث الندبة هذا يكشف كم كانت الأمية متفشية حتى تصبح يد من هو كاتب ابن كاتب قادرة على معالجة مرض جلدي خطير كحبة بغداد. ويكشف من جهة أخرى نشأتي في عائلة فيها من يقرأ ويكتب، وهي عائلة ملاكين متوسطين وتجار، لها من الجاه والمكانة الاجتماعية يفوق ما تملكه من مال وعقار، فقد كان لها بيتان: داخلي للعائلة، وخارجي للضيوف، ولإقامة مجالس العزاء على الإمام الحسين في الأيام العشرة الأولى من محرم الحرام، وكل يوم أربعاء من بداية ربيع الأول حتى محرم. واستطاع جدي عبد الكريم أن يبني خاناً (سيفاً) صغيراً بواجهة ذات أربعة دكاكين، وأن يمتلك قطعة أرض زراعية في قضاء الهندية لم تخضع لقانون الإصلاح الزراعي بعد ثورة 14 يوليو 1958 لأنها دون الحد الأعلى للملكية الزراعية الذي حدده القانون، تتولى زراعتها ورعاية نخيلها عائلة فلاحية من أربعة إخوة. كما كانت عائلتنا تتصرف ببستان صغير لا تزيد مساحته على دونمين ونصف الدونم، موقوف لأعمال الخير على روح الواقف الذي كان قد أوصى بدفن جثمانه في سرداب البيت البراني. وهو أمر غريب لم أعرف له سبباً، إذ ليس من المألوف دفن الموتى في سراديب البيوت في مدينة مقدسة مثل كربلاء».

المداواة بروث الأتان
ويتابع الصافي: «لا أتذكر من طفولتي القاسية حبة بغداد ومعالجتها، ولكنني أتذكر أنني مرضت مرضاً شديداً، وكانت أمي تضعني للتسرية عني في عتبة بيتنا الواقع في سوق النسوان الذي تبيع فيه نساء الفلاحين العاملين في البساتين بضاعتهن من فواكه وخضر، وسمي كذلك بسوق الدجاج لوجود دكان عباس أبو الدجاج فيه، وكذلك بائعات الدجاج والبيض. ومن ذكريات الطفولة التي لا تنسى يوم حملني مطرود، وهو كبير إخوته، وسركال الأرض الزراعية التي ذكرتها، وذهبنا بصحبة أبي، في فجر العاشر من محرم عام 1936 للإيفاء بنذر هو المشاركة في (التطبير). وفي الطريق علمنا بأن قراراً حكومياً صدر بمنع التطبير. ولذا جرت الاستعانة بالحلاق المتجول عبد الزهرة ليقوم بـ(تشريطي) بثلاثة جروح في أعلى جبهتي لتسيل منها الدماء إيفاء بالنذر، ومازالت آثار الجروح باقية فيها. ومن الأمراض واسعة الانتشار في الثلاثينيات كانت التراخوما والرمد الصديدي، وقد أصبت بالاثنين وكانت تجري معالجة المرضين بـ(الماي بوريك) للتنظيف والتعقيم وبـ(حجر جهنم) الذي يستخدمه الأطباء الشعبيون لمعالجة الأجفان المتقرحة. ومن الاعتقادات التي كانت سائدة يومذاك أن رائحة البطيخ تضر العيون المصابة بالتراخوما أو الرمد، ولذا يجري طرد هذه الرائحة بإشعال روث الأتان (أنثى الحمار) الذي كانت تزودنا به باستمرار علوية بيبي زوجة السيد ناجي صاحب ما يمكن تسميته بـ(كراج الحمير)، وهو خربة مجاورة لطرف السكن في بيته المقابل لسيفنا في سوق العلاوي، يربط فيه الفلاحون القادمون إلى المدينة حميرهم أثناء الساعات التي يقضونها في البيع والتسوق أو قضاء أشغالهم في الدوائر الرسمية لقاء أجر زهيد عن (الباركنغ)! ولا أدري، حتى الآن، بم يختلف روث الأتان عن روث الحمار ليحوز هذه المكانة في الطب الشعبي»!

أحلام عصفورية
ويشير الصافي إلى «أنه دخل المدرسة الابتدائية الأولى في السنة الدراسية 1937 - 1938، وكان مديرها يومذاك المربي الفاضل السيد هاشم الخطيب، ثم أعقبه السيد محمد علي السعيد، وفراشها الأول الحاج حمزة، وكان الثلاثة يعاملون التلاميذ معاملة الأب الحنون، في حين كان العديدون من المعلمين فيها يقسون عليهم بالضرب بعصي مصنوعة خصيصاً لذلك، أو بالجانب الحاد من المسطرة، وأحياناً على أيديهم الغضة لأقل خطأ يرتكبونه. أقول هذا لا للانتقاص منهم، بل لتسجيل واقع لا يلغي الاعتراف بجميلهم، وبالجهود التي بذلوها لتعليمنا.
ومن الأحداث التي لا تُنسى في سنوات الدراسة الابتدائية وفاة الملك غازي، وكنت يومذاك في الصف الثاني الابتدائي، إذ دُق الجرس في أثناء ساعة الدرس، وخرجنا، نحن التلاميذ، إلى حيث نصطف كل صباح في ساحة المدرسة قبل بدء الدروس، ليخبرنا مديرنا، بعين باكية وصوت متهدج: (ان مليكنا الحبيب غازي توفي في حادث سيارة)، فتعالى بكاؤنا، وانصرفنا إلى بيوتنا، نحمل إلى أهالينا هذا الخبر الحزين. وبعد عامين على مقتل غازي حدثت حركة مايس الوطنية (وهي ما سُمي بحركة رشيد عالي الگيلاني)، التي أشعلت المشاعر الوطنية ضد المستعمرين الإنكليز، وألغت امتحان اللغة الإنكليزية ذلك العام لأنها لغة الأعداء! وأطلقت العنان للخيال الطفولي في رسم بطولات الجيش العراقي، وخصوصاً الطيران، وما قام به الطيار العراقي كاظم عبادي من أعاجيب.
ويدهشني الآن، وأنا أتذكر تلك الأيام، كيف أننا، ونحن في الصف الرابع الابتدائي، كنا نحلم بأننا إذا انتصرنا على بريطانيا فستكون الهند، وهي المستعمرة البريطانية الكبرى، ودرة التاج البريطاني، تابعة للعراق! فمن أين جاءتنا المعارف التي تؤهلنا للحلم بمثل هذه الأحلام العصفورية؟ هل هي دروس الجغرافيا؟ أم مداخلات معلمينا الوطنيين؟ أم ماذا؟ وبعد فشل الحركة وهرب رشيد عالي والعقداء الأربعة الذين كانوا مشعليها، واعتقال الكثيرين ممن اتهموا بمناصرتها بتهمة النازية في مختلف أنحاء العراق، وجد شاعر شعبي هو عبد الأمير ترجمان، الجرأة على انتقاد الحركة، فنظم قصيدة ألقاها في أحد المواليد (وهي احتفالات شعبية تنظــم في الأسواق والساحات العامة لمناسبة ميلاد أئمة الشيعة توزع فيها الحلوى والمرطبات وتتلى فيها القصائد التي تحوي لازمة يرددها الأطفال الذين يشكلون النسبة الأكبر من المحتفلين) وكانت لازمة القصيـدة:
( طير بابه طير
طير بابه طير
ناس تسوي طيارات ودبابات
واحنة نسوّي حْصير! ).
وكنا نحن الأطفال نردد مع الشاعر، ونستمتع بقصيدته المغنّاة من دون أن ندرك يومذاك، أنه ينتقد رشيد عالي الگيلاني».

نجاح بالواسطة
ويذكر الصافي: «كان أخي الأكبر عبد اللطيف، وقد سبقني في المدرسة بأربعة أعوام، تلميذاً هادئاً ومجتهداً، درس على أيدي المعلمين الذين درّسوني أنفسهم، وكنت على عكس ما كان حَرِكاً وغير مجتهد، ولذا فكثيراً ما كان بعض المعلمين يعيرونني بكسلي وشقاوتي، ويؤنبونني قائلين: لماذا لا تكون مثل أخيك وتقتدي به؟
أذكر هذا لأجيء على ذكر النظام الدراسي السخيف في امتحانات البكالوريا الصف السادس الابتدائي، الذي كان سائداً حتى السنة الدراسية 1942 1943، فقد كنت في تلك السنة في الصف السادس الابتدائي، والدراسة الابتدائية تنتهي بامتحان عام (بكالوريا)، ويسبق هذا الامتحان العام امتحان آخر كان يسمى تمهيدياً، لا يدخل التلميذ إلى امتحان البكالوريا إلا بعد النجاح فيه. ولسوء حظي كنت لا ناجحاً ولا راسباً في الامتحان التمهيدي، بل مكملاً بدرس واحد، وكان درس اللغة الإنكليزية، فقد كنت ضعيفاً فيه وكان عليَّ أن أدرس في العطلة الصيفية لكي أنجح في امتحان اللغة الإنكليزية أولاً، ثم أمتحن بكل الدروس في الدور الثاني لامتحان البكالوريا، وليس بين الامتحانين وقت كبير. وهكذا كان، ونجحت من الصف السادس بالامتحانين، ولم يكن ذلك بفضل جهدي الدراسي، بل بـ(الواسطة)، بفضل علاقات أبي الطيبة بمدير المعارف، وبالمعلمين الذين يلتقيهم في نادي الموظفين، فقد كان والدي، وقتذاك، عضواً في المجلس البلدي، وعلى صلات واسعة بكل موظفي اللواء (المحافظة) من المتصرف (المحافظ) وأنت نازل! وبهذا لم أكن على عكس أخي الأكبر فقط، بل على العكس من أختي أيضاً، التي امتحنت البكالوريا للصف السادس في السنة نفسها، وكانت الثانية على اللواء عن جدارة، وليس بالواسطة، ولولا الواسطة لغيرها لكانت الأولى على ما أعتقد».

صور بغدادية
ويرى الصافي «أنه من الضروري التحدث عن حدث كبير في المدينة في أواسط الثلاثينيات، وهو افتتاح شارع الملك فيصل الأول (شارع الإمام علي في ما بعد 14 يوليو 1958)، الشارع الذي شقها من محلة باب بغداد (وكانت تسمى باب العلوة) حتى الالتقاء بشوارع العباسية، وكان يفترض أن يكون شارعاً مستقيماً غير أن تدخلات أصحاب النفوذ، على ما قيل، جعلته يتعرج. ولا تختزن ذاكرتي من صور المدينة قبل فتح الشارع إلا صورة باهتة عن الطريق الذي يوصل بيتنا في سوق الدجاج بحمام البغدادي، وبيت صاحبه المجاور له، السيد علي الجواد البغدادي، وهو عديل جدي عبد الكريم، إذ كنا نخترق السوق المقابل لسوق العرب المؤدي إلى الروضة الحسينية لننحدر جنوباً في (عقد البلوش). كانت المدينة في قسمها المحيط بالروضتين الحسينية والعباسية تفتقر إلى التخطيط، إذ تتجاور فيها الأسواق والأزقة، عدا محلة العباسية التي بنيت بناء على تخطيط مسبق في أواخر العهد العثماني، ومع ذلك ظلت إلى أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته تسمى (الجِدَيْدَة) عند أبناء المدينة، ويقال إن تخطيطها يشبه تخطيط مدينة الناصرية، إذ ربما بنيتا في أوقات متقاربة. ونتيجة الفقر الذي تعانيه المدينة، وغالبية أصحاب الدور التي هدمت عند فتح الشارع ظلت خرائب شارع الملك فيصل فترة طويلة بعد فتحه، وتعمرت ببطء شديد».
ويقول الصافي: «كنا عندما نريد الذهاب من بيتنا إلى الروضة الحسينية نمر بسوق العرب، وهو سوق للبزّازين يرتاده الفلاحون والفقراء من أهل المدينة في الغالب والبدو، وكان يجاوره سوق (النعلجية) أي الخفافين، وهو السوق الذي يوصل إلى خان الباشا المجاور للروضة الحسينية، وأهم ما فيه الحبوب (جمع حِب، وهو إناء فخاري كبير لتبريد الماء) التي يستخدمها السقاة في الروضة الحسينية لبيع الماء لزوار الروضة، إذ يعطي الزائر النقود للساقي ليوزع الماء الذي يحمله في قلة على ظهره، على الزوار مجاناً، ثواباً لأرواح موتى الزائر المتبرع. وكذلك اشتهر الخان بمحل بيع المخللات فيه المعروف بـ(طرشي خان الباشا) ولا أدري من هو الباشا الذي يسمى الخان بلقبه من دون اسمه مشفوعاً باللقب. أما عند الذهاب إلى الروضة العباسية فقد كنا نخترق سوق الصفافير (أي الصفارين) صناع الأواني النحاسية، وكان لهم سوق آخر في المدينة يتفرع من شارع العباس ويصل إلى باب طويريج، ومن سوق الصفارين نعبر شارع علي الأكبر إلى سوق القندرجية، صناع الأحذية، ومن ثم ننعطف يميناً إلى سوق العباس الذي يوصلنا إلى الروضة العباسية. وكان يربط الروضتين بالإضافة إلى هذا السوق، سوق العجم للبزازين الذي هو أكثر أناقة من خلال معروضاته من الأقمشة من سوق العرب، ويرتبط بسوق آخر يسمى (سوق الحسين) ويبدأ من أحد أبواب الروضة الحسينية ويمتد إلى محلة باب السلالمة، كما يربط الروضتين شارع علي الأكبر، وهو شارع حديث بالنسبة إلى الأسواق. ومن الأسواق الشهيرة في المدينة (سوق القِبلة)، وهو السوق الذي يربط الروضة الحسينية من باب القبلة حتى شارع (أبو الفهد) القريب من محلة المخيم التي تحوي مزاراً يمثل الموقع الذي خيّم فيه الإمام الحسين وعائلته وأنصاره قبل استشهادهم في العاشر من محرم عام 61 هجرية في واقعة الطف الشهيرة. وأشهر أسواق هذه المحلة سوق الزينبية الذي كان يضم مزاراً للسيدة زينب بطلة كربلاء إلى جوار الروضة الحسينية. لقد دمرت غالبية هذه الأسواق إن لم يكن كلها بدوافع لا علاقة لها بتحديث المدينة في الغالب، إذ كان يمكن أن يتم التحديث مع الاحتفاظ بطابع المدينة التاريخي».

مهنة في الذاكرة
ويضيف الصافي: «لا بد لي وأنا أتحدث عن طفولتي أن أذكر بيت جدي لأمي مرهون محمد رضا الصافي الذي ترك دكانه لبيع الأقمشة في بغداد ليلتحق بأقاربه في كربلاء، وفي مقدمهم جدي عبد الكريم بناء على طلبهم، وعمل في بداية أعوامه في كربلاء في تجارة التبغ في الخان الذي كان يسمى بـ(الدخانية) الواقع في محلة (المقلع) في العباسية الشرقية، حيث كان الفلاحون في قضاء الهندية يأتون بتبغهم (الهندي) و(الشيرازي) لبيعه في كربلاء، وهو التبغ الذي كان يستخدم في الأراكيل (النارجيلات) وصنع سجاير المزبّن من قبل (التتنجية).
ومع تطور صناعة السجائر الحديثة، وانصراف الناس عن النارجيلة والمزبّن توقفت زراعة هذا التبغ، وانتهى العمل في الدخانية، وعاش جدي مرهون حياة البطالة، وكان يقضي وقته في المطالعة، وراح يتخلص من مجموعاته الفريدة من أغلفة علب السجاير، وهي مجموعات جميلة كان يعطيها لنا نحن الأطفال ونفرح بها، وتركناها تتلف مع الأسف. وكذلك علب الكبريت التي كان يزينها بصور لوحات براقة ملونة، جميلة يأخذها من أصدقائه وأقاربه البزازين، وهي مما كان يوضع على أطوال (جمع طُول) الأقمشة كعلامات تجارية وغير ذلك.
وكان من هواياته أيضاً اقتناء المسابح (جمع مسبحة)، وكذلك أكياس النقود المطرزة التي كانت تهدى للعرسان.
ورغم ظرفه وبشاشته فقد كان صارماً، ولا يرضى لأحد أن يقترب من مكتبته، وهي مكتبة فقيرة، وكانت جدتي لأمي ترتعب عندما أمد يدي إلى أحد الكتب في غيابه، غير أني كنت أطمئنها بإرجاع الكتاب إلى مكانه لكي لا يحس جدي بأي تغيير في ترتيبها. وكنا ونحن صغاراً ننتظر بفارغ الصبر مجيء العيد للذهاب إلى بيت جدي للحصول على العيدية من خالي جواد كبير أخويه جهاد وعزيز، وهو الوحيد الذي كان يعمل براتب مجزٍ، باعتباره محاسباً وأمين صندوق معمل سجاير تركية لصاحبه عبدالله لطفي وشركاه، ويزور كربلاء في الأعياد فقط حتى تم انتقال العائلة كلها إلى بغداد في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، وكانت تضم جدي وجدتي وخالي الاثنين وخالاتي الثلاث».

ضياع تواريخ الميلاد
يلفت الصافي إلى «أن ما يثير استغرابه ألا أحد في العائلة اهتم بتسجيل تواريخ ميلاد أفرادها رغم وجود من يقرأ ويكتب فيها، فقد كان من عادة بعض العائلات ممن هم بمستوى عائلتنا أن يسجلوا هذه التواريخ في جلد قرآن العائلة مثلاً، أو في أي مكان آخر غير أن هذا لم يحصل في عائلتنا مع الأسف. وكانت سنة ميلادي في أول دفتر نفوس هي 1934، وهي السنة التي جرى فيها أول تسجيل عام للنفوس في العراق، ويبدو ألا أحد اهتم بذكر سنة الميلاد بشكل مضبوط، فسجلوني مولوداً في سنة التسجيل!
سألت أمي مرة متى جئت إلى الدنيا فقالت إنك جئت في (البهار). و(البهار) كلمة فارسية وكردية تعني الربيع، ولكنها في اللغة المتداولة تعني الفصل الذي هو ليس بالبارد ولا بالحار، ولذا فالربيع بهار، والخريف بهار أيضاً.
وأتذكر أن والدي، أخبرني أن أحد الشعراء من أصدقاء العائلة، وأحسب أن اسمه الشيخ العميشي أرخ ميلادي ببيتين من الشعر، كما هي العادة في بعض البيوتات، غير أني نسيت البيتين، ولم يبق في ذاكرتي سوى الشطر الأخير من البيت الثاني الذي يعقب كلمة أرّخ وهو: (جميل الخلق للرزاق عبداً) وحصيلة جمع حروف هذا الشطر يكون ميلادي هو في سنة 1350هجرية. وهذه السنة تقابل كما هو مكتوب في الريال الذي يحمل صورة الملك فيصل الأول ويعادل أربعة دراهم، عامي 1931 و1932. ولما كان البهار يمكن أن يعني الربيع والخريف اخترت تاريخاً يتوسطهما وهو الأول من يونيو 1931، يوم الطفل العالمي، يوماً ملفقاً لعيد ميلادي المزعوم، أولاً لسهولة حفظه! وثانياً تعبيراً عن حبي للأطفال الذين حرمت منهم رغم زيجاتي المتعددة»!

التطبير
يقول الصافي: «كنا ونحن أطفال نسمّي التطبير عزا الشخصين والعزا هو العزاء، وهي كلمة تطلق على الموكب الذي يقام للتعزية بمصاب الإمام الحسين الشهيد، سواء أكان باللطم على الصدور أم ضرب السلاسل (الزناجيل) أو شج الرؤوس الذي هو التطبير. فيقال مثلاً عزا المخيم وعزا باب النجف، وهي أسماء محلات في كربلاء، وعزا الحلة لموكب مدينة الحلة في العشرين من صفر موعد زيارة أربعين الحسين، أو ما اصطلح عليه زيارة (مرد الراس) إذ يقول الشيعة إن رأس الحسين رد إلى كربلاء في هذا الموعد. و(الشخصين) هي كلمة محرفة عن الفارسية أو التركية هي (شاه حسين)، وهي صرخة كان يطلقها من يمارسون التطبير في العاشر من محرم تكشف عن انتماء هؤلاء الممارسين إلى قوميات غير عربية، إذ كان الذين يمارسون هذه الشعائر في كربلاء غالبيتهم الساحقة من الفرس والتركمان والأفغان. ولما جرى منع التطبير في العام 1936 لم يجر تحدي القرار في كربلاء بل جرى الالتزام به خوفاً من عواقب خرقه. أما في النجف فقد جرى تحدي القرار بشكل لم تستطع السلطات المسؤولة عن تنفيذه مواجهته، إذ اتفق عدد من الذين يريدون التطبير على لبس الأكفان، كما هي العادة، والتسلح بالقامات (وهي سيوف قصيرة وعريضة) والنزول من محل قريب من أحد أبواب الروضة الحيدرية، اتفقوا مع عدد من خدم الروضة بأن يفتحوا لهم الباب في وقت محدد هو فجر العاشر من محرم، بعد أن كانت الشرطة قد أغلقته، وهكذا استمر الحال بعد عام 1936 المنع سارٍ في كربلاء وغير سارٍ في النجف».
ويضيف الصافي: «حدثني والدي أن المجتهد الشيعي الكبير السيد محسن الأمين العاملي كان في كربلاء يوم العاشر من محرم في إحدى السنوات التي كان يجري فيها التطبير، وكان مدعواً إلى بيت السيد حسين الددة الذي تشرف غرفة الاستقبال فيه (وهي أورسي واسع) على مقام المخيم، وهو الموقع الذي يفترض أن مخيم الحسين وصحبه كان فيه يوم واقعة عاشوراء، وهو الذي كان يجري فيه التجمع وشج الرؤوس تمهيداً للخروج بموكب (عزا الشخصين)، الذي يذهب إلى صحن العباس ومنه إلى صحن الحسين تتقدمه الدمامات (الطبول) والأبواق والرايات. قال والدي، وكان حاضراً المناسبة، إن السيد العاملي عندما شاهد من شرفة البيت ما يجري في مقام المخيم، أبدى اشمئزازه منه، ورجع إلى عمق الغرفة تاركاً الشرفة وهو يقول مستنكراً ما معناه أن هذا ليس من الدين في شيء؛ ولم يكتف بذلك، بل أعلن موقفه من الموضوع بجرأة، مما جرّ عليه الكثير من المتاعب مع المتعصبين الذين بلغت بهم السماجة حد اتهامه بالكفر والزندقة، ونظم قصائد الهجاء القبيحة ضده. وكان النجفيون يمارسون التطبير طوال الأعوام التي أعقبت عام 1936. ومما يلفت الانتباه أن دائرة العلاقات البريطانية التي يشرف عليها ضباط من الإنتلجنس سرفيس (دائرة المخابرات) كانت أيام الحرب العالمية الثانية، التي جرى فيها تقنين تزويد أبناء الشعب بالسكر والشاي والقماش، واستحدثت فيها وزارة التموين لهذا الغرض، كانت تتبرع ببضعة أمتار من القماش الأبيض لكل من يشارك في التطبير، وتدمغ القماش بـ (هدية العلاقات العامة)»!
ويتابع الصافي: «مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتصاعد التحديات للنظام من مختلف فئات الشعب، تنادى عدد من شبيبة كربلاء إلى تحدي قرار منع التطبير، فاتفقوا في ما بينهم على مفاجأة السلطات بموكبهم بشكل خاطف، وهكذا كان فقد تطبروا في مسجد في محلة باب السلالمة، بعيداً عن أنظار الشرطة، وتسللوا إلى أحد الأبواب الخلفية للصحن الحسيني، ودخلوا فيه، وداروا حول المرقد وتفرقوا من دون أن تستطيع الشرطة إلقاء القبض على أحد منهم، فكان موكبهم يشبه المظاهرات الخاطفة التي تلجأ إليها المعارضة في ظل الفاشية وانعدام الحريات الديموقراطية. أما في السنة التي أعقبت هذه الممارسة، فقد كان التحدي أكبر، إذ تجمع الذين يريدون ممارسة التطبير فجر العاشر من محرم، في موكب المخيم في الليلة التي تسبق الفجر، وهو آخر موكب من مواكب المحلات التي تُنظم في العشرة الأولى من محرم، وتمنطقوا بالأكفان أو لفوها على رؤوسهم إعلاناً عن عزمهم على التطبير، وكانوا يختمون ردّات (أهازيج) العزاء بالهتاف: حيدر! وهو الهتاف المتعارف عليه في مواكب التطبير. وفي مثل هذه الليلة يكون عدد من كبار المسؤولين في اللواء (المحافظة) موجودين في الصحن الحسيني في غرفة الكليدار (سادن الروضة الحسينية)، ومن بينهم المتصرف (المحافظ) ومدير الشرطة، وأحسب أنهم بحثوا الموضوع وسألوا مراجع أعلى بشأنه، وأتوقع أن جاء الجواب: اتركوهم وشأنهم! (إذ ليس في هذه الممارسة ما يضر السلطة بشيء). إن المنع السابق، والممارسات الطائفية ضد الشيعة جعلت موضوع التطبير يخرج عن طبيعته السابقة، إذ كان يقتصر على موكب واحد يشارك فيه عدد محدود جداً ممن اعتادوا على ممارسته وغالبيتهم من الفرس والتركمان، كما ذكرت، وتحول إلى مواكب عديدة تتنافس فيما بينها بعدد من يشاركون فيهـا».

الرأي العام الكويتية - 7/7/ 2007

يتبع