|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  4  / 4 / 2015                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 

 

يوميات تصرخ بالندم
أحداث حقيقية
(1)

بدور زكي محمد  *
(موقع الناس)

كانت قد استودعتني دفتر يومياتها، ورجتني أن أنشرها، لكني تأخرت، وعندما هاتفتها بالأمس، وصلني صوتها الموجوع، محملاً بذكريات الآلاف ممن شاركوها رحلة العذاب في سجون صدام، كانت تأمل بيوم ترى فيه نهاية الظلم، وقد جاء اليوم وسقط الطاغية، لكنها بقيت في حزنها، فالغائب الذي انتظرته سنيناً طويلة، عاد إليها بصحبة زوجة جديدة، وأطفال، وما بدا عليه شوق لإبنه الذي تربى في حضن أم طالما رسمت لأبيه صورة بطل، فصار يراه في أحلامه. ولتعذرني قارئاتي وقرّائي على عودتي لمآسي الماضي، فمشاهد الحاضر الدامي في سوح القتال، ومواكب النازحين من بيوتهم، والفتيات اللواتي النائمات على جروحهنّ، كل ذلك تتمة لما فعلته دولة البعث، وما كان لداعش أن تنطلق بهذه الوحشية لولا ذئاب البعثيين. وبالطبع فأنا لا أغفل العوامل الأخرى لمأساة بلدنا الراهنة، لكني أود أن أقول: حذار من النسيان.

اليوميات التي ستقرؤونها رواية لمأساة طالت عائلتين، وهي صفحة من كتاب حرب الثماني سنوات مع إيران، خوف ودموع وفقدان ... صاحبة الحديث صديقة عزيزة، يؤرقني ما تعانيه من أحزان معتّقة بالعتب على الحياة التي لم تنصفها. وأنا إذ أنقلها إليكم، لا يساورني شك بكل تفاصيلها، ذلك لمعرفتي الوثيقة بالراوية، ولأن كلماتها انسابت بعفوية واشتياق للماضي، مع ما فيه من قسوة، وكأن شبابها انبعث من جسدها الناحل المتعب، وأن قوة خفيّة أوشكت أن تعلن عن نفسها لتزيح عن صوتها المنكسر نبرة التردد والأسى، هاهي تصف لي كيف غامرت من أجل من تحب، كيف خاطرت بكتم سرّه، في زمن كان الحاكم يحاسب الناس على ما يرونه في أحلامهم، قالت :


"في شتاء العام 1983،كانوا قد أبلغوني بأن زوجي قد وقع أسيراً في الجبهة الإيرانية، وكعادة السلطة في السنوات الأولى من الحرب، لقيت اهتماماً وتقديراً يتناسب مع كوني زوجة ضابط بعثي بارز، وبقيت انتظر على أمل رجوعه، لكني لم أعثر على خبر منه. وبعدغياب أربعة أعوام، وفي صباح يوم غائم، سمعت طرقاً حثيثاً على الباب، وكنت حينها في بيت أبي، سارعت لأتبين من الطارق، يتملكني إحساس غريب بأن هناك أمر غير عادي. فوجئت بشقيقي زوجي يطلبان مني أن أصحبهما لزيارة أحد أقربائنا لأنه مريض ويريد مقابلتي لأمر ما. استغربت ولم أقتنع بسبب زيارتهما، وساورني قلق عميق، لكني ذهبت وأخذت معي إبني، وفي الطريق لاحظت إن السيارة تتجه إلى مكان آخر لا أعرفه. وتبين لي لاحقاً إن زوجي تسلل إلى البلاد واختبأ في بيت بعيد، وإننا نتجه للقائه. جفلت وسألتهما: لماذا يختبئ ، ألم يكن أسيرا؟ وبقيت أسأل ولا أحد يجيب، حتى وجدت نفسي أمام الغائب اللغز.

والحقيقة كما فهمت بعد حين، إنه لم يؤسر، لكنه هرب أثناء إحدى مهمات التوغل في الأراضي الإيرانية، وتظاهر بأنه مصاب، حين هرب أتباعه من الجنود للعودة إلى الجهة العراقية، ثم سلم نفسه للقوات الإيرانية، وقدم نفسه كمعارض للنظام، وقد عاد إلى البلاد للقيام بعمليات ضد السلطة.

بدا لي نحيفاً بالغ القلق والتوجس، وأول ما لفت انتباهه من مظهري أنني أضع غطاء الرأس، أبدى إعجابه، وكان يتمنى دائما ان يراني هكذا، وقد فعلت بسبب خوفي من نظرات الناس، فليس سهلاً على شابة وحيدة مثلي ان تواجه صعوبات الحياة.

لم أجرؤ على مصارحة ولدي ذي الأربعة أعوام بحقيقة أبيه وأفهمته بانه عمه. قضيت معه ثلاثة أيام، كنت خلالها سعيدة لكن الخوف كان يحاصرني مع اني أخبرت أمي وأبي بوجوده. في تلك الأثناء لم تكن أختي على علم بما يحدث، وقد حصل أن أحد العاملين معها جاء بخبر عن تسلل بعض العسكريين المعارضين الى الاراضي العراقية، وانهم يخططون لعمليات تخريبية في البلاد، وقد لمّح الرجل لرتبة أحدهم، ما جعل أختي تقلق وتسارع لإخبار أبي. وأنا حين أتذكر تلك الأيام العصيبة تشخص امامي حيرة أبي، فقد كان مدركاً لما ينتظرنا من أهوال، غير أنه فكر؛ إن هو أخبر عن زوجي فربما لن يرضي الله، وإن هو كتم فالمصير واضح.

كان زوجي يفتقر الى الحكمة، مغروراً وغير مهتم بما ستتحمله عائلتينا من مصائب بسبب أفعاله، فلم يتخذ الحيطة في تنقلاته، ولم يتنكر، كما ورط اثنين من إخوته بنشاطاته، كل ذلك ورجال الأمن كانوا يتتبعون خطاه كي يرصدوا كل من يتعاون معه، بينما نحن غافلون ونحسب أن لا أحد يعرف بتحركاته. ومن ضروب حماقاته أنه حين سمع بما أخبرتنا به أختي، أجبرني على أن أصحبه إلى مكان عملها، وطلب مني أن أذهب للتأكد منها، وفعلاً ذهبت إليها لكنها نهرتني بشدة وطلبت مني المغادرة بسرعة. عدت إليه والخوف يلازمني.

ذهبت الى بيت والدي كي استعيد هدوء نفسي، لكن زوجي ارسل أخيه في اليوم نفسه ليعيدني، فلم اعترض على الرغم من تحذيرات أبي. وكم آسف على نفسي لكثرة انقيادي إليه وما جلبته على أهلي من آلام. ولا ادري لماذا أرسل في طلبي بينما هو عازم على الهرب بسبب ما قالته اختي .

غادر في اليوم التالي بصحبة أخويه، ويبدو أنهم نجحوا في الإفلات من عيون الرقباء. أما أنا فتناولتني الهواجس وكنت في غاية التوتر، ما حدا بأخي أن يأخذني إلى الطبيب، وكنت فعلاً بحاجة الى حقنة مهدئة. لاحظت بطريق العودة من العيادة، أن هناك من يراقبنا.

وبعد مرور شهر على غياب زوجي ومقامي لدى أهلي، ذهبت لتفقد بيتي، وفيما أنا منهمكة بأعمال الدار، انقضّ عليّ رجال الأمن وأخذوني مع ولدي. وكانوا قد داهموا بيت أبي واقتادوه مع أخواتي وإخوتي. وحين رأيت أبي شعرت بالخذلان فما عاد لحياتي معنى، وصممت على الإنتحار، لكني عدلت عنه وتحليت بالصبر. ولشدّ ما آلمني أن أبي الذي قضى حياته متجنباً أي تدخل في السياسة، وقد بذل كل ما استطاعه لحمايتنا وبالغ في إبعادنا عن الحياة العامة وتصوير مخاطرها، وقف عاجزاً عن نجدتنا ونحن نُساق إلى مصير مجهول بيد جلاوزة طالما حذرنا من خساستهم.

لم أكن مهتمة بالسياسة، ولكوني مؤمنة لازمني الإعتقاد بأن كل ما يصيبنا من حروب وآلام ، إنما هو اختبار من ربّ العالمين، لكن ذلك لم يمنعني من الإحساس بمصائب الناس ومعاناتهم من بطش السلطة الغاشمة وأساليبها الرهيبة في انتزاع الإعتراف من المعارضين، وأنا لذلك تضامنت مع زوجي، غير آبهة بعواقب الأمور، أو لأنّي تجاهلت هول العواقب لفقر تجربتي في الحياة بسبب ما تربيت عليه من البعد عن شؤون الحياة وتعقيداتها. نعم كنت منقادة إليه في ذلك الزمان، لكني حين أفكر بما فعله أجد إن الأمر لا يتعلق بمسألة الإحساس بظلم النظام السابق، والنزوع إلى تخليص الشعب من قبضته، وإنما هو الطموح إلى السلطة، فكم من معارضين تحولوا إلى طغاة بعد أن أمسكوا برقاب بلدانهم، وها نحن اليوم نعيش بعضاً من تجاربهم ".

كنت أشعر بألم بالغ وأنا أستمع إليها، وهالني تخيّل مشهدها والرعب يتطاير من عينيها وهي تمسك بيد ولدها، وترتسم أمامها صور أمهات عُذّب أبناءهنّ أمامهن ليعترفن، لذلك ترددت ولم أسألها عما لاقته في معتقلها، لكنها كانت راغبة بنشر همومها، فأفضت وكان صوتها قد وهن وتحول إلى همس كليل، قالت:
" لم يمهلوني كي ألتقط أنفاسي وأفكر بما أقول، فبادروا بالتحقيق معي وحانت ساعة التعذيب، وما كان عندي ما أجيب به على أسئلتهم الموجعة، فانا لا أعرف أين ذهب ذلك الرجل الذي غامر بحياتنا، فليته لم يعد، وليتني ما ارتبطت به أصلاً ".

عند هذه التداعيات من شجون الذكريات، سكتت محدّثتي وتركت دموعها لتغسل سنوات الأحزان على عمر ضاع سدى... أرهقني اعتذارها فقد تعبت ووهن صوتها، قامت تلملم أطرافها فقد اشتكى جسدها الناحل ورغبت في رقدة هادئة. وعدتني بأن نكمل الحديث في يوم آخر.

إذاً ستكون لنا عودة ليومياتها قريباً.



 * كاتبة عراقية

 

 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter