|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  31  / 7 / 2017                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 

 

اليسار الماركسي العربي .. الى أين ؟

محمد علي العامري
(موقع الناس)

{ الماركسية هي فلسفة التغيير ، وليست فلسفة التبرير }
ما الذي أدى باليسار العربي الى هذا المنحدر الخطير ، والشلل والعجز شبه الكاملين ؟ أهي عوامل ذاتية أم ظروف موضوعية ؟ وما الذي جعل غالبية الأحزاب الشيوعية والماركسية في البلدان العربية تتراجع الى الدرك الأخير ، بعد إن كانت في يوم ما هي الطليعة ، وكانت سوح النضال والمنجزات الوطنية والجماهيرية حكراً لها دون منافس ؟

عندما نحاول تفكيك اليسار العربي ونضعه على طاولة التشريح ، يتضح لنا دون أدنى شك إنه يعاني اليوم من حالة سلبية ومرضية تفاقمت خلال العقود الأربعة الأخيرة التي آلت به الى الحالة المأزومة التي عليه اليوم . وبدلاً من أن يتجدد ويتطور، نراه يتمسك بشعارات ومفردات وحتى تحليلات كانت قبل خمسين أو ستين سنة صحيحة ، غير إنها لم تعد كذلك اليوم . ومازالت الوثنية الفكرية والضحالة المعتقدية تكبل غالبية أحزابه وتضعف مؤسساته ، الأمر الذي جعل حالة العجز تمتد لسنوات طويلة ، إنعكست سلباً على مجمل العملية الثورية في المنطقة .

ربما يستشف المتابع من هذه المقدمة بأن هناك حالة ميؤوس منها ، أو ان اليساريين قد عجزوا عن أيجاد الحلول المناسبة ، أو ان اليأس والإحباط قد التف على رقبة اليسار . طبعاً لا ، فباسطاعة اليسار تجاوز محنته وأزمته . ولكن كيف نأتي بالحلول ونحن مازلنا نتهرب من الإعتراف بأمراضنا ونخجل من تشخيصها ؟ وكيف لنا تجاوز هكذا محن وأزمات مزمنة إذا لم نقر بأن هناك قصور في الوعي ، وهناك أوهام ناجمة عن الجمود العقائدي الوثني ، وهناك خلل كبير وخطير وانحرافات تميزت " بمظاهر وظواهر أضفت طابعها السلبي على مجمل مسيرة اليسار في البلدان العربية ".

وبما أن الفكر الماركسي " لا يمكنه أن يقف مشلولاً حيال مثل هذه الأزمات دون أن يتابع رصدها " فالأحزاب الماركسية ، بل وكل اليسار في البلدان العربية ، بحاجة الى تجديد ، والتجديد بحاجة الى رصد المظاهر السلبية " التي سمح لها ان تتراكم حتى باتت تضرب في العمق الى أن توقفت حركة التطور لسنوات عدة مما أدى الى عجز هذا اليسار عن القيام بإنجاز مهام المرحلة التاريخية " وانعكاس هذه الحالة التراجعية سلباً على مجمل حركات التحرر الوطني وشلها بالكامل . والأزمة الكبيرة التي تمر بها غالبية أحزاب اليسار العربي تستدعي التدقيق في النشوء وتتبع التطور التاريخي لها ، لكي تتعرف على أفضل السبل والحلول لهذه الأزمة ، وان تتلمس واقعها وموقعها من هذا العالم الذي هي جزء منه ، وتدقق في مراحل ماضيها وتستفيد من تجاربها وتجارب الآخرين .

لكن الراصد سرعان ما يكتشف ان معظم اليسار العربي لم يفق بعد من سباته الطويل ، وما زالت تعشعش في عقول الكثير منهم أحلام النصف الأول من القرن الماضي، وهناك هواجس توسوس وتدغدغ عواطفهم وأحاسيسهم بأن لينين ( المنتظر ) سيخرج من جديد حاملاً لواء الثورة ، ليخلصهم من الرأسمالية ، ويحرر لهم أوطانهم ، ويسلمهم مفاتيح الفردوس ، ويزيح عنهم كاهل النضال .

لقد تكيفت هذه الأحزاب على الحالات السلبية والإتكالية ، ولم تكترث لما يدور حولها من تطورات ومتغيرات سريعة وأحداث جسام، حتى بات دورها مقتصراً على "ردود الأفعال"، ولم تستطع كسر حواجز هذا الإطار لتجدد وعيها ليتلاءم مع التطورات السياسية والفكرية لكي " ترتقي الى درجة الفعل الثوري القادر على التعامل مع الواقع " .

إذاً ما العمل ؟؟
لن " تقوم لنا قائمة " كما يقول العراقيون ، إذا لم نتخلص من الإتكالية وفلسفة التبرير ، لنسارع بالعمل الجاد والتفكير الواعي لإنقاذ أنفسنا من هذا المنحدر ، أو إن لم نبدأ بعملية تجديد أفكارنا ومفرداتنا وخطابنا كي نستطيع أن نمتلك زمام الأمور ، أو إن لم نبدأ بتفكيك مفاهيمنا ومفرداتنا من أجل تجديدها لنمتلك زمام عملية الوعي . ولكن كيف لنا أن نمتلك زمام عملية الوعي والمعرفة التي هي أساس التطور والتجديد ونحن مازلنا نبحث في قشور الماضي ونلوك ونجتر مفردات ومقولات لم تعد نافعة اليوم ، دون ان نجهد أنفسنا ولو بقليل من البحث العلمي لنكتشف بأن ماجاء به ماركس وأنجلز وهيجل وكانت وأبن خلدون والفارابي وأبن رشد وغيرهم من المفكرين والفلاسفة ليس من وحي منزّل من الآلهة ، بل هي خلاصة ماقاموا به من دراسات وتحليلات وتطوير فكر وفلسفة لمن سبقوهم . وما أروع ما قاله إنشتاين " نحن نقف على أكتاف العمالقة "

والمتابع للتراث الإنساني يرى أن كل جيل من المفكرين يحاول أن يجدد ويطور فلسفات وأفكار الأجيال التي سبقته ، وهنا نرى أن ما توصل اليه ماركس بمساعدة أنجلز هو إستقراءاً وإستنتاجاً وتطويراً لأفكار وفلسفات جاء بها الأولون . ولا أعتقد أن ماركس قد رضي بأن تتحول مجمل أفكاره وبحوثه العلمية الى نصوص مقدسة يحرّم التقرب منها أو المساس بها ، وأعني هنا تجديدها وتطويرها تماشياً من التطور الهائل الذي يمر به المجتمع البشري . ولا أعتقد أن يقبل لينين ان يكون هو ( المرشد والمرجع الأعلى ) للشيوعيين في العالم ، وتتحول مقولاته الى فتاوى مقدسة تطبق وجوباً . اليس الماركسية تقول ان التطور يأتي عن طريق تجديد الجديد ، وحتماً سيكون هذا الجديد قديماً لأن هناك جديداً جديد سيأتي - هذا هو" الديالتيك " على حد معرفتي .

لكن المشكلة التي يعاني منها اليسار العربي هي " الإيمان اللاواعي الذي يعتبر الجديد جديداً دائماً ولا تسري عليه قوانين الطبيعة" مما يؤدي الى التراجعات والتخلف والأصولية السلفية، كما هي حال الكثير من الأحزاب الشيوعية العربية التي لن يمر عليها أي تجديد ، أستثني منها الحزب الشيوعي العراقي الذي أعلن التجديد منذ عدة سنوات - بالرغم من الهجمات الشرسة من قبل اليسار العربي والتي تصدى لها وأثبت صحة مسيرته الجديدة - ويمكن إيعاز ذلك الى تأثير الحزب الشيوعي السوفيتي آنذاك على معظم الأحزاب الشيوعية العربية ، حيث أصاب الجميع الشلل نتيجة للجمود العقائدي والفكري . لأن فقهاء الحزب الشيوعي السوفيتي "السلفيين" نصبوا أنفسهم مرجعيات تقليدية أصولية على معظم الأحزاب الشيوعية والماركسية في العالم الثالث وخاصة العالم العربي.

المشكلة ، أن الكثير من الأحزاب الشيوعية والماركسية في البلدان العربية ما زالت تتمسك بالتجربة السوفيتية و" المنظومة الإشتراكية " بالرغم من إنها تجربة مسيئة ومشوهة للماركسية والإشتراكية. وولادتها لم تك ولادة طبيعية حسب تسلسل مراحل التطور التي جاءت بها الفلسفة الماركسية . فالإجتهاد الذي جاء به لينين أثناء قيادته ثورة أكتوبر عام 1917 في روسيا [ من الممكن القيام بثورة ، وبناء الإشتراكية في بلد واحد ] هي فكرة ليست من صلب الماركسية وليس تطويرً لها ، وإنما أراد من خلالها أن يخلص روسيا من براثن التخلف والجهل والفقر ، وتطبيق نموذج الإشتراكية الموعودة التي كانت في مخيلة ماركس ، ولم يدر في خلد لينين أنه سيصطدم بالواقع الروسي ، والتطور الرأسمالي السريع والمذهل في أوروبا . ولم يتوقع إنه حين إختصر مراحل التطور نحو الإشتراكية والقفز عليها سيؤدي الى فشلها - في الحقيقة كان ماركس يتوقع ان تبدأ التغييرات في البلدان الأكثر تطوراً مثل بريطانيا والمانيا ، وليس في بلدان متخلفة - ولكن ماذا سيقول ماركس عندما يسمع أن الإشتراكية تم تطبيقها في اليمن وأفغانستان والصومال ومثيلاتها !!

هناك الكثير من الأحزاب الشيوعية والماركسية في بلدان أوروبا قد ساهم مفكروها بإغناء الماركسية وتطويرها ، ويعتبرون الرأسمالية تطور طبيعي لمسيرة المجتمع البشري ، والنضال ضدها والقضاء عليها ليس بثورة العنف وتغيير كراسي الحكومات من رأسمالية طبيعية الى إشتراكية مشوهة ، وإنما عن طريق النضال السلمي والتدرج الطبيعي للعملية الثورية التي تنجم عن تفاعل المجتمع البشري. فخطوتان الى الأمام وخطوة الى الوراء ، وتليها ثلاث خطوات الى الأمام وخطوة الى الوراء ، وهكذا يتجدد الجديد ويستمر التطور وتستمر مسيرة المجتمع البشري الى بلوغ الهدف السامي .

فماذا لو أخذت الأحزاب الشيوعية والماركسية في البلدان العربية هذا المنحى الجديد وتهيئ نفسها لإعادة النظر في تراثها "الماركسي" وتحاول تجديد مفاهيمها وتحليلاتها وتخرج لشعوبها بفكر جديد يتواءم مع التطور الطبيعي ، وتقود مجتمعاتها نحو الحرية والديمقراطية ، وتساهم في بناء الإنسان المتحضر الراقي كبقية الشعوب التي سبقتنا بمسافات طويلة .

ربما سيستشيط عليّ غضباً بعض الكلاسيكيين الذين يعتبرون أن ما أطرحه اليوم هو الإنحراف بعينه عما هو متعارف عليه من التراث الماركسي التقليدي ، ولقد تلمست أثناء متابعاتي للكثير من الكتاب والمحللين والنقاد في هذا المجال أن هناك شعوراً بالحرج أو ربما بالخجل أثناء التطرق والمساس بما هو مألوف وتقليدي ، الأمر الذي جعلنا نتردد ألف مرة إذا ما حاولنا أن نخطو خطوة جديدة الى الأمام ، يعنى ذلك نحن مازلنا نخشى التغيير والتجديد . ولهذا لم يظهر لنا أو يبرز فلاسفة ومفكرون ومنظرون مرموقين على المستوى العالم العربي لتسترشد بإنجازاتهم شعوبنا . وهذا ليس دليلاً على ان مجتمعاتنا قد أفرغت من العقول ، فشعوبنا لا تختلف عن الشعوب ألأخرى ، وتراثنا يدلنا على ذلك . ولكن هناك عوائق كثيرة غير التي ذكرتها أدت الى أنزواء أو اختفاء أو تجميد العقول ، أهمها القمع السلطوي والقمع الديني والقمع الذاتي .


المصادر :
1 - الماركسية ، من فلسفة للتغيير الى فلسفة للتبرير – عطية مسوح
2 - أزمة اليسار العربي ، الى أين ؟ جورج حبش
3 - الثقافة الجديدة عدد 277

 

ستوكهولم
24 حزيران 2017
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter