|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  31  / 7 / 2017                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 

 

 إسرائيل الرحيمــة

عبد الباقي يوســف  (*)
(موقع الناس)

ربما لم يمر العرب والمسلمون بمرحلة هي أكثر سوءاً مِمّا هم عليه في هذا الوقت، حيث تحوّلوا إلى وحوش ضارية ينهشون لحوم بعضهم البعض، ويؤجّجون البغضاء بين بعضهم البعض، إنهم يفصحون عن حجم الوحشية الكامنة في أعماقهم تجاه بعضهم البعض، وتجاه الإنسانية والحضارة الإنسانية بشكل عام. فترى المسلمين يلاحقون حتى شبان وأطفال بعضهم البعض في مخيّمات اللجوء ويمارسون أسوأ أشكال الوحشية معهم، يتسبّبون في موتهم برداً في الشتاء وحراً في الصيف، يتسببون في موت الأجنة في بطون أمهاتهم، يتسببون في موتهم جوعاً حتى يتحولوا إلى هياكل عظمية، يجنّدون إعلاميين وقنوات فضائية غايتها الوحيدة هي التأجيج شطر مزيد من انتهاكات وفظائع إنسانية، وكل طرف يستقوي بقوى مسلمة أو غير مسلمة أخرى ليلحق ما يمكن له أن يلحق من الأذى والويل بحق الآخر؛ وإذا قارنا كل أشكال الانتهاكات الإنسانية بحق بعضنا البعض خاصة في السنوات الست الأخيرة، نرى بأن إسرائيل كم تبدو رحيمة، وهي التي لم تقم بذبح المدنيين علناً، لم ترمهم من الأودية أحياء، ثم تطلق عليهم النيران، لم تقم بحرقهم أحياء، لم تتخذ من النساء سبايا وبيعها في الأسواق كما تُباع الدواب، لم تقم باغتصاب نساء بريئات، لم تدمّر أماكن العبادة، لم تحرق الزرع، فكانت الحرب في ساحة الحرب بين جيشين بعيداً عن الأماكن السكنية، ولكن المسلمين يتقصدون الحرب في أكثر الأماكن ازدحاماً بالسكان، ويهدمون الأبنية على رؤوس سكّانها الآمنين. خلال السنوات الست الماضية تبيّن بأن إسرائيل هي الدولة الأقل ضررا لِما يحدث في المسلمين، فلم تجنّد إعلاميين، أو قنوات فضائية لتؤججهم وتثيرهم على بعضهم البعض، لم تمدّهم بالأسلحة، لم تقم على أراضيها مؤتمرات إعلامية لتحريض طرف على آخر، لم تمنح رواتب لجهات متناحرة مع بعضها البعض.

ياه.. كم نحتاج إلى التهدئة، إلى أن يصمت كل هؤلاء الذين يمدّون رؤوسهم كالأشباح من خلف شاشات القنوات الفضائية ليزيدوا النيران اشتعالاً، كم نحتاج إلى أغنيات، وموسيقى، وزراعة أشجار، وزهور، كم نحتاج إلى مزيد من قنوات فنية، سينمائية، أدبية، ثقافية، إلى معارض الكتب، إلى المسرح، أجل إننا نحتاج إلى ذلك أكثر من حاجتنا إلى زراعة الألغام، والقنوات التحريضية، والإعلاميين التحريضيين الذين تطفح سماتهم بالقتل والرعب والفزع، لأنهم يعيشون ويظهرون ويتكاثرون في هذه الظروف الموبوءة،، ياه كم أنهم يتكاثرون كالجراد بوجوههم المحتقنة بالدماء، لقد اكتسب المسلمون الامتياز في العداوة تجاه المسلمين، فيذهبون إلى اصطيادهم حتى في خيم اللجوء، وإهانتهم وإذلالهم، حتى الذين يفرّون من العنف، فإنهم يرون على الحدود من الطرَف الآخر مَن يترصّدهم ليمارس بحقهم أسوأ أشكال العنف، أجل هكذا يستقبل المسلمون المسلمين الفارّين من عنف بعضهم البعض. فلا يدعونهم في ديارهم آمنين، ولا يستقبلونهم عندما يفرّون بأطفالهم ونسائهم من العنف، أجل أن كل أبواب غالبية الدول العربية هي مغلقة أمام طالبي اللجوء، وكنا نحن السوريون الأكثر عرضة والأكثر ضحية لكل أشكال العنف والخزي التي أعادتنا إلى العصور الجليدية، و رغم صمت الرعيل الأول من الإعلاميين المؤجّجين مع بدايات نشوب الأزمة السورية، إلاّ أن هناك مَن يصنع وجوهاً إعلامية جديدة، ويقدّمها إلى ساحة التأجيج والتصعيد، وليس هناك تناقض أكثر من تناقض أشخاص كانوا يدّعون بأنهم من دعاة حمل القلم والآلات الموسيقية والتثقيف، فأصبحوا بين ليلة وضحاها من دعاة حمل البواريد والألغام ليقتل السوريون السوريين، وليلغم السوريون الأرض تحت أقدام السوريين. ياه،، كم أن إسرائيل تبدو رحيمة أمام كل ما نمارسه من أشكال الانتهاكات بحق بعضنا البعض.

لكن لا يزال الأمل قائماً، وبوركت أصوات المحبة التي عملت وتعمل داخل سورية وخارجها من أجل التسالم ، بوركت مساعي المصالحات الوطنية بين السوريين، بوركت سواعد حماة سورية، بوركت كل الوجوه الإعلامية التي عملت وما تزال تعمل من أجل التهدئة، وعودة السلم والأمن والعمار إلى كل جزء من أجزاء الأراضي السورية.


 

(*) روائي سوري

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter