| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 30 / 7 / 2025 أرشيف المقالات
من الثورة إلى الدكتاتور
العراق تحت حكم صدام حسينفاروق الرماحي
(موقع الناس)
يروي بيتر سلوغليت في كتابه “من الثورة إلى الدكتاتور” سردية دقيقة ومركّبة لمسار العراق الحديث، منذ سقوط النظام الملكي عام 1958 حتى ترسّخ الدكتاتورية تحت حكم صدام حسين في الثمانينيات .
لا يتعامل المؤلف مع الوقائع كأحداث منفصلة، بل كتحولات متشابكة، تشكّلت عبر صراعات أيديولوجية، وتحالفات متبدلة، وسياقات إقليمية مضطربة، دفعت بالعراق من أمل التغيير إلى هوة الاستبداد .
ينطلق الكتاب من لحظة التأسيس الثانية للعراق، مع ثورة 14 تموز التي أنهت الحكم الملكي الموالي لبريطانيا .
لم تكن الثورة ، بحسب سلوغليت امتدادًا لحركة ديمقراطية مؤسساتية، بل تعبيرًا عن غضب تاريخي ورفض طبقي وسياسي لتراكمات عقود من التبعية والتمييز الاجتماعي .
ومع ذلك، فسرعان ما تآكل مشروعها بفعل الانقسامات الداخلية، وصراع القوى الوطنية بين القوميين واليساريين، وصعود شخصية عبد الكريم قاسم بوصفه قائدًا لهذه الثورة .
الثورة التي وُلدت على يد الجيش تحوّلت بسرعة إلى صراع داخل الجيش نفسه، وإلى انقلابات لاحقة كان أولها انقلاب البعث في شباط 1963، والذي يراه سلوغليت نقطة مفصلية في تاريخ عسكرة السياسة العراقية واختراقها من قبل شبكات استخبارات أجنبية، خاصة الولايات المتحدة .
لم تكن مرحلة البعث في بداياتها سوى مشهد دموي قصير، فشل في تثبيت حكمه وانقلب على نفسه في صراعه مع القوميين ، حتى أعاد ترتيب صفوفه عام 1968، مستفيدًا من تراجع القوى الأخرى وانكفاء الشيوعيين .
يبرز هنا نجم صدام حسين، ليس كقائد سياسي بل كمهندس أمني صاعد، بدأ منذ أوائل السبعينيات بترسيخ قبضته عبر بناء جهاز أمني معقّد يخترق الحزب والجيش والمجتمع .
يتتبع سلوغليت بدقة مسار “البعثنة” الشاملة للمؤسسات، وتحويل الدولة إلى ذراع تنفيذية للحزب، ثم إلى أداة طيعة بيد شخص واحد.
التحوّل لم يكن مجرد تطور طبيعي لحزب شمولي، بل نتيجة منهجية لاستخدام العنف الرمزي والمادي، ومراكمة الرعب بوصفه وسيلة حكم .
في هذا الإطار، لم يكن تأميم النفط عام 1972 مجرد حدث اقتصادي، بل لحظة حاسمة تحوّل فيها المال العام إلى وقود سياسي لتمكين السلطة، وتمويل آلة القمع، وشراء الولاءات داخليًا وخارجيًا .
يعالج الكتاب هذه المرحلة بوصفها بدايات بناء الدولة الريعية القمعية، التي لا تقوم على التمثيل أو المشاركة، بل على توزيع الريع مقابل الصمت، أو الولاء، أو الانتماء الحزبي القسري .
تأتي الحرب العراقية الإيرانية لتمنح صدام الفرصة الذهبية لترسيخ ديكتاتوريته، تحت ذريعة مواجهة الخطر الخارجي .
الحرب لم تكن فقط عسكرية، بل استخدمها النظام لإعادة هيكلة المجتمع، وتمزيق النسيج الوطني، وقمع أي صوت مختلف باسم المعركة .
يصف سلوغليت كيف استخدم صدام الخوف والخطاب القومي والعشائري في آن واحد، وكيف أعاد ترتيب طبقات الولاء على أساس الطائفة والعائلة والحزب .
في هذه المرحلة، بلغ العنف السياسي ذروته، من حملات الإعدام الجماعي إلى استخدام الأسلحة الكيميائية، خاصة في الشمال ضد الأكراد، في ما أسماه الكاتب عملية “هندسة اجتماعية دموية” هدفت إلى إعادة رسم العراق بالقوة والإبادة .
ما يميز تحليل سلوغليت هو أنه لا يقدّم صدام بوصفه شيطانًا منفردًا، بل نتيجة مسار طويل من انهيار المؤسسات، وغياب الثقافة الديمقراطية، وهيمنة العسكر على المجال السياسي، وفشل النخب في صياغة عقد وطني جامع. فالثورة التي بدأت باسم الشعب انتهت بحكم الفرد المطلق، والثورة التي طمحت للاستقلال الوطني انتهت باعتماد كامل على النفط وسوق السلاح، وعلى تحالفات خارجية مبنية على الخوف والمصالح .
إن العراق، في قراءة هذا الكتاب، لم يُختطف من الخارج فقط، بل من داخله أيضًا .
لقد انزلق تدريجيًا من لحظة حلم إلى كابوس، من خطاب التحرر إلى خطاب التهديد، ومن زعيم جاء باسم العدالة الاجتماعية إلى طاغية حكمه بالدم والحديد .
وبين هذه المحطات، كانت الديمقراطية غائبة، وكان الشعب في الغالب مجرد متفرج على ما يُصنع باسمه دون أن يُستشار أو يُنصف.
بيتر سلوغليت، في كتابه هذا، لا يكتب فقط عن العراق، بل عن كل ثورة لم تملك مشروعًا واضحًا للحكم، وكل شعوب أُجهضت طموحاتها بأيدي من وعدوها بالتحرير، فحوّلوها إلى رهائن في جمهوريات الخوف .
30 تموز 2025