|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  27  / 9 / 2016                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 


 

الشهيد الخالد يحيى عباس البارح

خالد حسين سلطان
(موقع الناس)

من مواليد 1923 بغداد محلة فضوة قرة شعبان، وهي من محلات شارع الكفاح (شارع غازي سابقا) العريقة والقريبة من ساحة السباع وقمبر علي. انتمى في بداية شبابه لصفوف الحزب الشيوعي العراقي ومن رفاقه الأوائل وابناء محلته الشهيدين الخالدين محمد صالح العبلي ونعمان صالح محمد، حيث كان في شبابه يتردد ويلتقي بمكتبة افتتحها الشهيد العبلي في شارع غازي وباسم الشارع نفسه حيث تجري النقاشات والمحاورات في كل الامور والسياسية منها ومحورها الشهيد العبلي وبأسلوبه المرن والسهل بالإضافة الى بيع واعارة الكتب .

استشهد في مجزرة سجن الكوت بعد ضربه بعنف ووحشية بالهراوات وأخمص البنادق في الثالث من ايلول 1953، وهي المجزرة التي ارتكبها رجال الشرطة والسجانين وبأمر من اسيادهم في التحقيقات الجنائية ضد سجناء عزل وقد كتب الباحث الدكتور سيف عدنان القيسي عن احداث سجن الكوت ما يلي : (ما جرى في سجن الكوت قد أبتدأ بشكوى قدمت في الخامس من تموز 1953، الى أدارة السجن حول قلة الطعام واحتجوا بمرارة على أساليب التعذيب الجسدي الذي تعرض له الشيوعيون، تلك الشكوى عدتها السلطات المختصة محاولة للإساءة الى الحكومة والتشهير بها، ولذلك وصلت الى سجن الكوت يوم السابع والعشرين من تموز محكمة خاصة أعضاؤها من بغداد تحمل تعليمات صارمة بمعاقبة مقدمي العريضة، عقد المجلس العرفي العسكري في غرفة مدير السجن جلسته صبيحة الثالث من آب وأصدرت أحكاماً بحق مقدمي العريضة بعد أن استدعتهم واحداً بعد واحد بعد أن وجهت لهم تهمة قراءة الاناشيد الثورية) .

ومن جهتها وبدلاً من تلبية مطالب السجناء بزيادة كمية الطعام أخذت أدارة السجن بقطع الماء والطعام والكهرباء عنهم، وذلك لتحطيم معنوياتهم، مما دفع السجناء الى حفر بئر ماء داخل السجن بمشورة احمد علوان، أحد ملاكات الحزب الشيوعي في البصرة، ولم تفلح محاولات أثنين من السجناء الشيوعيين " محمد عبداللطيف و حسقيل قوجمان " في تخفيف نسبة الاملاح في ماء البئر، وتولى شيوعي أخر (أكرم حسين) تدبير أمور الغذاء للسجناء. إن التنافر اشتد بين السجناء وإدارة السجن، تطور باعتلاء رجال الشرطة سطح السجن ورميهم السجناء بالحجارة فلجأ السجناء الشيوعيين الى مكبرة صوت لإيصال صوت استغاثتهم الى سكان مدينة الكوت .
ومع كل وسائل الترهيب, سواء كان بالرصاص والتهديد بالموت جوعاً وعطشاً, وبين الترغيب, صدرت أرادة ملكية بأطلاق سراح عدد من السجناء الشيوعيين, الا أن السجناء رفضوا الاذعان لمثل تلك السياسة، ولاسيما أن السلطات الرسمية اشترطت لأطلاق سراح السجين التخلي عن أفكاره، واتسعت دائرة الاغراء بالعفو عن التائبين من المبادئ الشيوعية. لم تنفع كل تلك الوسائل، بل وصل الامر الى استخدام الرصاص ضد السجناء، يوم 18 آب، مما أدى الى استشهاد صبيح مير، من منظمة راية الشغيلة، وتبعثر دماغه على جدران قاعة السجن، وجرح سجين آخر لم تسعفه إدارة السجن الا بعد تسليم السجناء لجثة صبيح مير الى ادارة السجن .

وأصدر الحزب الشيوعي العراقي بياناً وصف فيه الحادثة بأنها "مذبحة جديدة تقيمها حكومة المدفعي - السعيد المجرمة بحق السجناء السياسيين الاحرار في سجن الكوت،.... الشرطة تستمر في أطلاق الرصاص على السجناء العزل في مساء الاربعاء وصباح الخميس وقد مات احد السجناء العزل.. حياة السجناء في خطر،... الشرطة تقطع الماء والطعام عن السجناء وتنصب رشاشاتها على سطح السجن..".

ونظم الحزب الشيوعي مظاهرات تندد بالحادث وتطالب بإقالة حكومة المدفعي وإلغاء الاحكام العرفية، الا أن السلطات الحكومية كانت حازمة في مهاجمة المتظاهرين واعتقال (أثنين وعشرين) متظاهراً.

وأمام هذا الحزم الذي أبدته السلطات الامنية و معاناة السجناء وتردي أوضاعهم الصحية، فاتح السجناء إدارة السجن بإنهاء الحصار الغذائي عنهم، الا إن إدارة السجن لم تستجب لمطلبهم، واستمر الحال حتى الثاني من أيلول1953 إذ بدأت مفاوضات انتهت بالسماح بدخول وتفتيش السجن للبحث عن الاسلحة التي يعتقد أنها بحوزة السجناء. كان التفتيش استفزازياً ودقيقاً إذ أستمر بين الساعة الثالثة والنصف ظهراً حتى الخامسة الا ربعاً من صباح اليوم التالي، صودرت من خلاله رسائل ومناشير وأدوات حادة. وما فجّر الموقف مجدداً هو أن أدارة السجن طلبت أسماء (خمسة عشر) سجيناً يطلب نقلهم، وكانت أدارة السجن قد احتجزت ممثل السجناء (اكرم حسين) وممثلاً آخر معه، وبعد تقديم الطلب ساد صمت رهيب، وكرر مدير السجن (هادي الجاف) طلبه، وفي الثالث عشر من أيلول أصر السجناء على مطلبهم بإعادة الوفد المفاوض اولاً، ومن جانبه أصدر مدير السجن أوامره للشرطة باتخاذ الاجراءات ضد السجناء، فهاجموا السجناء بالهراوات والمسدسات، وأطلقت الشرطة من فوق سطح السجن النار عشوائياً بعد إطفاء الضوء، تلك المواجهة الاعنف من نوعها بين السجناء الشيوعيين العزل من السلاح و قوات الشرطة المدججة بالأسلحة النارية تمخضت عن استشهاد ثمانية شيوعيين و جرح أربعة وتسعين، من مجموع (مائة وثلاث وعشرين) سجيناً شيوعياً، كما أصيب (أثنى عشر) شرطياً و (ستة عشر) سجاناً ببعض الخدوش .

وإذا كانت مواجهات الثامن عشر من آب قد استشهد فيها أثنان من السجناء الشيوعيين "صبيح مير ووحيد منصور"، فأن الشهداء الشيوعيين يوم الثالث عشر من أيلول هم "أحمد علوان وجبار الزهيري ورؤوف صادق الدجيلي وعبدالنبي حمزة ويحيى عباس البارح وهادي جواد ومحسن حداد وحسن مهدي حبيب", وبمعنى آخر فأن التضحيات تضاعفت بين صفوف الشيوعيين الامر الذي يؤشر تزايد حدةّ المواجهة بين السلطة الحاكمة والشيوعيين .

واتخذت السلطات الحكومية وراء المجزرة البشعة قراراً بنقل باقي السجناء الى سجني بعقوبة وبغداد المركزي، وقام عبد الجبار أيوب مدير سجن بغداد "بمتطلبات الضيافة من التعذيب العشوائي بحق السجناء". أصدر الحزب الشيوعي بياناً أستنكر الحادثة، معلناً عدد القتلى في سجني بغداد والكوت مشيراً الى أن قتلى سجناء الكوت بلغ ثمانية و (50) جريحاً. لم تمر تلك الحوادث الدموية دون أن تلقي بظلالها على حكومة جميل المدفعي إذ كثرت المطالبات بعدم استخدام السلاح ضد السجناء، وتوجه المفتش الاداري بوزارة الداخلية ومفتش الشرطة الى الكوت لإجراء التحقيق ورفعا تقريراً مطولاً عن الحادثة.)

وثق الشهيد الخالد عبد الجبار وهبي (ابو سعيد) اسماء شهداء مجزرة سجن الكوت 1953 بكتابه النادر (من اعماق السجون في العراق) واصدره باسم (محمد راشد) وقد دون فقرات منه الصديق العزيز محمد الشبيبي على شكل حلقات على مواقع النت على امل نشره كاملا في المستقبل، سجل ابو سعيد عن الشهيد البارح ما يلي :

(... والشهيد السابع يحيى عباس البارح من اهل بغداد، مناضل ديمقراطي واكب الحركة الثورية منذ 1946 وساهم في مظاهرات جماهير بغداد. واعتقل في احدها في 5 أيلول 1948 فحكم عليه المجلس العرفي العسكري بالحبس لمدة سنتين. أمضى مدة سجنه في نقرة السلمان. وعند اطلاق سراحه، سافر الى ايران واتصل بالمناضلين الايرانيين وبعد رجوعه الى العراق كتب سلسلة مقالات قيمة في الصحافة العراقية بعنوان (انا عائد من ايران) والقي القبض عليه مرة أخرى بعد وثبة تشرين الثاني 1952 فحكم عليه المجلس العرفي مرة أخرى بالسجن سنتين. كان قصاباً في مهنته، تابع دراسته المتوسطة في المدارس المسائية. واستشهد بالضرب باخامص البنادق والهراوات والبساطيل، وفارق الحياة في المستشفى بعد بضع ساعات من المجزرة عن عمر جاوز الثلاثين تاركاً وراءه زوجة وطفل .)

وكتب ابو سعيد ايضا : (في يوم 27 تموز 1953 زار سجن الكوت، على حين غرة، مدير السجون العام المدعو (طاهر الزبيدي) يصحبه الجلاد الذائع الصيت (عبد الجبار ايوب)، مدير سجن نقرة السلمان سابقاً وبطل مجزرة بغداد .... وتحت اشرافهما جرى تفتيش دقيق على السجن وأثناء التفتيش، حاولا، بمختلف الطرق، استفزاز السجناء وتصديع وحدتهم .... وحضر في الوقت نفسه من بغداد، وخلافاً للقانون، المجلس العرفي العسكري بكامل أعضائه، وتحولت غرفة مدير السجن الى قاعة " محكمة " مغلقة وسرية لا يسمح بدخولها لغير العملاء والجلادين. ومنعت الحكومة عدداً من المحامين الديمقراطيين الذين تطوعوا للدفاع عن السجناء ....

كانت " المحكمة " مهزلة بالمعنى الكامل. رئيس المجلس (جميل عبد الحميد) يصرخ ويهدد كأي شرطي أو سجان، ومدير السجون العام ومدير سجن الكوت وعبد الجبار أيوب (وهم ليسوا اعضاء في هيئة المحكمة) يواظبون على حضور الجلسات ويساهمون في إدارة المناورات والمناقشات السياسية والعقائدية والمحكمة لم تحصر اهتمامها بتهمة معينة .... فتارة تشغل المحكمة نفسها بالشتائم، وأخرى بفلسفة عرقية شوفينية أو طائفية، أو بإغراءات وملاطفات ووعود معسولة يعقبها تهديد باستعمال العنف! وقد هدد رئيس المجلس ممثل السجناء بالشنق!... وسرد يحيى عباس البارح (الذي استشهد أيضاً فيما بعد)، في مجرى دفاعه : .... وفضح التضليلات الاستعمارية وأكاذيب دعاة الحرب ومرتزقتهم في العراق والبلدان العربية، وشرح موقف الاتحاد السوفياتي الصائب من القضية الفلسطينية، وهاجم الاستعماريين الامريكان والانكليز والصهيونيين والرجعيين العرب، الذين تآمروا في الحرب الاستعمارية القذرة في فلسطين وأحبطوا قرار الامم المتحدة الذي ضمن استقلال فلسطين وقيام دولة عربية مستقلة في جزء منها .....)

شيع نعش الشهيد البارح تشييعا شعبيا مهيبا اختلطت فيه جماهير الحزب مع عمال وكادحي وعوائل شارع الكفاح انطلاقا من فضوة قرة شعبان باتجاه مقبرة الشيخ عمر ليسجل هذا التشييع مأثرة نضالية خالدة ولطمة في وجه النظام الحاكم واجهزته الامنية .

- للشهيد ولد واحد (زكي)
- حملت العائلة لقب البارح نسبة الى احد أجدادهم (بارح)
- كان الشهيد البارح يعمل قصاب وهي المهنة التي ورثها من ابيه

المجد والخلود للشهيد الخالد يحيى عباس البارح


26/9/2016 / بغداد
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter