|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  22  / 8 / 2018                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 


 

في الذكرى السبعين لوثبة كانون المجيدة 1948
الدروس والعبر

محمد جواد فارس  *
(موقع الناس)

لماذا أستذكار هذه المناسبة ؟ لإنها تؤكد على النجاح الذي الحقه الشعب العراقي بقواه الوطنية والتقدمية ضد معاهدة بورت سموث ،معاهدة الذل البريطانية العراقية لتكريس الاحتلال البريطاني للعراق ، عسكريا في أقامة قواعد عسكرية في مدينتي الشعيبة في البصرة والحبانية غرب اعلي الفرات . هذه الوثبة كتب عنها الكثير من الصحفيين والاعلاميين والقادة السياسيين ، فقد كتب خالد بكداش عميد الشيوعيين العرب أنذاك عن الوثبة : أعجوبة كلا لو لم تكن لكانت هي الاعجوبة .

لقد تم التوقيع على الاتفاقية في مدينة بورت سموث البريطانية في كانون الثاني عام 1948 من قبل الوزير البريطاني بيفن و رئيس الوزراء العراقي صالح جبر ، وقد اتخذ من مدينة بورت سموث الواقعة على البحر الانكليزي كونها من أهم الموانئ في المملكة المتحدة و هي من المدن القديمة والتي مضى على بنائها ما يقارب من 1500 عام ، وهي تبعد حوالي الساعتين عن العاصمة لندن ، وكان لوزارة الخارجية البريطاتية الرأي في الابتعاد عن العاصمة لندن التي تعج بالصحافة ومراسلي وكالات الانباء البريطانية والعالمية ، وبهذا جرى اللقاء الذي كرس لبحث تكريس معاهدتي 1930 و 1935 في بقاء قاعدتي الشعيبة والحبانية .

معاهدة 1930 بين العراق ودولة الاحتلال البريطانية تضمنت الامور التالية :

1- التشاور عن قرب مع بريطانيا في كل الشؤون العسكرية والخارجية التي تؤثر على مصالحها .

2- تقديم كل المرافق والمساعدة التي يمكن للعراق ان يقدمها لبريطانيا على أرضه زمن الحروب او التهديد بها . 3- الاعتراف بأهمية حماية المواصلات الاساسية لصاحبة الجلالة البريطانية في أنحاء العراق في كل وقت .

4- السماح لبريطانيا بأشغال قاعدتين حربيتين هما الشعيبة قرب البصرة والحبانية غرب الفرات الاعلى .

وتطلب الاتفاق المالي الملحق بالمعاهدة تحويل العراق لميناء البصرة والسكك الحديدية العراقية الى شركتين مستقلتين ، وخضعت الشركتان الى الاشراف البريطاني الفعلي .

ويذكر الباحث حنا بطاطو بكتابه الموسوم (العراق - الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى الجمهورية )

اقتبس منه النص (كان الفشل في استعارة ولاء الضباط يعود الى مظهر اخر من مظاهر السياسة الملكية في فترة ما بعد 1941 فمنذ كان التاج المعزول عن القومييين ، نريد ربط مصائر أكبر فأكثر بالانكليز ومشايخ العشائر وهو ما ولد مصلحة حيوية لا في أستمرار الارتباط بالانكليز فحسب بل أيضا في المحافظة على النظام العشائري ، ومما أدى الى أنتفاع التاج أكثر فأكثر بأتجاه تعميق هذا التحالف هو حصول سلسلة مع الانتفاضات الشعبية المدنية الضاربة الوثبة عام 1948 وانتفاضتا العامين 1952 و1956 وما تبع من ذلك في انحراف أجزاء كبيرة من الطبقات الوسطى والعمالية في المدن نحو اليسار)

بعد ان وقعت المعاهدة بدأت حركة طلاب الكليات بتجميع قواها للتظاهر ضد المعاهدة ، حيث كان الحزب الشيوعي العراقي الذي كان قد تشكل في أذار 1934 قد طالب في أسقاط حكومة صالح جبر بعد تشرين الثاني 1947 ، كرست الجريدة المركزية للحزب (القاعدة) كتابة مقالات حول الاستقلال الوطني وضرب معاهدات العراق مع بريطانيا وخاصة معاهدتي 1930 و1935 .

وكان حزب الاستقلال بقيادة فائق السامرائي وصديق شنشل واعضاء اللجنة العليا للحزب شددوا الى النزول الى الشوارع في اليوم التالي نزل الى الشارع طلاب مدرسة الكرخ الثانوية ، ففي الايام الثلاث 16 ،17 ،18 كانون الثاني نزلت الجماهير في تظاهرات وفي مقدمتها الشيوعيين وشركائهم من الديمقراطيين والتقدميين من العرب والاكراد ومن الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال ، واثناء المظاهرة أستشهد أثنان وجرح سبعة عشر ، وكان احدهم طالب صيدلة فجرت رصاصة دماغه ، واستمرت التظاهرات في العاصمة بغداد ومدن وقصبات العراق .

كتب يوسف سلمان يوسف (فهد) سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي رسالة من سجنه الى قيادة الحزب في مطلع شباط 1948 بعد الوثبة : ليس هدف هذه الحكومة أجراء تغيرات أساسية تحقق مطاليب الجماهير ، بل أن هدفها هو تهدئة الشعب ، واعادة المياه الى مجاريها ، وهو ما يعني في الواقع منح الامبرياليين و طفيلييهم الوقت لحياكة المؤمرات واستعادة السيطرة .. لهذا أبقوا عيونكم مفتوحة واحترسوا من كل ما يسلب الشعب مكاسبه ... من الواجب تعبئة الجماهير وحثها على التظاهر ، وتشكيل الوفود وتقديم العرائض والضغط من اجل الغاء معاهدة 1930 وجلاء القوات الاجنبية وأطلاق الحريات الديمقراطية وتأمين خبز لائق للشعب ومعاقبة نوري السعيد عميل الاستعمار الاول .

وكان للشاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم وكامل قزانجي دورا بارزا في توجيه المتظاهرين وكانت شعارات التظاهرة :

تسقط حكومة صالح جبر .
يسقط نوري السعيد
نحن مع الثورة الشعبية
عاشت وحدة العمال والطلاب
يسقط الخبز الاسود
أمنوا الخبز للشعب
أفرجواعن الزعيم فهد
أفرجوا عن أسود الكوت
تعيش الجمهورية

وقد ردد المتظاهرون هتاف (يعيش حامي الشعب) والمقصود كامل قزانجي فرد عليهم (عفوا ....عفوا أنا لست الا خادما للشعب) . ولابد من من ذكر المناضلة عبدوية الفلكي التي كانت لخمسة عشر سنة تحمل الراية وتتقدم الصفوف لعبور الجسر وسقط أربعة من رفاقها بنيران الشرطة. وكان احد شهداء الوثبة هو الشهيد جعفر الجواهري والذي ابنه أخيه شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري بقصيدته أخي جعفر .

أن أشتراك المرأة في وثبة كانون 1948 بشكل فعال ومنظم واستشهاد بطلة الجسر رمزا لبطولة وشجاعة المرأة العراقية ، من اجل أنتصار الشعب في فرض ارادته واسقاط السلطة الرجعية والغاء المعاهدة ، و اسقطت الانتفاضة معاهدة بورت سموث بوثبة الجسر.

ومن وثبة كانون على شعبنا ان يستمد منها الدروس والعبر .

1- شعب العراق لم يرضخ امام المعاهدات الجائرة والتي تكبل استقلال البلد ونزع سيادته الوطنية ، ولنا تجارب في التاريخ المعاصر ومنها ثورة النجف عام 1918 ومن ثم ثورة العشرين 1920 ووثبة كانون 1948 وانتفاضتي 1952 و1956 حتى ثورة الرابع عشر من تموز 1958 .

2- للقوى الوطنية والديمقراطية والقومية في تحريك الشارع العراقي وذلك بأقامة جبهات وطنية وقومية . 3- التأكيد على مبدأ المواطنة بدلا من المحاصصة الطائفية والاثنية والعرقية ، وذلك ببناء دستور جديد والغاء ما جاء به المحتل من أجل أقامة الدولة المدنية العلمانية .
 


*
طبيب وكاتب
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter