|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  20  / 5 / 2016                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 


 

فيصل لعيبي ....المنتمي

شاكر حمد *
(موقع الناس)

(1)

مدخل:

حين تتسع التجربة الفنية, لفنان تشكيلي, ويطول مخاضها عبر مسيرة طويلة من البحث والتجريب, ما بين تفاعلات المرسم وهلوساته اليدوية, العاطفية, وبين متاعب العقل ومخزون الذاكرة المثقلة بهموم الوطن وحضوره الشبحي على حامل اللوحة, يكون البحث في أسرارها الخفية - المعملية - أساساً موضوعياً لفهمها وتحليلها. وربما تكون المهمة شاقةً لباحث لم يتوصل الى فهم العلاقة بين أحداثيات تأريخ العراق السياسي, الإجتماعي خلال النصف الثاني من القرن العشرين وما تلاه من تطورات, وبين حضور هذا التأريخ في التجربة الفنية الشخصية لفنان مثل التشكيلي فيصل لعيبي وتجاربه في مشغله العملي.

خصائص الحرفة التشكيلية تتنامى على مبدأ الحرية الفردية, الحرية بمعنى وعي الضرورة حسب تعريف إنجلز. حيث لا ينفصل هذا المفهوم عن هذه التجربة الطويلة وشوطها التفاعلي في عوالم الغربة والهجرة والمنافي, يتجلى هنا بُعد الضرورة, بعيداً عن تفسيراتها التأريخية الجاهزة, وبقدر ما تتصل بالحاجات النفسية والتراسل العاطفي مابين الوطن وذاكرة المشغل الفني, يتجسم ذلك في هلوسات يدوية لا تتوقف عن التفاعل والإنفعال والتمازج والخوض في المواد الصلبة والسائلة والعجائن والأصباغ والأحبار, الورق والقماش والأرضيات الجافة والمنحوتات.

ثمة مفردة تتكرر مع هذا التفاعل وذاك الإنفعال هي العراق...وجه عراقي...مقهى بغدادية....الخ هو وطن الذاكرة الطفولية وتمددها الى أبعاد البيئة وأعماق التأريخ.

تحدثت مع فيصل لعيبي عن هذا الموضوع في زيارته الأخيرة الى البصرة بعدعقود من الغربة قال هي حالة الحنين الى الوطن ال (
home sick) الخلاّق ....

تحضرني هنا السطور التي كتبها جواد سليم , أيام كان الرواد يرسمون الطبيعة ويجالسون نخبة الفنانين البولنديين الذين جرفتهم أمواج الحرب العالمية الثانية الى بغداد وبينهم, وأكثرهم تأثيراً في روادنا, الفنان يوسف جابسكي. يقول جواد سليم ما معناه...(سألنا جابسكي مرةً: هل تحبون بلادكم؟ فأجابه أحدنا على الفور كلا..) وكان الجواب صادماً للفنان البولندي الذي قال بدوره أنتم مخطئون فبلادكم جميلة ولا تستطيعون خلق فن يخصكم ما لم يرتبط بحب البلاد.) -
مذكرات جواد سليم نشرها جبرا إبراهيم جبرا عام 1964في مجلة حوار اللبنانية -

ينسحب هذا التقييم على خصوصية الهوية, من البحث التشريحي, المتمثلة في تجربة الفنان فيصل لعيبي وهي فصول متممة لبعضها بداً من فصل تنمية الهوية الوطنية, التي حلم بها الرواد, ومروراً بحلقات المراسم والمشاغل والهجرات والمنافي وإرتحالات الذهن, الى فصل متاهات الذاكرة وهواجس الطفولة في محطة مابعد الستين وما بينهما من غياب ونفي, فصول المشاغل والمراسم المهاجرة, وأخيراً وليس آخراً فصل التراكمات التجاربية- الثقافية المسماة مجازاً (بالأسلوب) ومعناه النتاج الحسي والشعوري المتجدد في مرسم الفنان.

يمثل (المرسم) في نظر الفنان, ذلك الكيان المادي للزمان والمكان العالقين في الذاكرة الطفولية واليومية الثقافية ومجموع الحواس والأفكار وتراكمات البيئة البيتية القديمة. تؤكد لنا سلسلة معارض فيصل لعيبي الشخصية وعنواناتها هذا الإعتقاد وعلى مدى الفواصل الزمنية بينها حين نتابع سيرته الفنية وعلاقتها بالأصول الفكرية بداً من إشراكه حاسة الرسم بفضاء الشعر والموضوع الأزلي,المرأة, في عالمي الشعر والرسم وكان ذلك عام 1972 في معرض بعنوان (النساء والشاعر) عن قصيدة إمرؤ القيس (قفا نبكِ) ليتوالى تيار اللوحة والقصيدة والحكاية الشرقية في موجات معارض متتالية:

- (الفاكهة المحرمة – ميلانو- 1984)

- ( -الحب والحرب – روما- 1985)

- (أرابسك- 1986)

- (حالات - عنابة/ الجزائر-1988)

- (كان يا ما كان- 1991- ديوان الكوفة/ المملكة المتحدة )

- (قيامة آذار- 1992– لندن)

- (بدر البدور وقمر الزمان- 1997/ لندن)

- (الليالي العربية - 1998/بوتسدام- ألمانيا)

- (آه يايلادي - آه يا بين النهرين -1999- النحت/ديوان الكوفة/لندن)

- (قصص العشاق والمحبين -2001/كوبنهاكن/ الدنمارك)...

وفي هذه الرحلات التشكيلية نرافق تيار الذاكرة وهاجس الوطن وطوفان الحكاية العربية والمشهد العراقي الرافديني متنقلاً من بلدٍ إلى بلد.

تبدأ العمليات الأولية على تخطيطات ورقية تُستعاد فيها خبرات الفنان في دراسته الأكاديمية والطباعية والكرافيكية والملصق السياسي ,ورسوم الكاريكاتير - وهو من أبرز رساميها - والتصميم ورسوم قصص الأطفال وأخيراً وليس آخراً الخلفيات الثقافية الشرقية وإستحضار مؤثراتها ورموزها,ليتصل هذا الزخم بروح العصر وصراعاته ومدارس الفن الحديث ودراسات الفنان في فرنسا وإنكلترا ومراسم الفنانين الأوربيين. ولانغفل الوعي السياسي, بل النشاط السياسي الشيوعي, على مدى نصف قرن من تأريخ العراق الحديث. ومن الواضح أن نجد إمتدادات هذه البؤر الى مشغل الفنان :

- التجارب التخطيطية

- المنحوتات والرسوم الناتئة الملونة, بصيغة الإيقونات والحفريات.

- الكاريكاتير وأبعاده السايكولوجية.

- تصاميم أغلفة الكتب والمجلات

- العمل في مجلات الأطفال

- الرسم للقصائد والقصص والحكايات

- رسم الملصق السياسي. وغير ذلك من البحث والتنقيب وإلأكتشاف والتجريب والثقافة إلى ترسيم ملامح (الأسلوب الخاص) ومن سماته:

- البناء التصويري المُحكم في علاقات الخطوط والأشكال والسطوح والألوان والحجوم.

- الأنتقالات والتحولات في المواد والبيئآت والأرضيات وما يقف خلف ذلك من أفكار.

- الحس الشعبي الكامن في (موضوع) العمل الفني, نعم هنا يرتبط العمل الفني بموضوع يسمح لنا أن نسمي فيصل لعيبي بالفنان المنتمي, وفي ما مضى كان غالي شكري قد سمّى نجيب محفوظ بهذه التسمية.

ترشدنا تجربة فيصل لعيبي الى تفسير طبيعة العلاقات السرّية بين مخلوقاته – الجميلة منها أو الفوضوية الأنفعالية- وبين مواقعها الروحية المتصلة بالبيئة العراقية ويومياتها وحضارة وادي الرافدين.

يؤكد الفنان على أن تجربته هي إمتداد للمنهج الذي أسسه الرواد لذلك قدم معرضه في كاليري الكوفة في لندن عام 1999 بهذا الإهداء (الى عبد القادر رسام - مديحة عمر - جواد سليم - فائق حسن - كاظم حيدر)

الإنتماء هو المبدأ الخالق لأفكار اللوحات,عمقها العاطفي,ترددها التلقائي للرموز والأشكال والألوان وسحنات الوجوه والأماكن والبيوت وأوقاتها, الظهائر الصيفية والمقاهي والناس والأزياء والقباب والمآذن والأزقة وظلالها. إذا كنا نبحث عن الخطوط العامة لمفهوم الإنتماء للوطن والإنسان العراقي في هذا الزخم الإنتاجي علينا أن نتأمل التفاصيل البنيوية للأشكال المتكررة الظهور الى حد تكرار النمط الواحد وإعادة رسم الموضوع بتحويرات تنقل الفكرة الى معنى مضاف.

أما بناء اللوحة فيتبع التكوينات الإنشائية التالية والتي تُمثل أُسلوب الفنان, بحكم توظيفها للعناصر الفنية وعلاقاتها بأبعاد اللوحة ووضعها( العمودي/ الأفقي/ المربع/ الدائري/....الخ) وعلى النحو التالي:

- التكوين التشخيصي وعناصره تتكامل برسم شخصية واحدة وملحقاتها,تركزت حول شخصية الفتى العربي - البغدادي - والشخصية النسائية والمضمون الآيروتيكي في الحالتين.

- التكوين التجريدي ويعتمد تكرار وحدات هندسية بنائية وحروفية على مساحة كاملة وأحياناً توظف التجريدات والوحدات البَصًرية المتكررة ضمن التكوينات الكبيرة وفي الأرضيات والجدران والأفاريز, وهنا نستذكر مدرسة بغداد للتصوير ومدرسة الواسطي في بعض الحالات.

- التجارب التخطيطية السريالية للوجوه

- التكوين النحتي وقد شمل هذا النوع أعمال نحتية لوجوه ومنحوتات أُدخلت فيها مواد مختلفة ومواد منصهرة وحبال وخيوط وأصباغ.

- التكوينات التخطيطية السحرية ودوافعها الجنسية وتشمل مجموعة الورقيات والحبريات تحت عنوان (بدر البدور وقمر الزمان).

- التكوينات بالحجوم الكبيرة وتشمل الموضوعات المنفذة بالأكريلك على القماش وهي مجموعة المقاهي ذات التكوينات الأفقية الكبيرة ومثلها موضوعات الحرب والموسيقى والجلسات والثنائيات من شخصين ومجموعة الشخصية الواحدة كشخصية البغدادي المتكررة وثنائيات الحِرَف الشعبية والمهن وقصص الحكايات الليلية.

وسنلقي الضوء على نماذج من هذه الحالات في المتابعة التالية..
...............

الوجه العراقي بين الحروب والهجرات

للوهلة الأولى توحي تجربة فيصل لعيبي الطويلة بالإستقرار الظاهري لعناصر شكلانية واقعية. غير أن حقيقة التجريب المتواصل والتغييرات الجوهرية تتجلى في طفرات الفنان في رسم الوجوه من تصوّر لمفعوم الوجه الماثل واقعياً الى مفاهيم تأويلية وتدميرية وكشوفات سايكولوجية في تجارب تخطيطات لوجوه بالحبر ومنحوتات نُفذت بمواد مُختلفة نعلمُ منها أن موجات التجريب لا تعرف الإستقرار, ونعلم أيضاً أن الإستقرار في الفن معناه نهايات أشواط وحقب من التطور لبدايات جديدة. أصدق ما يُفسر هذا الإعتقاد نجده في تخطيطات فيصل لعيبي للوجوه السريالية التي يُطلق عليها عنوان (وجه عراقي) رسم الفنان بعضها عام 1990 في مدينة عنابة في الجزائر وتستمر هذه التخطيطات للوجه العراقي المطعون بالمآسي طوال العقد التسعيني في لندن. لهذه الوجوه السريالية تكوينات تقوم على فاعلية الخطوط الدقيقة المتموجة والمظفورة والمتداخلة بتقنية تشريحية يسترسل فيها قلم الحبر الى بلوغ الشكل الذي يصبح فيه الوجه العراقي كياناً شبحياً لحزمة من التمزقات والأشلاء المتداخلة مع بعضها, فلم تعد وجوهاً حقيقية, إنما تتصل بالتكوين الفني العام لتخطيط الوجه بصورته المركبة من التشكيل الغرائبي وتعبيرية فن الكاريكاتير الذي يُعتبر من أهم أدوات الفنان التعبيرية. تشمل هذه المجموعة وجوهاً ساخرة وإنطباعات عن بواطن الشخصيات مثل تخطيط لوجة بدر شاكر السياب مرسوم عام 1990 في الجزائر, وتخطيط آخر لوجه الشاعر محمد مهدي الجواهري. ومن خلال النظر في هذين العملين نعتقد ان الفنان إتبع مساراً إنطباعياً للحالات السايكولوجية الكامنة في الشخصية تبدأ من الصورة الخارجية للشخصية - شخصيات بعينها - ليتم وضعها في مختبر الفنان أو طاولة عمله تاركاً للقلم حرية السير على التضاريس والتجاعيد والغوص فيها والتنقيب والتحري عن الندوب والجذور والبؤر الباعثة على الأحاسيس والمشاعر ومواضع الألم والفرح والسخرية والدعابة والتعقيد والذهول, وقد أُبالغ في الزعم أن الفنان كان يرسم في لحظات إنشغال بحديث أو عابراً لموجة ذكريات. إن هذا الإسترسال التخييلي في خطوط الحبر أنتج حقلاً من التكوينات الغرائبية الصاخبة بالإنفعالات وبالأصول التعبيرية المتراكمة في ذاكرة الفنان التجريبية لفن الكاريكاتير ودراساته على الورق.

عام 1998 نرى بورتريت (45 x 63سم) بالأكريلك على الورق لوجه الفنان كاظم حيدر, نرى موجة من الوحوشية اللونية الطاغية باللون الأحمر. ربما تكون الأوراق الصغيرة أقرب من الأعمال البانورامية في كشف المستور السايكولوجي لعمل الفنانين ذلك لأنها تبدأ ولا تنتتهي عند حدود الخيال والإنفعال بالمادة وعدم الإنسياق لإشتراطات المتلقي الذوقية فهنا, وفقاً لهذا الإعتقاد, مجموعة لوحات – إنفعالات إتخذت عنوانات مثل (
ansikt ) المرسوم عام 1990 بالأكريلك على الورق بقياس 31x 39 سم وعمل آخر عام 1991 من نتاج الموجة التسعينية السايكولوجية, موجة إنصهار وتشويه الوجوه ووضعها أمام مرايا سريالية متعرجة أو مقعرة, تتمدد فوق سطوحها أجزاء من الوجوه وتتقلص أجزاء أُخرى. في النهاية يصبح الوجة المألوف تكويناً مألوفاً بتشويهات مألوفة بالتشريح التكوني لعلاقات العناصر اللونية الجديدة. من هذه الإنصهارات الوحوشية تكونت الوجوه الشبحية المرعبة في حجوم مختلفة كالعمل الملون بقياسات (120x 120سم) والمعنون skrik بالأكريلك على القماش, والأكثر وحوشيةً و تمزيقا للشكل الطبيعي وتصويراً لعالم الأحلام الباطنية والكوابيس الليلية, والمنشور في كراس الفنان لمعرضه المعنون (بلادي العراق) في المتحف الوطني في النرويج.

تستوقفني في هذه الرسوم طبيعة موضوعاتها وعلاقاتها مع مكان رسمها (المنفى) وزمان رسمها في العقد التسعيني , بالإمكان قراءة الزمن العراقي لهذا العقد الكالح والمزدحم بالعقد النفسية والأمراض العقلية وتدهور مقومات الشخصية العراقية بالإضطهاد والجوع والنفي, فالعقد التسعيني يمثل الخلاصة التي تجمعت فيها شرور العقود الخمسة التي سبقتها والتي طفحت في رؤية الفنان وهلوسات مشغله الورقية والتي تتصل بالتحولات في المواد للوجوه المنفذة بالنحت. فهنا يتسرب اليورانيوم الى الشخصيات ويبدأ التدهور من إختلال الجملة العصبية فالتشويه الشامل الذي أنتجته العقود الماضية. فهل أتوصل الى الزعم بأن شخوص فيصل لعيبي تعرضت للإشعاع النووي بما فيها شخوصه الجميلة؟ وإلاّ كيف نُفسر شمول الجميع بهذا السرطان الشامل؟ .
......

يتواصل جريان الحالة العراقية في سايكولوجيا الوجوه الى حرفيات مشغل الفنان وطبيعة المواد الصلبة والسائلة وتقنيات الصب واللصق.

نحت الوجوه... أو الرسم البارز... وهي أشبة بالإيقونات ولكن من طراز عصر السريالية, تنقل حالة الإنفعالات التخطيطية من الورق الى الكتلة النحتية الملونة فالرسم هنا يقترب من التجارب العالمية. رؤوس تُذكرنا بمنحوتات هنري مور في تجريداته التكوينية وإنصهارات جياكوميتي القائمة على عنصر التعرية والحذف والتآكل وهياكله المستلبة من مخلفات الحروب. تكوينات الوجوه تُحاكي المكتشفات العائدة للألف الثالث قبل الميلاد, عرضها الفنان 1999 في معرضه الشخصي في قاعة الكوفة في لندن, المرحلة التي يمكن تسميتها بتجريبية المشغل, وهي مرحلة إعتكافية, تنقيبية في الحفريات المُتخيَّلة وإكتشافات العصر الحديث, ما بعد السريالية. فتشكل نموذج الوجه الموميائي المطمور بالأزمنة والتواريخ. وجه مُزدحم بالتضاريس والحزوز والأعصاب والجروح في نفس الوقت تظهر العيون كالنتؤآت والندوب المُتحجرة, ما توصل إليه الفنان من قلق وعدم إستقرار كان في إنتقالاته المتقاربة في تقنيات المواد وعلاقاتها التفاعلية والإنفعالية في حالات الوجوه, ففي التخطيطات كانت الإضطرابات النفسية الصاخبة والصدمات المُفاجئة تُشكل المضمون الحقيقي للتكوينات الخطّيّة التي تقوم مقام المشارط التشريحية, أما في المادة الصلبة فالوجوه إجتازت مراحل التشريح والتعذيب الى الصمت والتحجر والسكون في الأقبية.

لابد من وقفة مقاربة مع تيارات الوجوه عند فيصل لعيبي, بين هيكلة الخراب و هذا التدهور الجسماني من جهة وبين تورد الوجوه والموجات العاطفية من جهةٍ أُخرى. في هذه المقاربة لابد من قراءة فاعلية الزمن وخلفياته لفنان مُهاجر يتنقل في مدن المنافي ومدى إنعكاس هذا الترحال على هجرة المرسم وإرتحالات التجربة بين الأماكن والأوساط المتلقية على إختلاف مستويات التلقي ومن ثم التجاوب مع هواجس موضوع الفنان وصوت ذاكرته المتردد (بلادي العراق), ما يدعو للتساؤل أن التشويهات والوجوه الجميلة رُسمت في أوقات متقاربة في العقد التسعيني ومطلع القرن الجديد, فهل نعتقد أن هاجس (العراق بلادي) وراء هذه الضوضاء المرسمية وإنفعالات الغربة ؟ لا يمكن الإجابة على السؤال دون الخوض في التفاصيل بما فيها المواد وعدم الإستقرار ونمط الحياة والإتصال مع الوطن والذاكرة, تنشط الذاكرة حين تبتعد عن بيئة طفولتها, أو تسكن في الغربة, فالوجوه الطفولية الجميلة كانت تتحدث, تهذي, تتساءل, وتُرسل الإشارات الى مراكز المحيط الخارجي, محيط الغربة. تكوينات هذه الوجوه تقوم على العلاقات السرّية للنظرات وللحوارات الصامتة مع المشاهد والفنان, ربما تتساءل عن سبب وجودها في ملتقيات تخص الكبار وإنشغالاتهم كالمقاهي والمهن والمتاعب. وهناك تساؤلات عن السكون الصادم والذهول المُفجع في الوجوه الطفولية, ونعيد الشك بتعرض الجميع لليورانيوم فهم يسكنون العراق وربما....!

تتوغل التقنية السريالية رسماً ونحتاً في تجريد الوجوه والهياكل النحتية الملونة كالأثريات والأزياء القديمة بالخطوط الناتئة والمحفورات التي ظهر بعضها في معرض الفنان في لندن- قاعة الكوفة- تحت عنوان (آه يا وطني... آه يا بلاد مابين النهرين) [غلاف المعرض].

........

هيمنة الموضوع وإعادة الرسم

مجموعة لوحات الشخصية الواحدة, نستطيع أن نسميها مجازاً (بورتريت) وهي غير ذلك لأنها تقوم على بُنية إفتراضية لشخوص وهمية, متخيلة, وذات غايات نقيضة لوظيفة البورتريت, حيث تكون الغاية إظهار شخص بعينه في وضعه الذاتي وكيانه الخاص, ولذلك فالقيم السائدة تلتزم بمتطلبات ذلك الوضع التأريخي للشخصية المرسومة (الموديل), وقد كسر بيكاسو هذه القاعدة الإعتبارية للشخصية المعنوية للموديل بتركيز مهمة الرسم على تناقضات ظاهر الشخصية وباطنها وأمثلته عديدة ومتنوعة في هذا الإتجاه. أما في الحالة التي ندرسها فالشخوص ظواهر حضارية وتقوم على مسايرة المنظور التقليدي, ظاهرياً, بأنماط شخوص متواضعة إجتماعياً, بل تُشير الى حقائق طبقية ومراحل تأريخية لاتخلو سماتها من النقد والسخرية والإستنكار. فالغاية تكمن في تجسيد الوضع التأريخي الشامل في زمان ومكان معلومين. إتخذ الفنان من الشخصية البغدادية, في إعلاء قيمها الذكورية إجتماعياً وتمثلها الأوساط الشعبية, بالزي المحلي, الكوفية والصاية, ومع النارجيلة بيد والمسبحة بالأخرى, وإستكان الشاي أمام الرجل البغدادي. وجوه متوردة, إبتسامات غامضة, ثمة خفايا وأسرار في النظرات الحادة والمتسائلة - سنتوقف عند دلالاتها في بعض اللوحات - من هذه المجموعة المكوجي, صباغ الأحذية, بائع الخضار - في عملين - والفتى صاحب النارجيلة - في عملين - ضمن معرض الفنان الشخصي في كاليري الكوفة في لندن – 2004- تحت عنوان (المقهى البغدادية – ذكريات من شبابي).

في ذاكرة الفنان نماذج - فردانية - مُعاقة, كما في وقفة صباغ الأحذية وفي العديد من الوقفات المشابهة,في هذه النماذج يوحي عمل الفنان ,البالغ الدقة والتعبير, عن خطوات دراسية لمشاريع لاحقة ستظهر في تصوير المجموعات التأملية الجالسة في المقاهي. في نموذج صباغ الأحذية تفاصيل دراسية, واقعية مُحكمة, عن حالة الصبي الإجتماعية, الوسيم الناقل لملامح الفنان في صباه ومع تميّز العمل بالنظافة وتقنية الملصق إلاّ أن مضمون العمل يتمثل في إشارتين, الأولى علة الإعاقة في الساق اليسرى والثانية في التحدي وتجاوز العلة والزهو بالعمل, وتشير التفاصيل الى إعلاء مكانة الشخصية الفقيرة. يرتدي صباغ الأحذية صدرية بيضاء مفتوحة لتُظهر لنا بلوزة مُقلمة عرضياً وشروال بنفسجي ملفوف عند الركبة, بيمناه فردتي حذاء مصبوغتين ومع إرتفاع الكتف اليمنى تتهدل اليد اليسرى بثقل عدة الصبغ لتضيف الى جانبه الأيسر المعلول خللا جسمانياً ومتاعب إضافية. يحرص الفنان على نقل التفاصيل بدون تشويش ولا ضبابية أو إيهام, فإذا رصدنا تصوير حركات الأقدام نكتشف أن وضعاً إجتماعياً, نفسياً, يساير الشخصيات ويعبر عن علاقة مع مضمون الفكرة, فالأحذية المشبكة للصبيان توائم النزوات الطفولية المتقاطعة مع حالاتهم الواقعية. بإستطاعتنا أن نُفرِّق بين المواد وطبيعتها وملمسها, وقد رُسمت الشخوص على أرضيات صافية, مُضاءة, بأقل مايمكن من الإضافات المحسوبة على السطوح. في لوحة (المكوجي جاسم) تفاصيل من النوع القريب من توازنها زخرفة المثلثات على صدرية المكوجي, وبإسلوب الفن البَصَري كالنقش على السجاد, في السياق العام توظيف للزخرفة الهندسية في الأرضيات تقابلها طيات الثياب وألوانها وحركة الشخوص. وقد نكتشف خصائص مشتركة في موضوعات المهن والبيئة الإجتماعية مثل:

- التكوين من شخصين أحدهما يُعبر عن قيم البيئة الزمانية والمكانية. والآخر يعود للفنان في صورة الصبي حامل صينية الشاي.

- الخلفيات الفارغة والتي تؤدي وظيفة الفضاء النقي الذي يمنح الشخصيات تفردها أمام الرصد القادم من خارج اللوحة.

- الأرضيات الزخرفية وتأثيرات فن المنمنم من مزايا الأصالة التشكيلية العراقية وقيمها التأريخية المتعاقبة

- الإكسسوارات.... متممات الموضوع بالقيم الفكرية والإجتماعية والأخلاقية ومحيط البيئة.

- المضمون السايكولوجي (الإغتراب), لنظرات الشخوص الى خارج اللوحة بإتجاه المشاهد والفنان.وهي - النظرات - تبث إشارات ورسائل صامتة تتعلق بمضمون سايكولوجي مشترك يشمل جميع الشخوص. هنا حواريات باطنية لثلاثة أطراف متقابلة, أحدها من داخل اللوحة يُخاطب ويؤشر بحركة يده إشارة مبهمة لكنها لاتبتعد عن سر الفكرة,عن المسكوت عنه وغير المُصرّح به والآخر هو المشاهد المدعو للمحاورة والإجابة على الأسئلة الضمنية المرسلة من عالم المهنيين الفقراء أو شخوص العشق البغدادي, أما الطرف الثالث فهو الفنان وقرينه الصبي الحامل لعبارة (أحب العراق) بالإنكليزية مخاطباً المشاهد غير العربي - غير العراقي. ونرى أن الفنان ألقى رسالته العاطفية على كاهل الفتيان الحاملين لهموم الحياة في داخل العراق وعلى وجوههم ملامح الغربة والنفي. الصبي الذي يحمل صينية الشاي, أمام الجايجي مرزوق, يرتدي بلوزة زرقاء على صدره عبارة (
I love iraq) وكلمة أُحب بشكل قلب أحمر. لقد تفاعل الفنان مع مضمون هذا العمل وأعاد رسمه في لوحةٍ ثانية. وفي كلا العملين إحتفظ البائع الشاب بسمرته الجنوبية وحيويته مع الصبي الوسيم ولنقل الشاهد الوحيد. والمضمون الحقيقي يخص المكان, البصرة, رغم أن الفنان أجرى تغييرات بسيطة في إعادة رسم الموضوع.

تهمنا معرفة غايات الإعادة من الناحية الفنية - التغييرات التي طرأت على التكوين - فقد مالت الأشياء الى الشفافية وفيض الإضاءة الطبيعية, تبديل في ألوان الإكسسوارات والثياب, إحتفظ الجايجي بلون دشداشته الأبيض , الزي المألوف في البصرة. تغيير في أعلى الخلفية, في العمل الأول كلمة (الله) تكررت بالخط الكوفي تم إستبدالها ببقايا آية قرآنية على قطع من السيراميك الأزرق المُثلَّم.

المصور صاحب الكامرة الخشبية ذات الغطاء الأسود, حيث عمليات التحميض والتظهير تتم في الصندوق الخشبي بمعزل عن الضوء, يعود لمخزون ذاكرة طفولة الفنان. علينا أن نتلقى الإستفهامات ولغة الإشارة وتحليل الوضع الموروث من أمام الدوائر الرسمية والمحلات الشعبية. يد المصور تمتد الى داخل الصندوق تُغطيها البردة السوداء, لايوجد شخص أمام الكامرة, سوى الصبي حامل صينية الشاي وفيها إستكانة واحدة ممتلئة شاياً, كلاهما يرسلان الإشارات , المصور يخبرنا عن أسرار مهنته فيؤشر لنا بغطاء العدسة. أما الصبي فينتظر فراغ المصوِّر من طبع الصورة ليقدم له الشاي. لكن نظرة الصبي تشارك المصور في المحاورة مع الشخوص خارج اللوحة. سنلاحظ المضمون الحكائي الداخلي يتردد ويتحور ويتخذ أبعاداً مختلفة.

أما لوحة (الجايجي مرزوق)
marzogs teashop -1989- فمجموعة إكسسوارات خاصة بالشاي, من ذاكرة الزمن القديم,إبريق وكيتلي وقوري الشاي. الوقفة إستعراضية, مرزوق منقسم بين همّين, همْ المهنة وتحضير الشاي - الوضع الذي تكرر في عمل آخر - وهمْ البوح والحوار الصامت. مرزوق جنوبي من أصل إفريقي, كوفيته جنوبية بحلقاتها المعينية الشكل بالأسود والأبيض, بالتالي فهو كيان بَصْري مألوف في دهاليز وأقبية المدينة القديمة. يظهر الصبي الوسيم الأشقر مكملاً ومترابطاً مع التكوين الإنشائي الذي صممت خطوطه الأساسية على شكل نصف دائرة, ولانستطيع في هذا الوضع حذف أو تحريك أي جزء بما في ذلك الإكسسوارات وأدوات المهنة, يشارك الصبي أستاذه في الحوار الخارجي مع الآخرين, ويتكون الإنشاء من علاقات لونية متجاوبة, متقابلة, الوجه الأسمر الجنوبي في مقابل الوجه الوردي. اللون الأبيض لدشداشة تقابله بياضات الصينية بيد الصبي و(القواري) البيض. ويتوزع الأزرق مابين بنطال الصبي وإبريق الماء الذي يتوسط اللوحة وبين الآية القرآنية السيراميكية المتبقية خلف كوفية مرزوق. اللون الأحمر الصارخ يتوسط البياضات تُقابله بلوزة الصبي بالبنفسجي المحْمرّ . هنا تآلف بين المواد أبعادها الزمنية والسطوح وملمسها, الطاولة من خشب قديم, القوري من البورسلين الصيني - في عمل آخر مشابه نرى القوري المرمم بالخياط ورواسط القصدير كما كان في البيوت الشعبية - الكيتلي من فافون, علبة الكبريت ذات النجوم الثلاث. بقايا السيراميك والكتابات على الجدران.

الأشياء تنطق بالأزمنة وبالتالي فهي بقايا عالقة في الذاكرة,ولكي لانخطئ الظن فهي منظومات إفتراضية. الذاكرة تحتفظ , على وفق المزاج الطفولي, بالظواهر الخارجية والسطوح الملونة وكل ماكان مبهراً في زمانها الخاص. هنا نستوضح خطة عمل الفنان والتي تبدأ من فكرة ومحيط للنمو الموضوعي عبر أشكال سوف تتوالد عنها تكوينات جديدة فالشخصيات والإكسسوارات سيُعاد تأليفها في منظومات جديدة, أُفقية, تتسع لمجموعة بشرية تأملية يكون صباغ الأحذية محورها المتحرك كما سنلاحظ في دراستنا لموضوع المقهى.

ذاكرة فيصل لعيبي, تستوطن في مشغله, تستعيد العلاقات المزاجية للعالم الطفولي,للبيت القديم والأهل, إذا تأملنا الوجوه والأجسام وألوان الثياب الزاهية والنظيفة نتعرف على تلك الحاسة البريئة لأعمار أغلب الشخوص , أصحاب المهن, دون العشرين, وجوه غضة وبريئة ومنفصلة عن واقعها المهني بفعل إغترابها القسري ومعاناتها للإستلاب الروحي الذي أظهرها في نمط متكرر لحالة الصمت والذهول. هنا تكمن لهجة الفنان المحلية, الخاصة, في لغة الألوان, ألوان الأفراح الشعبية والأعياد, و مؤثرات البيئة وخبرات الفنان في الملصق ومجلات الأطفال والصحف ومعايشة الفنون الأوربية, طوال سنوات الغربة لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن كما تدل على ذلك مطويات مشاركاته ومعارضه الشخصية, لهجته الخاصة في الألوان تتردد فيها الأهواء والجنوح الى الخيال والفنتازيا بما في ذلك تفكيك قواعد المنظور ومُعاكسة قانونها المادي, الواقعي, وإستخدام ألوان الملصق وتقنية التصميم التي تختصر المفردات بالحذف والإلغاء وإعادة تشكيل العناصر للتكوين حيث يستقر التكوين, بشكل كتلة - دائرة, نصف دائرة, مثلث, بيضوي....الخ - على أرضيات لونية هادئة,ومرمرية ومضاءة, لتتقبل التضادات اللونية الزاهية ذات الطبيعة الإحتفالية كالأحمر والأصفر والوردي والبنفسجي والأزرق الفيروزي لتشمل الثياب والمقاعد والطاولات .


( يتبع)

 

* فنان تشكيلي وكاتب

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter