| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 19 / 1 / 2026 أرشيف المقالات
يتناول المقال ظاهرة استدراج شباب عراقيين إلى الحرب الروسية–الأوكرانية عبر عقود وهمية ووعود كاذبة، مستغلين الفقر والبطالة. وينتقد غياب الإجراءات الحكومية، محذرًا من تكرار سيناريوهات سابقة، ومؤكدًا أن حماية الشباب مسؤولية سيادية وأخلاقية تتطلب رقابة ومحاسبة وبدائل حقيقية داخل الوطن.
من موسكو إلى خنادق أوكرانيا: كيف يُستدرج الشباب العراقي إلى حروب الآخرين؟
أحمد خالد
(موقع الناس)
ما يزال حسين تركي، ومعه عشرات وربما مئات العراقيين، مجهولي المصير بعد أن وجدوا أنفسهم عالقين في واحدة من أعنف الحروب المعاصرة، حيث امتزجت حمم القنابل بثلوج الجبال على الحدود الروسية–الأوكرانية، وسال دم عراقي في أرض لا تمتّ له بصلة.
حسين تركي ليس مقاتلًا محترفًا ولا صاحب عقيدة قتالية. هو فنان عراقي تلقّى عرضًا من شركة سياحية داخل العراق لإحياء حفلات فنية في موسكو، قبل أن ينتهي به المطاف على خطوط المواجهة في أوكرانيا. قصته ليست استثناءً، بل واحدة من عشرات القصص التي تكشف عن شبكة واسعة من الخداع والاستدراج.
تقارير وشهادات متعددة تتحدث عن عراقيين جرى استقطابهم عبر سماسرة وشبكات منظمة، بوعود تتراوح بين رواتب مغرية، امتيازات مالية، وحتى الحصول على الجنسية الروسية. شباب يعانون البطالة، الفقر، وانسداد الأفق، وجدوا في تلك العروض “فرصة نجاة”، ليتحولوا فجأة إلى وقود حرب لا علاقة لهم بها.
ورغم إعلان الدولة العراقية التزامها الحياد تجاه الحرب الروسية–الأوكرانية، إلا أن هذا الموقف السياسي لم يُترجم إلى إجراءات عملية على الأرض. لم تُغلق المنافذ أمام هذه الشبكات، ولم تُفعّل الرقابة أو الملاحقة القانونية، الأمر الذي فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات مشروعة:
أين كانت الجهات الأمنية حين تدفق هذا العدد من العراقيين؟
وكيف غادر الآلاف دون تدقيق حقيقي في طبيعة العقود أو الجهات التي تقف خلفها؟
بعض التقارير الصحفية تشير إلى أن عدد العراقيين الذين يقاتلون إلى جانب القوات الروسية قد يصل إلى نحو 5000 مقاتل، وهو رقم - إن صحّ - لا يمكن التعامل معه بوصفه حالات فردية أو استثناءات عابرة.
هذه ليست المرة الأولى التي يُستغل فيها الشباب العراقي في حروب خارج الحدود. قبل عقد من الزمن، زُجّ آلاف العراقيين في الحرب السورية، وسقط كثيرون منهم قتلى. يومها، امتلأت شوارع ومدن عراقية بصور الضحايا، في مشهد لم يُنتج مراجعة وطنية جادة ولا سياسة ردع حقيقية.
اليوم، تتكرر الدائرة في روسيا. وغدًا، قد تُفتح جبهة جديدة. فمع تصاعد الاحتجاجات داخل إيران، لمّحت فصائل مسلحة عراقية إلى استعدادها “للوقوف إلى جانب” النظام هناك، في خطاب يهدد بجرّ شباب عراقيين مرة أخرى إلى صراع خارجي، بما يحمله ذلك من مخاطر سياسية وأخلاقية، وتشويه جديد لسمعة العراق وشعبه.
السؤال لم يعد إنسانيًا فقط، بل سياديًا وأخلاقيًا:
هل ستتخذ الحكومة المقبلة إجراءات حقيقية لإنقاذ العراقيين العالقين في الحرب الروسية–الأوكرانية؟
أم ستواصل سياسة الصمت وترك الشباب فريسة لشبكات التجنيد، كما حدث في سوريا، وكما يُخشى أن يحدث في أماكن أخرى؟
حماية الشباب العراقي من الوقوع في فخاخ الحروب الخارجية لا تبدأ بالشعارات، بل بإجراءات واضحة:
تفكيك شبكات السمسرة، تشديد الرقابة على عقود السفر والعمل، مساءلة الجهات التي تغضّ الطرف، وفتح ملفات شفافة حول من يسهّل خروج الشباب إلى مناطق النزاع. والأهم، توفير بدائل حقيقية داخل الوطن: فرص عمل، حماية اجتماعية، وأفق سياسي لا يدفع الشباب للبحث عن خلاصٍ في ساحات الموت.
فالعراق الذي أنهكته الحروب لا يحتمل أن يقدّم أبناءه قرابين لحروب الآخرين .