|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  16  / 10 / 2017                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 

 

عرض لكتاب الدكتور نبيل الحيدري (إيران من الداخل)

د. عبدالحسين صالح الطائي *
(موقع الناس)

تميزت إيران بمسار خاص يمثل سياستها وثقافتها وتاريخها الطويل، لها نهجها وفلسفتها وتجربتها المثيرة للجدل، التي تفتخر بها كأي دولة تنحاز لهويتها القومية، ولكنها اليوم تتعايش مع مجموعة من الأزمات التي تهدد كيانها. تمكن الباحث نبيل الحيدري من رصد أحداثها والتعمق بدراستها بمؤلفه الجديد (إيران من الداخل)، الذي صدر في آذار/ مارس 2017، من دارين للنشر هما الدار العربية للعلوم ناشرون ودار العرب للنشر والتوزيع. تضمن الكتاب مجموعة عناوين جريئة وجاذبة تمس نبض حراك الداخل في إيران، لا سيما الصراعات الدائرة بين المرجعيات وولاية الفقيه. الكتاب بتنوعه يُعد ورشة تجميع لأحداث كثيرة في غاية الأهمية، وحقيقة كل عنوان يستحق أن يكون مقالة منفصلة.

تناول الحيدري محاور عديدة بالتحليل والنقد موضحاً أبرز ملامح الشخصية الإيرانية بكل تناقضاتها، وما تحمله من مزايا وعقد متنوعة تاريخية وجغرافية وسياسية وقومية ودينية ومذهبية، تمثل الثقافة السائدة التي تدعو إلى زرع مفاهيم الكراهية، مؤكداً بأن المخيلة الفارسية تحمل تحديات وعقد متنوعة تجاه العرب، تصل إلى تغليب البعد القومي على المذهب في كثير من المواقف.

وأشار الكاتب إلى خطورة الدستور الإيراني الذي تضمن مبدأ (ولاية الفقيه)، ومدى خطورته في إشهار العداء لمن لا يؤمن بهذا المبدأ من المراجع والفقهاء وعامة الناس. هذا المبدأ الذي يُعد بدعة في الفقه الشيعي، اعتمده الخميني الذي لم يحصل على إجازة اجتهاد سوى واحدة سياسية، ناهيك عن مبدأ تصدير الثورة، ومشاريع التوسع الخارجي الذي أرعب أغلب دول المنطقة.

وعلق الحيدري على مساعي إيران الرسمية وأطماعها التاريخية في توسيع النفوذ وذلك من نافذة استغلال الدين والمذهب في تصدير أفكار ولاية الفقيه وفق رؤية متكاملة، تتضمن زراعة خلايا ولي الفقيه في بعض دول المنطقة، مشيراً إلى جملة من هذه الأعمال التي تم التصدي لها بقوة. وأوضح الكاتب بدقة أبعاد الأركان العشرة في التشيع الفارسي، التي تمثل النهج والمسار الحقيقي لخط التشيع الفارسي في إيران وركائزه التي تكمنُ في إرساء ثقافة التقليد واستحواذ الخمس واعتماد مبدأ التقية وتخدير العقول بثقافة المظلومية والتركيز على أهمية الشبق الجنسي وتبني العرفان بشقيه النظري والعملي وآفة المخدرات التي تُمارس بشكل واسع في الخفاء في سراديب قم، وخصص الركن التاسع بولاية الفقيه ومخاطرها وترهيب من يخالف مسارها وأخيراً النهج الطائفي وثقافة الكراهية في بناء النهج الشيعي الفارسي المشوه.

وأعطى الكاتب صورة واضحة المعالم لطبيعة المؤسسات التي تتحكم بإدارة الدولة (مجلس خبراء القيادة، مجلس صيانة الدستور الإيراني، المجلس الأعلى للأمن الوطني، مجلس الشورى)، وغيرها من المؤسسات التي توحي بوجود ديمقراطية في إيران، ولكن الحقيقة عكس ذلك، السلطة المطلقة والقرار الرئيسي يؤخذ من ولي الفقيه (الرمز السياسي الديني) بالتناغم مع الحرس الثوري اليد الضاربة التي عزلت كبار المراجع والفقهاء أمثال شريعتمداري.

وتطرق إلى طبيعة الصراعات العنيفة حول السلطة والنفوذ التي تدور في فلك الشخصيات المؤثرة في المشهد السياسي أمثال رفسنجاني ومحسن رضائي وغيرهم، الذين يدعمون التوجهات التي يتفرد بها ولي الفقيه، بحيث رفعت إيران شعار (الموت لأعداء ولاية الفقيه)، وبذلك تمكنت من وضع البعض من الفقهاء المخالفين لهذا التوجه تحت الإقامة الجبرية وموت بعضهم بطرق غامضة، وبهذا تم اسكات الأفواه المعارضة وتحجيم دورها. وأشار إلى تحالف خامنئي ورفسنجاني باحتكار السلطات الثلاث والوقوف بالضد من منتظري وغيره من الفقهاء.

وانتقد الحيدري المخيلة الفارسية الشعوبية التي تشع منها النظرة الدونية السلبية للعرب، وفقاً لما جاء على لسان الزمخشري والقرطبي، وما يؤكد هذه النظرة طبيعة المناهج التعليمية التي تُربي الأجيال الإيرانية على الإساءة إلى العرب والمسلمين بنعتهم بأنهم أبناء الصحراء والبغال وأكلة الجراد، هذه المناهج تسهم في زرع روح التعصب للقومية الفارسية، هذا التشويه المتعمد يسيء إلى العرب والمسلمين باعتبارهم مَنْ دمر الثقافة واللغة الفارسية. وأوضح الحيدري زيف الأحقية الإيرانية في الهيمنة على بعض الأراضي العربية مستنداً إلى الحقائق التاريخية من وثائق وكتب وخرائط، وأكد أحقية تسمية الخليج بالعربي لإحاطته بالقبائل العربية مشيراً إلى بعض الوثائق والكتابات التي تدل على ذلك.

يرى الحيدري بأن النظام الإيراني قد شاخ وهرم وبدأ يأكل أبنائه، واشتدت الصراعات الدنيوية على المناصب والمال والسلطة، ناهيك عن تأثير العقوبات الاقتصادية ومواقف الدول الكبرى المؤثرة على الشارع الإيراني، بحيث جعلت شريحة كبيرة من الإيرانيين في حالة تذمر من طبيعة النظام الحاكم والتمادي في استغلال الدين والمذهب بأبشع الصور. وكذلك أعطى الحيدري حيزاً إلى بعض نصوص الدستور الإيراني في كيفية تنظيم خلافة ولي الفقيه، متطرقاً للشخصيات المرشحة لنيل هذا المنصب بعد خامنئي في حالة وفاته أو عجزه، ولم يستبعد إمكانية تدخل الحرس الثوري في فرض من يريد.

ولم يهمل الحيدري عمق التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي منذ القدم بمختلف الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والعقائدية، ومازال البلاء مستمراً لا سيما بعد احتلال العراق في 2003، وتصاعد الدور الإيراني مع هشاشة الوضع الأمني الاستثنائي الذي يمر به العراق، والبيئة الخصبة التي قدمتها أحزاب الاسلام السياسي عززت من هذا النفوذ. والحيدري يمتلك سجلاً حافلاً بتأريخ تأسيس الأحزاب الدينية في العراق منذ أربعينيات القرن الماضي، والشخصيات الهامة التي أفرزها العمل الميداني، وتأثير بعض المراجع في توجهات هذه الحركات، ومدى قربها وبعدها عن التوجهات الإيرانية. والحقيقة يجب أن تقال بأنه مهما كان دور إيران كدولة لها مطامع وطموحات، لا تتحمل كل الخطايا، بل الخلل الحقيقي في طبيعة هذه الأحزاب العراقية التي فسحت المجال بإعطاء الضوء الأخضر لإيران وغيرها بأن تتدخل في الشأن الداخلي العراقي. وبذلك نحن بحاجة ماسة إلى مراجعة نقدية لهذه الحركات الإسلامية العراقية التي وضعت نفسها في أحضان النظام الإيراني خدمة لأهداف غير دقيقة.

وأخيراً لابد من القول بأن الحيدري قد دفعهُ ضميره المهني في توجيه النقد اللاذع للكثير من الشخصيات ذات الأصول الفارسية، مما أبعده عن الحيادية في طرح الموضوع، فهو لم يخفِ مشاعره وانحيازه بشكل واضح للتشيع العربي بالضد من التشيع الفارسي، متأثراً بنشأته الأولى، ومعايشته لأغلب الأحداث الحياتية في العمق الإيراني، وإصراره على تقديم كل الحقيقة للمهتمين بالشأن الإيراني فجاء كتابه يحمل معطيات نادرة وجريئة، اتفقنا أم اختلفنا معها، تمثل الواقع الإيراني بكل أبعاده، وكل متابع للأحداث ينظر إليها بمنظاره الخاص، ولكن لم يعد الأمر خافياً بأن مطامع ولاية الفقيه ليس لها حدود، وإيران لم تتخلص من عقدة النقص اللصيقة بتاريخها القديم والحديث.

وبغض النظر عن مدى الحيادية التي يطرحها الكتاب، نعتقد بأنه يخدم التوجهات الوطنية، ويصب في بودق الثقافة العامة، وقد أرفد المكتبة العربية بشيء جديد يصعب على الكثير تناوله، لأن فيه أجوبة شافية لتساؤلات شريحة واسعة من مجتمعنا العربي والإسلامي، وبهذا فقد فتح الباب للآخرين للإدلاء بما لديهم من إضافات جديدة، أو الرد والتعليق بطريقة حضارية على الروايات التي ورد ذكرها في طيات الكتاب بما يخدم تطلعات الكثير من المتلقين.

 

* أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter