|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  13  / 12 / 2016                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 

 

محمد حسنين هيكل كما عرفته

د. خليل عبد العزيز
(موقع الناس)

بعد حصولي على شهادة الماجستير بموضوعة الحزب الوطني الديمقراطي في العراق، قررت اللجنة العلمية في كلية الصحافة بجامعة موسكو ترشيحي للدراسة والبحث العلمي للحصول على درجة الدكتوراه وقد تم اختيار موضوع الدراسة حول قانون الصحافة في مصر. لم يكن أمامي سوى الموافقة فقد كانت رغبتي جامحة ليس فقط لنيل الدكتوراه وإنما دراسة طبيعة الحراك السياسي والقوانين المتعلقة بالصحافة والحريات المدنية في مصر.

منذ البداية واجهتني مشكلة ليست بالهينة بالنسبة لشخص عراقي يدرس في الاتحاد السوفيتي ويجب عليه تقديم رسالة الدكتوراه لنفس الجامعة، على أن يكون بحثه الدراسي خارج الاتحاد السوفيتي. فأنا لا أحمل الجنسية السوفيتية مما يسمح بتقديم مساعدة ماليه من الجامعة في الاتحاد السوفيتي لإكمال دراستي. فتكلفة مصاريف السفر حتى القاهرة ومن ثم السكن وبعدها المعيشة وتكاليف الدراسة الأخرى كانت عائقا أمامي، للحقيقة فإن كل ذلك وضعني في دوامة من الأفكار شلت حركتي بادئ الأمر، ولكني تداركت الموضوعة وأجريت اتصالات سريعة بشخصيات سياسية وصحفية تقدمية مصرية سبق وأن كان لي علاقة مهنية بها وفي طليعتهم لطفي الخولي رئيس تحرير مجلة الطليعة ومحمد عودة الكاتب الصحفي البارز في جريدة الجمهورية وغيرهم. فبحكم عملي في وكالة نوفوستي استطعت وعبر سنوات ليست بالقليلة الالتقاء بالعديد من الشخصيات السياسية والصحفية المصرية التي كانت تزور الاتحاد السوفيتي، وكنت أعمل على تغطية صحفية لتلك الزيارات لصالح وكالة نوفوستي وعبر تلك التغطية الصحفية نشأت مع الكثير من هؤلاء علاقات طيبة.

في الوقت الذي قررت اللجنة العلمية موضوع رسالتي لنيل الدكتوراه في قانون الصحافة المصرية، كان في موسكو وقتذاك السيد محمد عودة ولذا توجهت إليه وعرضت عليه مشكلتي من ناحية السكن والمعيشة في مصر فأبدى استعداده لاستضافتي هناك، ووعدني بالحديث حول الآمر مع السيد لطفي الخولي والسيد محمود أمين العالم حين عودته إلى القاهرة . بعد فترة ليست بالقليلة أتصل بي السيد محمد عودة وأبلغني بحديثه مع السيد محمود أمين العالم الشخصية الثقافية والسياسية المعروفة على مستوى العالم العربي، وهو في نفس الوقت رئيس تحرير جريدة الأخبار المصرية، حيث رحب السيد العالم بحضوري إلى مصر وتكفل بتعييني في القسم الخارجي في الصحيفة وبراتب شهري يكفل لي العيش في مصر وكذلك توفير سكن دائم هناك. عند اتصال السيد محمد عودة أبلغني بكل تلك التفاصيل وأنبأني بضرورة الالتحاق بمهام عملي في صحيفة الأخبار، وكذلك التهيئة للبحث والإعداد لرسالة الدكتوراه.

لم أنتظر كثيرا فأكملت كافة ملتزمات سفري ودراستي وذهبت لأسافر على ظهر الباخرة العملاقة السوفيتية التي تحركت من ميناء أوديسا متجهة إلى ميناء الإسكندرية المصري. والرحلة هذه تستغرق ثلاثة أيام . في يوم الرحلة الثاني جاءني مراسل صحفي أمريكي يعمل في موسكو سبق أن تعرفت عليه هناك في أحد المؤتمرات الصحفية. تقدم مني ذلك الصحفي وسألني هل سمعت أخر الأنباء الواردة من مصر. فأجبته بالنفي، عندها فاجأني بالقول، لقد تم إقصاء محمود أمين العالم من رئاسة تحرير صحيفة الأخبار وأودع السجن. وقع ذلك الخبر وقع الصاعقة عليّ، فلم يكن في وارد تفكيري أن يحدث مثل هذا الآمر، فكل شيء أنهار في لمح البصر وخسرت أملا كنت قد وضعت عليه الكثير من الآمال.

وصلنا الإسكندرية وكان في استقبالي وحسب الاتفاق مدير وكالة نوفوستي السوفيتية في مصر ، وخلال الطريق أكد لي خبر اعتقال وإقصاء السيد محمود أمين العالم. قضيت ليلتي الأولى في مقر وكالة نوفوستي وعند الصباح اتصلت تلفونيا بالسيد لطفي الخولي وأخبرته بمكان وجودي وموقفي بعد الذي حدث، فطمأنني قائلا أنهم سوف يتدبرون الأمر. وبالفعل لم تمض غير فترة قصيرة حين طلب مني الذهاب إلى مقر الاتحاد الاشتراكي للالتقاء بالدكتور ضياء الدين داوود وهو أحد المسؤولين القياديين في الاتحاد الاشتراكي. ذهبت إلى هناك فاستقبلني الدكتور ضياء الدين بترحاب كبير وقال بأنه سمع بمشكلتي وأخبرني كذلك بأنه بحث الأمر مع القيادة المصرية وتقرر أن تقوم الحكومة المصرية باستضافتي طيلة وجودي في مصر لأعداد رسالة الدكتوراه، وأرسلني مع أحد المرافقين إلى وزارة الثقافة والإعلام لمقابلة الوزير محمد فائق.ذهبنا إلى هناك وقابلت الوزير الذي أبلغني بأنه سوف يقوم بكافة الإجراءات اللازمة وقد تقرر توفير سكن ومعيشة ليّ في أحد الفنادق الراقية بالقاهرة.وخلال أجراء المعاملات لهذا الآمر سألني مدير الإعلام في الوزارة عن المدة التي أرغب البقاء فيها ضيفا عليهم عندها أخبرته بأنها لا تقل عن الثلاثة أشهر، عندها نهض من مكانه مسرعا وتوجه نحو مكتب الوزير ، وبعد لحظات عاد وقال: كل شيء تمام، عندها استفسرت منه عن وجود نوع من الإشكال في الموضوع، قال نعم ، فضيوف الوزارة عادة يقضون أسبوع أو على الأكثر عشرة أيام، لذلك تطلب الآمر عرض بقاءك الطويل على السيد الوزير، الذي أخبرني بأنك ضيفا على الوزارة لحين انتهائك من أعداد رسالة الدكتوراه.خرجت فرحا من عنده. في اليوم التالي ذهبت إلى مكتب السيد لطفي الخولي ورافقته وذهبنا إلى مكتب السيد محمد حسنين هيكل الذي كان مديراً لمؤسسة الأهرام وفي نفس الوقت يرأس تحرير جريدة الأهرام . كانت المرة الأولى التي ألتقية شخصيا بعد أن كنت أتابع نشاطه الإعلامي ومقالاته المثيرة عن بعد. كان السيد محمد حسنين هيكل ودودا جدا ومبتسما واخبرني بأنه سمع بما حدث معي وبرغبتي في إعداد رسالتي للدكتوراه، وقال بأنه يرغب في معرفة موضوع الرسالة بالتحديد،فأخبرته بأن موضوع رسالتي يتعلق بقانون تنظيم الصحافة المصرية الذي صدر عام 1961 فقال هيكل لماذا تم اختيارك لهذا القانون ؟ ولماذا في جامعة موسكو بالتحديد.فأخبرته بأني لم اقرأ أي دراسة أو بحث وتحليل من الباحثين والصحفيين المصريين عن هذا القانون، رغم كونهم فطاحل في الدراسات والبحوث العلمية ورغم مضي ما يقارب العشر سنوات على صدور القانون، لم يصدر أي شيء من هذا القبيل. عندها أبتسم السيد هيكل وقال: نفس السؤال أوجهه لك وأرجو أن تجيبني حسب قناعتك وتحليلك للأسباب، فقلت إن الموضوع صعب جدا، وعند الإجابة يجب أن يعرف المرء السبب الذي دفع القيادة المصرية لإصداره،وعندها تتولد القناعة بأن المسؤولين كانوا في حقيقة الآمر يهدفون إلى تأميم الصحافة والسيطرة عليها، وبالطبع فأن مثل هذا الرأي غير مقبول عندكم، وسوف يزج بالسجن كل من يتجرأ ويتناول الموضوعة من هذا الجانب وخاصة في هذه الفترة التاريخية التي تمر فيها مصر.أبتسم هيكل وقال عندي اقتراح أن تقوم بإعداد دراستك في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وسوف تتولى صحيفة الأهرام تسجيلك في الجامعة وتتحمل كافة المصاريف المطلوبة بشرط واحد وهو أن يكون لمؤسسة الأهرام الحق الكامل في ملكية الرسالة بعد إنجازها والتصرف بها من حيث الطبع أو نشرها من عدمه.عندها رفضت بدوري مبررا ذلك كوني مرتبط بجامعة موسكو واللجنة العلمية فيها،عندها قال محمد حسنين هيكل بأنه سوف يقدم لي الدعم الكامل في مراحل إعداد الرسالة وسوف يوفر لي جميع المعلومات التي أحتاجها وعليه سوف يصدر التعليمات والأوامر للمسؤولين في مؤسسة الأهرام بتقديم كامل الأرشيف الصحفي لي والإجابة على كافة تساؤلاتي فيما يخص الصحافة المصرية ليتسنى لي إكمال مراحل أعداد رسالة الدكتوراه .

كان ذلك الوعد بالنسبة لي شيئا رائعا لم أكن أتوقعه واستجابة قيمة لما كنت أسعى أليه فبادرت بالقول بأن أول بحث علمي سوف يكون بإجراء لقاء علمي وبحثي معك بالذات، فأجابني: ضع هذا الآمر جانبا الآن، فأمامك العشرات من رجال الصحافة والبحث وأساتذة كلية الأعلام تستطيع مقابلتهم والحصول منهم على ما تريد.وبدوري بادرته القول هل من الممكن البحث والكتابة عن الصحافة المصرية دون سماع وجهة نظرك وآرائك ؟.أجابني فورا هذا صحيح، ولكن هناك سؤال : أزاي حتكتب أنت عن هيكل؟ ثم أضاف، تصرف حسب ما تريد وأي مشكلة تواجهك في مؤسسة الأهرام أتصل بي على الفور وأنا أقدم لك الضمان بحلها وتذليلها. عند هذا الحد انتهى لقائي بالسيد محمد حسنين هيكل. ثم بدأت مقابلاتي مع العاملين في مؤسسة الأهرام وكان أولهم مدير التحرير علي الجمال، بعدها تطورت اللقاءات لتشمل بطرس غالي رئيس تحرير مجلة السياسة الدولة الصادرة عن مؤسسة الأهرام وكذلك كان لي لقاء مع ميشيل كامل مدير تحرير مجلة الطليعة ورفعت السعيد. ومن الأمور الأساسية التي يجب ذكرها مبادرة محمد حسنين هيكل وموافقته على إصدار مجلة الطليعة من داخل مؤسسة الأهرام فتلك الخطوة كانت هامة جدا لفسح المجال للقوى اليسارية المصرية للتعبير عن آرائها وأفكارها لتصبح مجلة الطليعة بإدارة رئيس تحريرها السيد لطفي الخولي تجمعا للشخصيات المثقفة اليسارية، ولعبت المجلة دورا فعالا في كفاح الشعب المصري لفترات طويلة، وكان يعمل فيها السيد غالي شكري والسيد خيري عزيز والسيد حسين شعلان وغيرهم.وأصبح السيد أبو سيف يوسف وإسماعيل صبري وسعد الدين إبراهيم مستشارين في المجلة. ولا بد من القول إن خطوة هيكل هذه لا تعني القول بوجود ميول يساريه لديه أو تأيدا منه لقوى اليسار بل كان يعمل لأجل جمع كافة الآراء والتوجهات السياسية تحت قبة مؤسسة الأهرام، ويمكن القول بأن هيكل كان قد حقق نجاحا بائنا في ذلك، وبالتالي نستطيع القول بأن هيكل لم يكن يساريا أو يمينيا في الحساب النهائي، ولا يمكن حتى القول بعمالته للغرب والقوى الرجعية العربية مثلما يتهمه البعض، بل كان رجلا وطنيا يعمل بإخلاص من أجل مصر، وفي نفس الوقت يحاول جاهدا الحفاظ على سلطته ونفوذه وعلاقته مع قادة مصر خاصة بعد ثورة يوليو عام 1952 .

الشيء الذي جلب اهتمامي حرص هيكل على التواجد اليومي في مؤسسة الأهرام، فغالبا ما كان يزورها مساءا ويراجع ويطلع على كافة المواد المعدة للنشر ويعطي موافقته أو عدمها لما سوف ينشر. كان يتعامل برحابة صدر وطيبة ظاهرة، محتفظا بمسؤوليته وواجبه كرئيس تحرير ومدير لمؤسسة عريقة مثل الأهرام. لقد جعل من المؤسسة صرحا صحفيا كبيرا من حيث المهنة الإعلامية وأيضا البناء الذي شيد على شكل بناية ضخمة تتوفر فيها أحدث الأجهزة الطباعية والفنية وبمستويات راقية وبأخر ما توصل له العلم من تقنيات حديثة.

أستطاع هيكل بخبرته وشخصيته أن يجمع مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية والشخصيات الأدبية المرموقة في مؤسسة الأهرام .في تلك المؤسسة تعرفت والتقيت بالكاتب نجيب محفوظ والكاتب محمد توفيق الحكيم والكاتبة عائشة عبد الرحمن المعروفة ببنت الشاطئ والعشرات ممن كانوا يتواجدون في الأهرام.

أراد هيكل أن يجمع داخل مؤسسته كتاب وفنانين وصحفيين وشخصيات فكرية وسياسية مصرية لتكون مؤسسة الأهرام الخيمة الكبيرة التي تمثل مصر بكل مشاربها الفكرية والأدبية والفنية. لم يكن لأغلب هؤلاء مساهمات تذكر لا بل ليس للبعض منهم علاقة بالصحافة والنشر ولكن كان وجودهم هناك رمزيا وقوة معنوية للمؤسسة رغم كونهم يتلقون مكافئات مالية مقبولة. وعندها أصبحت الأهرام قبلة السياسيين والصحفيين وكذلك رؤساء ووزراء العديد من دول العالم. وقد اقتنع الكثير من هؤلاء بأن الطريق إلى جمال عبد الناصر يمر عبر العلاقة مع هيكل أولا، وبالفعل كان ذلك صحيحا جدا. فقد أصبح محمد حسنين هيكل النافذة التي يطل منها الرئيس ناصر على العالم وبالذات بلدان أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. فوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر أصبح ضيفا كثير التردد على الأهرام ، فكان في زياراته للقاهرة يأتي إلى الأهرام ليقضي وقتا طويلا مع هيكل ويخوض معه في نقاشات مطولة وتبادل آراء تتناول بشكل خاص الموقف الأمريكي من قضية الصراع العربي الإسرائيلي وعموم الأوضاع في الشرق الأوسط ، وبعد ذلك يذهب لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر، يمكن القول أن مؤسسة الأهرام أصبحت مطبخا حقيقيا لوضع أسس السياسة الخارجية لمصر.

كان محمد حسنين هيكل يملك قدرات كبيرة للوصول إلى منابع الحدث وذلك عن طريق شبكة واسعة من العلاقات التي أقامها مع رؤساء ومسؤولي دول العالم وبضمن هؤلاء ملوك ورؤساء دول عربية، فأصبحت لديه قدرة للتحليل واستخلاص النتائج والآراء والمواقف، مما عزز ورسخ موقعه عند الرئيس ناصر وأصبح ذي حظوة عنده، وجراء تلك العلاقة المميزة أصبح هيكل موضع حسد وحقد من غالبية المستشارين والوزراء المصريين.

لاحظت بأن هيكل لم يكن ميال أو من مؤيدي سياسة الاتحاد السوفيتي وخاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط، ولكنه في نفس الوقت كان مقتنعا بأن مصلحة بلاده العليا تتطلب بناء علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية مع السوفييت،وأيضا الاستفادة القصوى من مواقفهم ومواقف البلدان الاشتراكية في المحافل الدولية . وكان القادة السوفييت بدورهم يدركون ذلك الموقف جيدا، لذا كان القادة والمسؤولين السوفييت يمتنعون عن إجراء لقاءات صحفية مع الجانب المصري وبالذات مع محمد حسنين هيكل. ففي أحدى زيارات الرئيس جمال عبد الناصر إلى موسكو كان يرافقه السيد هيكل، وهناك طلب هيكل شخصيا إجراء لقاء صحفي مع رئيس الوزراء الكسي كوسيجين فقوبل طلبه ذلك بالرفض، لذا طلب وساطة الرئيس جمال عبد الناصر في الموضوع ،وكان الرد السوفيتي سلبيا وبرر ذلك، بأن إجراء مثل هذه اللقاءات الصحفية ليست أسلوبا سوفيتيا متعارف عليه.ولكن هيكل لم يتخلى عن طلبه وراح يصر على إجراء اللقاء ولكنه جوبه بعناد وامتناع الجانب السوفيتي، ولم ينل هيكل مراده. ولكن حين تقررت زيارة الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف إلى مصر قدم دعوة شخصية إلى محمد حسنين هيكل لمرافقته في السفرة، وفعلا جاء هيكل ورافق الزعيم السوفيتي على ظهر الباخرة العملاقة يرفان التي انطلقت من ميناء أوديسا السوفيتي إلى الإسكندرية. وكان الرئيس خروشوف قد علم سابقا بالعلاقات الجيدة التي تربط الرئيس جمال عبد الناصر بالسيد محمد حسنين هيكل، ومن خلال ذلك اللقاء أراد الرئيس السوفيتي أن يتعرف شخصيا على آراء وتوجهات القيادة المصرية، ودار حديث طويل وموسع بين هيكل والقائد السوفيتي تطرقا فيه للعديد من المسائل التي تهم البلدين،وقد قام السيد هيكل لاحقا بعكس بعض تلك الأحاديث على صفحات صحيفة الأهرام.

خلال العهد السوفيتي ظهرت هناك بعض الآراء والتوجهات لدى بعض الأحزاب الشيوعية الأوربية مما لا يتفق وبعض من المبادئ التي ينتهجها الحزب الشيوعي السوفيتي، والتي سميت وقتذاك بالشيوعية الأوربية. هذه الموضوعة جلبت انتباه السيد هيكل لذا طلب أجراء لقاء مع زعيم الحزب الشيوعي الايطالي بالميرو تولياتي باعتباره أحد مؤسسي تلك النزعة الاستقلالية وقائدا لأكبر حزب شيوعي في أوربا.

جرى اللقاء في العاصمة الايطالية روما وفي مقر الحزب الشيوعي الايطالي وبحضور مترجم واحد فقط بناءً على طلب السيد هيكل. على إثر ذلك اللقاء نشرت صحيفة الأهرام مقالا طويلا لهيكل تحدث فيه عن لقائه مع تولياتي والآراء والأفكار التي يتبناها الحزب الشيوعي الايطالي وكذلك تناول طبيعة علاقتهم برفاقهم في الحزب الشيوعي السوفيتي، والاختلافات في النهج بين الحزبين. قام الشيوعيون الايطاليون بترجمة ما نشر في صحيفة الأهرام، ففوجئ تولياتي بما ورد في سياق النشر من أفكار وتحليلات تتناقض كليا وما يؤمن ويفكر فيه، لذا بادر بنشر تكذيب لما ورد عن لسانه في مقال هيكل وأرسله إلى الأهرام. قامت الأهرام بنشر تكذيب تولياتي مع تعليق للسيد محمد حسنين هيكل قال فيه: أنني أنشر ما أرسله تولياتي والذي يكذب وينفي ما نشرته عن لقائي معه ..وهذا رأيه، بينما أنا نشرت ما قاله لي ..وهذا رأيي .

كان معلوما أن هيكل بعد كل لقاء يجريه مع رؤساء ومسؤولي بلدان كثيرة يقوم بنشر نصوص أحاديث يقول أنها صادرة عن هؤلاء، ولكن أغلب هؤلاء المسؤولون كانوا يبادرون لتكذيب ما يتم نشره على لسانهم . وكثيرا ما كان السيد هيكل ينشر آراء وأحاديث جاءت على لسان قادة ومسؤولين كانوا قد فارقوا الحياة ولا يوجد من يؤكد أو ينفي تلك الأحاديث أو الآراء.

خلال وجودي في القاهرة تلقيت دعوة من السيد محمد حسنين هيكل لحضور ندوة للفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي الذي كان عضوا قياديا في الحزب الشيوعي الفرنسي ولكن الأموال الطائلة والإغراءات الكبيرة من حكام المملكة العربية السعودية ودول الخليج جعلته يتخلى عن شيوعيته وراح يبشر بمبادئ الإسلام.

حضرت الندوة وكانت في أحدى قاعات مؤسسة الأهرام وفوجئت بأن هيكل كان يقوم شخصيا بالتأكد من هويات المدعوين الذين كان أغلبهم من القيادات المصرية ورجال الفكر والعلم . أرشدني هيكل إلى مائدة وطلب مني الجلوس عندها بجانب مدعوين من السفارة السوفيتية في مصر.بعد انتهاء المحاضرة قام هيكل بمرافقة غارودي لتعريفه على المدعوين، وعند وصولهما إلى مائدتنا قال هيكل لغارودي إن هؤلاء هم من السوفييت، فاعترضت أنا على ذلك وقلت أنا عراقي ولكن هيكل أبتسم وقال: معليش أنه سوفيتي !.

كانت هناك علاقة سابقة أي قبل مجيئي إلى القاهرة بين منظمة الشباب المصري واتحاد الشبيبة السوفيتي (الكومسمول) وكان مسؤول تنظيم الشباب المصري هو الدكتور مفيد شهاب الذي أصبح عميدا لجامعة القاهرة ثم وزيرا، وكان لي معه لقاء جرى في موسكو أثناء زيارته حيث قمت بالتغطية الصحفية لصالح وكالة نوفوستي وحصلت على حديث صحفي من الدكتور مفيد شهاب ومنذ ذلك اللقاء أصبحت بيننا علاقة طيبة وهناك أخبرته برغبتي الذهاب إلى القاهرة فقال لي بان علي الاتصال به حين وجودي في مصر ولذا فكرت بذلك واتصلت به بعد فترة من وصولي هناك، ثم قابلته في مكتبه في بناية منظمة الشباب المصري واستقبلني بترحاب شديد، ورحنا في حديث متشعب عن الشباب والعلاقات المصرية السوفيتية،فعرضت على دكتور مفيد فكرة إصدار نشرة بالعربي عن الشباب السوفيتي تعرض حياة الشباب السوفيتي وفعالياتهم وإنجازاتهم، وكانت تلك الفكرة قد تم تداولها داخل وكالة نوفوستي السوفيتية، ويعود سببها لشح ما ينشره الأعلام المصري عن الشباب السوفيتي. رحب الدكتور مفيد بالفكرة وقال بأنها جيدة وسوف يتعاون معي في أنجاز الفكرة ويقدم ما يستطيع من مساعدة لأجل ظهور تلك الصحيفة، وأقترح تسميتها صحيفة الشباب السوفيتي. بدوري بادرت بتنفيذ الفكرة مع وكالة نوفوستي واستطعت أن أحصل على الضوء الأخضر بطباعتها في مؤسسة الأهرام، وكانت جميع محتويات الصحيفة تأتي من خلال ترجمة المقالات والبحوث والفعاليات التي تصدر في الاتحاد السوفيتي والخاصة بالشباب.ولحاجة المجلة إلى رئيس تحرير فقد اختارتني الوكالة أن أرأس تحريرها، فوافقت بشرط عدم وضع أسمي، فعدت مرة أخرى وأخبرت الدكتور مفيد بجميع التطورات ففرح كثيرا وأعتبر ذلك فاتحة جيدة لتوطيد التعاون بين الشباب المصري ومنظمة الشبيبة السوفيتية. عندها استلمت رئاسة تحرير أول صحيفة سوفيتية تصدر باللغة العربية في مصر وتحت أسم الشباب السوفيتي.

أستمر وجودي في القاهرة بين عامي 1969 ـ 1970 وبحوالي الأربعة أشهر.وواصلت لقاءاتي وزياراتي اليومية للصحف المصرية، الأهرام، الأخبار والجمهورية والتقيت هناك بالعشرات من الكتاب والصحفيين ووجدت بأن المستوى المهني والتعليمي كان بارزا لديهم، ومن هنا أقول بأن الصحافة المصرية كانت تعد من أفضل الصحف العربية رغم كونها كانت تحت رقابة شديدة من قبل المسؤولين السياسيين، لكنها كانت رقابة غير معلنة. وتعرفت أيضا على الكثير من الفنانين والممثلين وشخصيات ثقافية وعلمية وأدبية ووجدت فيهم كل الطيبة. أما المواطنات والمواطنين فكانوا رغم صعوبة العيش والكفاف ومشاكل الحياة اليومية من مثل المواصلات والسكن وغيرها، فأنهم كانوا يتقبلون واقعهم ويتعاملون معه ببساطة شديدة.

بعد انتهائي من إعداد رسالة الدكتوراه في القاهرة وحصولي على مجموعة كبيرة من الوثائق والمعلومات والدراسات في جامعة القاهرة وزارة الثقافة وأيضا من دار الأهرام وباقي الصحف المصرية،عدت إلى موسكو دون أن أتمكن من الحديث والاستماع لأراء محمد حسنين هيكل ولا حتى توديعه.

بعد مضي شهر تقريبا على عودتي إلى موسكو وصل الرئيس جمال عبد الناصر بزيارة إلى موسكو لغرض افتتاح أول معرض صناعي تجاري هناك.وكلفت وقتها بتغطية حفل الافتتاح، وقبل وصول الرئيس عبد الناصر بفترة قصيرة وصل الوفد المرافق له وكان في طليعتهم وزير الاقتصاد المصري عزيز صدقي ووزير الدفاع محمد فوزي والخارجية محمود رياض .وقف الجميع في انتظار قدوم عبد الناصر وأنضم أليهم وزير التجارة الخارجية السوفيتي.سبق لي أن تعرفت على الوزير عزيز صدقي لذا وقفت جواره ودخلنا مع الباقين في حديث ودي عن المعرض، وفي تلك الأثناء أنضم ألينا محمد حسنين هيكل، فانتهزت الفرصة وقلت له بأننا لم نجري حديثا في القاهرة، والآن أعتقد أنه حان الوقت لإجراء هذا اللقاء والحديث حول قانون تنظيم الصحافة المصرية وأوضاع الإعلام بشكل عام فوافق فورا وتم تحديد موعدا لذلك في يوم غد. في اليوم الثاني ذهبت إلى دار الضيافة وقدمت نفسي للاستعلامات وسألت عن محمد حسنين هيكل فأخبروني بأنه غير موجود في قائمة الضيوف.استغربت هذا الأمر وفي هذه الأثناء شاهدت نائب الرئيس السيد علي صبري فذهبت أليه وأخبرته بأني على موعد مع السيد هيكل، فأجابني بأن هيكل غادر موسكو إلى القاهرة منذ الصباح الباكر بمهمة كلفه بها الرئيس ناصر، وأضاف بصوت خافت بأنها كانت رغبة الجانب السوفيتي في عدم تواجده مع الوفد.

سافرت في اليوم الثاني إلى برلين وهناك سألني أحد الأصدقاء ، من هو الطالب العراقي المحكوم بالإعدام والذي يعد رسالة دكتوراه في جامعة موسكو، عندها استفسرت عن السبب في مثل هذا السؤال فأخبرني بأن محمد حسنين هيكل نشر مقالا مطولا في باب بصراحة من صحيفة الأهرام، وقد أطلعت لاحقا على المقال حيث تحدث فيه هيكل بإسهاب عن لقائه مع هذا الطالب وكانت المقالة بعنوان بين الدفاع والهجوم وجاء فيه :
{جاءني في موسكو أحد أيام الأسبوع الماضي، شاب عربي يعيش من على بعد قضايا أمته،عقله كله يهيم حول آفاقها، محلقا بالفكر ودقات قلبه كلها مضبوطة على إيقاع الحوادث فيها. وقد لمحني واقفا أمام باب المعرض الممتاز الذي أقامته الصناعة المصرية في قلب المدينة الرياضية في موسكو لتعريف الشعب السوفيتي بنواحي التقدم في مصر، وأقترب مني معرفا بنفسه في رقة واستحياء، سائلا ما إذا كنا نستطيع أن نتحدث معا لدقائق خصوصا وأن لديه سؤالا يقلقه ويؤرقه، لم يقتصر حديثنا على دقائق وإنما طال إلى أكثر من ساعة رحنا خلالها نمشي في الشوارع الهادئة الجميلة لمدينة الرياضة في موسكو.

كان السؤال الذي يقلقه ويؤرقه، والذي فتح به الحديث وظل بعده مستمعا لأكثر من ساعة هو: أنني كما تنبئك لهجتي لست من أبناء النيل، وإنما من أبناء دجلة .العراق موطني ولكن ارض الآمة العربية كلها موطني، ومصر بالذات، ولست أريد بهذا أن أجاملك، فمصر أملي، ذلك أنني أعتقد أن مصير أمتنا سوف يتقرر بمصر، وأريد أن أسألك لكي أطمئن. هل لدينا في مصر أسلحة هجومية ؟ ومتى نتحول من الدفاع إلى الهجوم؟ أو لست ترى أن هدفنا الرسمي المعلن في المعركة ، هدف إزالة آثار العدوان ـ هدفاً دفاعياً ويجب تخطيه إلى هدف آخر هجومي.

وقلت لسائلي العراقي الشاب الذي يعد رسالة للدكتوراه في جامعة موسكو، قلت ضاحكاً: هذا سؤال هجومي وبطريقة الحرب الخاطفة ومن أول لحظة ومع ذلك سوف أحاول الرد عليه ولعلك في النهاية لا تعتبر ردي دفاعياً ومضى الحديث بنا}

استمرت مقالة هيكل بالتشعب واللف والدوران لتفسير الفرق بن السلاح الدفاعي والهجومي وطبيعة المعركة بين العرب وإسرائيل وجبهات القتال فيها والحاجة للسلاح وأي الأماكن الساخنة في المعركة التي تحتاج قوة السلاح والجنود إن حدثت المعركة،وفي الأخير وضع خاتمة ما يرغب بأن يقوله وهي رسالة معنية بعرض مجريات ووقائع حدثت في مؤتمر مصغر لبعض القادة العرب عقد في مدينة طرابلس الليبية عام 1969 حضره الرئيس العراقي احمد حسن البكر والرئيس جمال عبد الناصر حيث حدث هناك خلاف بين الرئيسين حول طبيعة المعركة وتواجد القوات في جبهات المواجهة مع إسرائيل ففي ذلك المؤتمر طلب الرئيس العراقي من الجانب المصري بإرسال قوات مصرية لترابط على جبهة القتال في الأردن ورفض هذا الطلب بشدة من قبل الرئيس المصري كون الآمر يعني في النهاية أضعاف الجبهة المصرية، فكتب هيكل عن هذا الآمر في مقاله :
{دعني أقول لك أنك لست أول من سمعت منه هذا السؤال. فقد سمعته من غيرك أيضا.من ساسة كبار ومسؤولين في العالم العربي يعرفون ـ أو لابد أنهم يعرفون ـ بحكم مواقعهم في المسؤولية حقائق صراعات القوة.والسؤال منك ومن جميع أجيال الشباب العربي مقبول وأما من ساسة كبار ومسؤولين في العالم العربي فهو غير مقبول ، لأنه يعد قصف بالكلمات في وقت لا يحتمل غير القصف بالطلقات.وهذا القصف لايوجه إلى العدو بل يوجه إلى أخوتهم المشتبكين مع العدو بقصف الطلقات. أنهم يعرفون أنه ليس هناك خط فاصل مع الوسائل المتقدمة، خط فاصل بين السلاح الهجومي والسلاح الدفاعي وإن مهمة الحرب لا يمكن أن تكون محدودة وهدفها في النهاية هجوما أم دفاعا هو تدمير القوات المسلحة للعدو وأنه بذلك وليس بغيره يتحقق النصر}

عند عودتي إلى موسكو حدث أمر غريب فقد أُخْبرت بأن السفير العراقي السيد شاذل طاقة يبحث عني فاتصلت به، عندها طلب مني المجيء فورا إلى السفارة العراقية، وللعلم فأن السيد شاذل طاقة كان معلمي حين كنت تلميذا في بلدتي الموصل. حين قابلته سألني مباشرة عن طبيعة علاقتي بالسيد محمد حسنين هيكل وعن الحديث الذي دار بيني وبينه عندما جاء إلى موسكو برفقة الرئيس جمال عبد الناصر، فأخبرته بعدم إجراء أي حديث لي مع هيكل، ولكن السيد شاذل طاقة أصر بأن هناك حديث، وهذا ما نشر في صحيفة الأهرام عن لقاء وحديث مطول بيني وبين السيد هيكل، وأضاف بأن لديه دليل على ذلك،فقد شاهدني بنفسه وأنا أتحدث مع بعض المسؤولين السوفيت والمصريين وأنضم ألينا هيكل عند زيارة الرئيس جمال عبد الناصر وكان محمد حسنين هيكل ضمن الوفد المرافق. وأنا أي السيد طاقة، قد تسلمت رسالة مستعجلة من نائب الرئيس العراقي صدام حسين يطالب فيها معرفة الشخص الذي تحدث معه هيكل، ويعرض أي مبلغ من المال يطلبه هذا الشخص لقاء نشره تكذيب عن كل ما جاء في مقال هيكل والحديث الذي جرى بينهما، وإن هذا التكذيب سينشر في الصحف الموالية للعراق في بيروت والبلدان الأخرى.

دون مقدمات عرفت بأن الشخص المعني هو أنا بالذات لذا مباشرة رفضت إصدار أي تكذيب، حتى وأن كان فيه ضررا، فأنا كنت من المعارضين والمعادين للنظام الدموي الإرهابي في بغداد . عند ذلك انتهى لقائي بالسفير العراقي السيد شاذل طاقة، وكان أخر ما قاله لي السفير، أرجوك أن تفكر في هذا الآمر جيدا.

خرجت من عند السفير العراقي وتوجهت إلى السفارة المصرية في موسكو والتقيت بالسفير الدكتور مراد غالب الذي استقبلني بترحاب شديد ومودة. عرضت عليه ما دار في لقائي بالسفير العراقي، وكيف أن السيد هيكل قام باختلاق حديث مزعوم بيني وبينه. فأجابني السفير المصري مباشرة : هذه عادة محمد حسنين هيكل، وخلاصة الآمر أنه أستغل كونك من العراق ليقوم بفضح وكشف أسرار ما جرى في المؤتمر المصغر لبعض القادة العرب الذي عقد في طرابلس غرب ليبيا،حيث طلب الرئيس العراقي احمد حسن البكر نقل وحدات عسكرية مصرية إلى الضفة الغربية من فلسطين لتكون إسنادا في حالة تصدي القوات العراقية والأردنية ومواجهتها لأي عدوان إسرائيلي، وقد رفض الرئيس ناصر ذلك قائلا هل تريد أن تبقى الجبهة المصرية مكشوفة بشكل كامل أمام إسرائيل بعد أن نرسل قواتنا المسلحة خارج الحدود، وأضاف دكتور مراد غالب بأنه سينقل شكواي من هيكل وسوف يخبرني بالنتيجة وعلي أن أعرف مسبقا أساليب عمل هيكل.

في اليوم التالي أتصل بي السفير المصري دكتور مراد غالب وطلب حضوري، وخلال لقائنا أخبرني بأن الرئيس عبد الناصر قد أطلع على ما حدث، وأنه يؤيد رفضك إصدار تكذيب لما تم نشره، كون هذا التكذيب في حالة ظهوره سيصب في مصلحة النظام العراقي فقط. وبدوري وافقته القول فأضاف قائلا : هذا يحدث دائما مع أغلب ما ينشره هيكل، وذكر لي حادثة تدل على نزعة هيكل في تلفيق المقالات والأحداث، قائلا : في أحدى زيارات الرئيس عبد الناصر لموسكو التقيت مع القائد السوفيتي ليونيد بريجنيف وقلت له بأن محمد حسنين هيكل شخصية مقربة جدا من رئيسنا ناصر وله منزلة خاصة عنده، وفورا أخذني بريجنيف من يدي وذهبنا نحو هيكل وسأله بريجنيف هل أنت مسرور من نتائج الزيارة فأجابه هيكل نعم كل شيء جيد.

بعد عودة هيكل إلى القاهرة نشر مقال قال فيه إن الزعيم السوفيتي سعى للقائه في موسكو وطلب رأيه فيما جرى التوصل أليه في المفاوضات السوفيتية المصرية، بالطبع لم يحدث مثل ذلك على الإطلاق، ولكن هيكل صنع من تلك الكلمة القصيرة حكاية ومقال مطول أستعرض فيه آراءه في مجمل الزيارة والعلاقة بالسوفييت.

كان محمد حسنين هيكل مقربا جدا من الرئيس جمال عبد الناصر وبدأت معرفتهما ببعض منذ عام 1948 خلال الحرب العربية ـ الإسرائيلية ، وتوطدت بعد الثورة المصرية عام 1952 . وخلال انعقاد مؤتمر دول عدم الانحياز في باندونغ في إندنوسيا عام 1959 كان محمد حسنين هيكل يلعب دور المستشار الصحفي لجمال عبد الناصر، لذا يقول ناصر عنه ، أنه كان مكلفا أي ناصر بلقاء ممثلي الإعلام العالميين بعد كل جلسة لنقل ما حدث في المؤتمر وأراء الرؤساء المشاركين فيه مثل الزعيم الصيني شو إن لاي والزعيم الاندنوسي سوكارنو والزعيم اليوغسلافي تيتو ورئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو وغيرهم، فكان هيكل يأتي ليقدم ليّ خلفية الأحداث والتصريحات ومواقف الزعماء وينقل جميع ما كان يدور وراء الكواليس، وهذا ما كان يعطيني إمكانية الإلمام بكل ما يجري داخل وخارج جلسات المؤتمر، وهذا ساعدني على نقل الصورة كاملة للإعلام عن وقائع المؤتمر والنتائج التي تمخضت عنه.

نتيجة لهذه العلاقات بين الرجلين فأن الرئيس عبد الناصر وبعد نجاحات عدة برفقة هيكل ابتدأت تظهر ثمارها بعد ثورة يوليو 1952 مباشرة، فقد دار حديث مطول بين الشخصين حول قيم الثورة وأهدافها وتحدث ناصر عن الأسس الفكرية التي تستند أليها الثورة وأستعرض الخطوط العامة لطبيعة الثورة وغاياتها وأهدافها،فقام محمد حسنين هيكل بإصدار كتاب فلسفة الثورة مستندا على كلام عبد الناصر وبتفصيلات ضافية، وقد أحدث هذا الكتاب ضجة وقبولا عند المواطنات والمواطنين في مصر وكافة الأوساط العربية والعالمية، وترجم إلى العديد من اللغات الأجنبية.

وواصل هيكل تعاونه مع عبد الناصر وكان يلتقيه يوميا، لذا كانت تظهر في كل يوم جمعة من الأسبوع مقالة في صحيفة الأهرام تحت عنوان بصراحة، تتضمن في الكثير من الأحيان الخطوط العامة لتوجيهات وآراء القيادة المصرية في مجمل الأحداث المصرية والعربية وكذلك العالمية، ويقوم الإعلام المصري بترجمتها لعدة لغات وتذاع من الإذاعة، وكان الناس يعتبرون تلك المقالة الرأي الرسمي للحكومة، وعندما لا تتوافق في محتواها مع المزاج الشعبي ولا حتى الرسمي، كان يقال بأن المقالة تعبر عن آراء هيكل الشخصية.

كان هيكل وفي الكثير من الأحيان يورد أخبار ومعلومات خاطئة أو ملفقة وغير صحيحة وبعيدة عن المنطق.فعلى سبيل المثال عندما كتب مقالا عن الحوادث الدامية التي وقعت في مدينة كركوك العراقية عام 1959 وصف هيكل مدينة كركوك بكونها عاصمة الموصل!! ، وإن الآلاف من القوميين العرب قد قتلوا في تلك الأحداث، في الوقت الذي يعرف الجميع بأن سكان كركوك هم من الأكراد والتركمان وهناك عدد قليل من العرب لم تكن لهم أية أدوار في الحياة السياسية والصراعات في المدينة.

كانت مقالات هيكل متخمة بالتفاصيل والمعلومات التي لا طائل منها، وكان من الممكن اختصار المقال إلى بضع أسطر لا غير، وتلك الأسطر هي كامل الفكرة وهدف الموضوع ، ولكن رؤية هيكل في هذا الآمر تقول بأن العرب يعشقون قصص ألف ليلة وليلة ويحبون الإسهاب والإطالة والتشويق، وهو يسير على هذا النهج، مستغلا السذاجة والتخلف التي تسود أوساط واسعة من المجتمعات العربية .

استمرت العلاقة بين هيكل والرئيس جمال عبد الناصر حتى وفاة الأخير، وقد لعب هيكل دورا كبيرا في انتخاب أنور السادات رئيسا لمصر، ومارس هيكل في بداية عهد السادات دوره السابق بالعلاقة مع الرئاسة المصرية، ولكن أنو السادات كان يختلف عن عبد الناصر بالكثير من الأشياء ويتصف بروح المؤامرة والحقد المبيت والثارات، وابتدأ عهده بالمؤامرات والمكائد والتلفيق وعدم الثقة والتعالي والغرور، وقطع شوطا كبيرا في القبض على مصادر القوة والقرار في مصر لذا أعتبر أن خطط وتوجهات السياسة المصرية والقرارات يجب أن تصدر عنه دون غيره، لذا بدأت العلاقة بين الرجلين تسوء تدريجياً ، حتى وصلت بالسادات للقول أمام المسؤولين المقربين منه : أنا لا أريد أحدا ينصب نفسه ملقنا على خشبة المسرح. في الوقت الذي كان السادات لا يكن الود ولا يرتاح للعديد من الشخصيات والقادة الذين كانوا قريبين من جمال عبد الناصر وبالذات منهم من كان يرغب باستمرار سياسة مصر بذات النهج وأسلوب القيادة التي سارت عليها إدارة الدولة على عهد ناصر.

وصلت الأمور إلى الحد الذي قرر فيه السادات وضع الكثير من أنصار الرئيس ناصر في السجون ومنهم محمد حسنين هيكل. وبعد مقتل الرئيس السادات أصبح هيكل من جديد قريبا من الرئيس محمد حسني مبارك ولكن ذلك التقارب لم يستمر طويلا، حيث تم أبعاد هيكل من قبل جوقة المستشارين المقربين من الرئيس مبارك، عندها لجأ هيكل للكتابة في الصحافة العربية ومن ضمنها جريدة السفير الصادرة في بيروت ثم أخذ يظهر في برامج تلفزيونية خاصة في قناة الجزيرة القطرية المشبوهة، وكان يعرض آرائه وأفكاره التي يعتبرها الأساس في تحليل السياسة العربية وما يجب انتهاجه والأخذ به. ولم تدم أيضا علاقة هيكل بقناة الجزيرة ، لكنه استمر في أجراء اللقاءات مع وسائل الأعلام .

بعد أن تمكن الأخوان المسلمون من السيطرة على الحكم في مصر وأصبح محمد مرسي رئيسا للجمهورية، أتخذ هيكل موقفا مناهضا لحكم الإسلاميين الذين أرادوا العودة بالبلاد إلى فترة القرون الوسطى. لقد واجه الحكام الجدد مواقف هيكل بالتهديد والعنف ووصلت الأمور حد إحراق مكتبته والفيلا التي يمتلكها. لم يدم حكم مرسي والأخوان طويلا فقد وقفت الملايين من جماهير مصر ضد سياساتهم وأساليبهم في الحكم.

وبعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي ومجيء الرئيس عبد الفتاح السيسي وانتخابه رئيسا لجمهورية مصر، ظهر من جديد محمد حسنين هيكل بالقرب من السيسي ، مؤيدا لسياسته وأفكاره وتوجهاته وأراد هيكل أن يلعب ذات الدور الذي كان يقوم به في عهد الرئيس جمال عبد الناصر إلا أنه لم يفلح في ذلك .

بوفاة محمد حسنين هيكل انتهت الفترة التي كانت فيها الصحافة المصرية تلعب دورا أساسيا في تمرير وتنفيذ والدعوة إلى الأفكار السياسية التي كانت تؤمن بها القيادات السياسية المصرية.




 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter