|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  13  / 4 / 2015                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 

 

يوميات تصرخ بالندم
أحداث حقيقية
(2)

بدور زكي محمد  *
(موقع الناس)

في الجزء الأول من هذه اليوميات، كانت محدثتي توشك أن تروي لي وقائع أليمة عن اعتقالها لكنها صمتت ولاذت بوسادتها وكأنها فزعت من استعادة تلك الأوقات العصيبة، وتمنت لو أنها تغفو قليلاً لتزول عنها رؤى موحشة، أو تنمحي من ذاكرتها بعض التفاصيل المروعة، قلت لها: لابأس عليك، لنؤجل الحديث، لكنها في اليوم التالي أفاقت وقد تلاشت من عينيها غلالة الحزن، وعادت لتروي لي بقية قصتها، وهي تقول بسخرية بهيجة: ستسمعين منّي ما يضحككِ مع كل ما يثيرالخوف والهلع!

وقبل أن أخبركم بما أفضت به، أود أن أؤكد لكم أعزائي القرّاء وعزيزاتي، أن المصادفة وحدها هي التي قادتني لنشر هذه اليوميات في شهر نيسان الذي شاء القدر أن يتزامن فيه الربيع وأزهاره البديعة، مع أسوأ حادث عرفه تاريح العراق، ذلك هو مولد صدّام حسين، وقد سبق بسنوات مولد عاثر آخر هو انبثاق حزب البعث من ركام القبائل العتيقة، وكأنها نبوءة ببدء عصر الشرور.

أعود الآن لصديقتي الراوية، قالت:

" من العبث أن أصف لكِ خوفي وهم يقتادوني لغرفة التحقيق الرهيبة، فلم يكن خوفا ما شعرت به، بل حالة من التلاشي أوالشلل التام، كانوا يسحبوني في ممر طويل حتى أجلسوني على كرسي عتيق وخزتني مساميره الناتئة، بينما سرى تيار كهربائي جعلني أهتز بعنف وأصرخ، وخيّل لأحدهم أن الروح ستفارقني فأوقف الصعق لكني فقدت الوعي قبل ذلك بثواني، ولم أصحَ إلا بعد أن ألقوا على رأسي سطل ماء بارد جداً، ومعه سيل من الشتائم الجارحة.. أرتحت قليلاً وكان الحوار قد بدأ بسؤال ضرب رأسي كفأس ثقيلة :
- أين ذهب زوجك الحقير، الخائن ..؟
- ومن أين لي أن أعرف، هل تحسبون أنه أطلعني على وجهته؟ صدّقوني أنا أجهل تماماً كل تحركاته، ألم تكونوا تراقبونه؟
لم يرق هذا السؤال لأحدهم فصفعني، بينما كان آخر يضحك ويقول:
نحن نسأل ولست أنت يا (...)، هل كنت تحبينه، وماذا فعلت معه في أول ليلة ...
صار يضحك ويتبادل مع زملائه كلمات بذيئة ويرشقني بنظرات جعلتني أشعر بالعار، لكن كل ذلك توقف حين دخل محقق يبدو أن له كلمة على هؤلاء الجلاوزة، قال بلهجة آمرة :
دعوا هذه البائسة، وركزوا على إخوة الخائن، فقد كانوا معه في جولاته، لا ترحموهم، ولا بأس أن تأخذوا هذه المرأة لتشهد تعذيبهم، فربما تخفي شيئاً.

وفعلاً فقد اقتادوني إلى زنزانة إخوة زوجي الثلاثة، وكانوا مربوطين بسلاسل ثقيلة وقد بدت عليهم آثار تعذيب رهيب، وقد تعمد المحقق أن يركلهم بقدمه ليرهبني.

عاودتني فكرة الإنتحار بعد أن عدت لردهة المعتقلات ولم أفكر بولدي. وهكذا طلبت من سجينة معي علبة الفاليوم التي كانت تخفيها، تجرعت كل ما فيها ثم غبت عن العالم، لكن لسوء حظي كانت زميلتي قد تنبهت وصارت تصرخ وتسببت لي في حياة جديدة لا خير فيها.

حين هدأت تقلصات معدتي أيقنت بأن الموت صار أمنية بعيدة، بينما راحت رفيقتي السجينة تمسح العرق عن جبيني وتهدهدني بدعاء شفيف بأن يفرّج المولى عن كربي. طربت لصوتها الخاشع واستغفرت ربّي، وكدت أن أغفو على نغمة دعائها لولا أن أيقظني صراخ سجينة في الجوار، كانت أم زوجي وقد جاء دورها في جلسة التحقيق.

كنت حسنة الظن بالأوغاد وحسبت أن عذابي قد انتهى، لكنهم عاودوا صعقي بالكهرباء ليوم ثانٍ وثالث. وفي صباح أحد الأيام أحضروني إلى غرفة كبير المحققين لكتابة المحضر، كان الشرر يتطاير من عينيه، هددني بقلع أظافري ونتف شعري إذا لم أخبره بمكان زوجي، صرت أبكي بحرقة وأؤكد له بأني لا أعرف شيئاً. كان يرمقني بنظرات خسيسة ويسألني عن علاقتي بزوجي بألفاظ نابية، وأنا أتسربل بخوفي من نواياه وأتجنب أن تلتقي عيناي بوجهه القبيح. أحد مرافقيه سألني: لماذا تضعين غطاء الرأس؟ أجبته: هل أصبح بريئة بنظركم إذا رفعته عن رأسي، لا مانع لدي.

ويبدو أن هذا الرجل لديه ذرات قليلة من الرحمة، فقال لي:
بإمكانك أن تحتفظي به فليس هو سبب وجودك هنا. إلى هذا الحد أستطيع القول بأنهم لن يرعبوني بتحقيق آخر، هكذا تصورت.

كان عددنا في ردهة السجن قرابة ثلاثين سجينة، بعضهن يدخنّ بشراهة، فطلبت من السجّانين أن ينقلوني لغرفة الغسيل، وقد علمت بعد حين أن المعتقل يقع في مديرية الأمن العامة في ساحة الأندلس. وفي هذه الأثناء وصلت تعليمات بأن لا يسمح لنا ( أنا وأختي وشقيقة زوجي وزوجة أخي)، بأن نختلط بالمعتقلات لأن قضيتنا في دور التحقيق، ولأن زوجي كان بعثيا وذي مركز مهم في الجيش...." .

وبينما أنا أستمع إليها ابتسمت وقالت:
" سأحدثك عن قصص طريفة حصلت لي ولرفيقاتي في السجن، ثم أعود لمأساتي!

أم نبيل قضت في السجن سبع سنوات وكانت تقسم أيماناً بأن يداً تمتد إليها وتدّلها على الموضع الذي وصلت إليه في قراءة القرآن قبل أن يفاجئها النوم!

مرة كنت أدعو الله أن يفّك أسري، وإذا بحمامة ترتطم بجهاز المكيّف وتسقط ريشة منها على كتفي، اعتقدت بأنها بشرى بالخلاص وبأن جناحين سينموان على كتفيّ. ومرة حلمت بان السجّان سيجلب لنا كيس سكر ومأكولات طيبة، وفي اليوم التالي جاءت لنا زائرة ومعها كل ما تمنيناه. أظنك ستستغربي، لكن صدّقيني فالسجن والمستشفى يجعلان من الأكل أهم الأحداث!

كانت معنا سجينة ممسوسة، تدّعي إن العبّاس يضربها فتتنبأ بالغيب، كانت تهمتها الشعوذة. قالت لنا : لن تخرجن (أنا وقريباتي) بل ستجرى لكنّ محاكمة، ولن يفرجوا عنكنّ إلا بعفو خاص! والغريب أن هذا ما حصل فعلاً! فبعد أن قضينا عاماً في مديرية الأمن، نقلونا إلى سجن الرشاد، وبعد شهرين أطلقوا سراحنا بموجب عفو عام.

أم علاء كانت تعتقد بأن ألأئمة يكفلون لها السلامة إذا ما كتبت أسماءهم على ذراعيها، وأنهم سيحجبونها عن نظر المحققين، وكان هؤلاء كلما ضربوها تسألهم: هل تروني؟ فيضحكون منها ويواصلوا الضرب.

من الأمور الطريفة أن شقيقتي الأصغر التي رافقتني في السجن ولم ينالها أي ضرب أو تعذيب، كانت تحسب نفسها في فندق، فتقضي في حمامنا الوحيد والبائس مدة طويلة، فيتعالى صراخ السجينات ويهددونها اما أن تخرج أو يبلغوا السجّان فيعاقبها.

قصة عجيبة حصلت لسجينة كانت تعمل في تجارة السيارات لحساب شخصيات بعثية، كانت واجهتهم في معاملات غير قانونية، ويبدو أنها اختلفت معهم فوشوا بها. عذبوها بشدّة وأصيبت جرّاء ذلك بمرض في القلب، ثم قرروا أن يحقنوها بالسم، لكن الغريب أنه كلما حقنها الممرض يرتد عليه السائل السام ولا يدخل في جسدها! وهذا التكرار جعل المحقق يشتاط غضباً فيضرب الممرض ويأمر بإطلاق سراحها. وقد تكون لديّ اعتقاد بأن سر نجاتها هو أني قرأت لها آية الكرسي مرات عديدة حين جاءتني تستغيث وتقول لي أنهم سيقتلونها!!

إحدى المعتقلات كانت صديقة لطه الجزراوي وجاءوا بها إلينا بتهمة الإدمان على المخدرات، كانت جميلة جداً.
سجينة أخرى من عائلة بعثية، كان أخوها طياراً، وأبوها يعمل في ديوان الرئاسة. أتهموها بشتم صدّام والحقيقة أنها ذهبت لزيارة جرحى الحرب وتأثرت لمصابهم فصارت تبكي وتقول لو أن الرئيس يتنازل عن الحكم تنتهي الحرب، وقد سمعها صديقها فوشى بها. عذبوها بقسوة وعلمت بعد حين أنهم أعدموها. كم تألمت لرحيلها، كانت تلجأ لي وقد نصحتها بالصلاة والصوم لتكفر عن لحظة قنوط ووجع جعلاها ترمي بالقرآن الكريم.

أعود لقصتي، كانوا يجلبوني للتحقيق كلما استجد أمر في تحركات زوجي وكلما استغرق في حماقاته، وأنا من فرط خوفي ما أن أقف أمامهم حتى أصاب بالإسهال...

وفي يوم استدعوني لأمثل أمام مبعوثين من ديوان الرئاسة، سألني أحدهم عن العشيرة التي أنتمي لها، وسأل آخر عن سبب انتظاري الطويل لزوجي بينما هو متزوج من امرأة أخرى. وكان جوابي له: ليس كل امرأة في حياتها أكثر من رجل. وقد استاء منّي وقال: لا يحق لك أن تقفي مع الماجدات في طوابير بيع البيض والدجاج، فقلت له: أنا لا أحب الدجاج، فغضب مني وقال: أنت إمّعَ.

كان بينهم مسؤول أمني كبير ينادونه (أبو محمد)، قال لي: لماذا تزوجت ذلك الخائن، ألف رجل أفضل منه يتمناك. أمرني بكتابة رسالة إلى زوجي أخبره فيها بأن هناك عفو خاص ينتظره وبإمكانه أن يطمئن ويرجع، كما أن أمه بحاجة له. وبعد أيام أخذوني إلى بيت عائلة زوجي، وجاءوا بإبني الذي كان مع والدتي، ظناً منهم أن الغائب سيعود بسبب الرسالة، ولما لم يتحقق ذلك أعادوني إلى السجن، وفي الطريق قال ولدي لأبي محمد، عمو لماذا لا تأخذني إلى مدينة الألعاب، فابتسم هذا الرجل المتجهم والمخيف وقال: مدينة الألعاب مغلقة الآن، سآخذك في المرة الثانية، أدلل. بكي صغيري حين أوصلناه لدار والدتي، وصار أحد عناصر الأمن يبكي معه!

وكان سبب أمرهم لي بكتابة الرسالة، حماقة صارخة ارتكبها زوجي، فهو من فرط أنانيته وسوء تقديره للأمور لم يتوقع أن أكون معتقلة وكل ما حصل من كوارث، لذلك أرسل مع أحد المتعاونين معه رسالة لي، لكن الرسول خشي من العواقب وسلمها لمديرية الأمن.

فقبل أيام من لقائي بموظفي الرئاسة، فاجأوني في منتصف الليل على غير عادتهم، وسلمني كبيرهم ظرفاً رسمياً يتضمن رسالة من زوجي، كتب فيها:
" إرتدي ملابس سوداء ونظارة واطلبي مقابلة صدّام، وأطلبي منه سيارة. وإذا سألوك لماذا الأسود، أجيبيهم بأن والدي قد توفى. وأرجو أن تقولي لإخوتي أن ينفذوا ما اتفقت معهم عليه ".

لقد كان زوجي مسؤولاً عن إعدام إخوته الثلاثة، فقد أدانهم برسالته الكارثية تلك، بخاصة وأن أحدهم كان يعمل في مؤسسة عسكرية مهمة.

لقد صدّعت رأسك بقصصي الأليمة، وأني أؤكد لك أن إيماني وقراءتي المستمرة للقرآن، والدعاء من قلب كسير، كل ذلك نجّاني من خساسة رجال الأمن ونواياهم الشرّيرة، وبخاصة كبيرهم الذي أتمنى أن يكون قد قُتل مع الكثير ممن طالتهم يد العدالة الشعبية.

كانت فترة السجن قاسية لكنها زودتني بطاقة هائلة، وعلمتني الصبر، وإن بدوت أمامكِ عليلةً، فإن قلبي ما يزال سليماً وفي نفسي تطلع إلى حياة أفضل. ما يؤلمني إن الصبر وإن قالوا عنه جميلاً، فإنه أحياناً يدمّر الذات، وهذا ما حصل معي، فقد صبرت على زوجي ولم أطلب الطلاق، على الرغم من عودته مع زوجة وأولاد، ومن سوء معاملته لي وعدم إقراره بتسببه بقتل أبي وإخوته الثلاثة. كنت آمل بإصلاحه لكن هيهات أن أن ينبت الورد في صخرة جرداء. ليهنأ بمناصبه المتعاقبة ولينتظر عقاب الله على ما اقترف بحقي وبحق كثيرين مازالوا يدعون عليه... "

بهذه الكلمات الأليمة أنهت محدّثتي قصتها، فعذراً لكوني أطلت، فهذه كانت رغبتها.




 * كاتبة عراقية

 

 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter