|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  12  / 7 / 2017                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 

 

تهمة الإلحاد بالشيوعيين

محمد علي العامري
(موقع الناس)

إننا لسنا ضد الدين ، بل ضد التطبيق السلبي للدين .......... أنجلز
إذا أردت أن تتحكم في جاهل ، عليك أن تغلف كل باطل بغلاف الدين ...... أبن رشد 1126 م – 1198 م

بسبب ما يسمى بالتوازنات والمعادلات التي قام عليها النظام السياسي الطائفي في العراق ، بلغت الإنقسامات الداخلية مداها الذي ينذر بكارثة إجتماعية ، فقد تداعى الى إنقسام مذهبي عاصف ، كان ولا يزال الأكثر تأثراً وتفجراً ، وقد وضع البلاد على شفير حرب أهلية . فالكتل الإسلامية وأحزابها قد إستغلت الدين بأبشع صور الإستغلال لتختزله بالطائفية والمذهبية ، فأصبح عامل أنقسام وخلل خطير يحول دون بناء وحدة وطنية حصينة ، بل تجاوزت هذه الكتل الى مديات أكثر خطورة على العراق وشعبه في تنامي إستخدام العامل المذهبي في المدى الإقليمي ، ليكون تداول الوصاية والأوصياء وبناء معادلات الداخل بالإرتباط بالمعادلات الإقليمية والدولية ، والمضي في سياسة الإستقواء والإرتهان بالتدخل الإقليمي ، فلقد أمتد النفوذ الخارجي عميقاً في ثنايا الواقع العراقي "وتصاعد الدور الإقليمي وتعمق كثيراً في نسيج الحياة السياسية والأمنية والإقتصادية والمالية والإجتماعية والثقافية والدينية العراقية"

فالأوضاع المأساوية والكارثية في العراق تتطلب الكفاح والعمل من أجل التخلص من نظام المحاصصة الطائفية المقيتة وإقامة نظام مدني ديمقراطي بديل ، ليكون هو الحل الجذري لهذا المأزق . ليكون نظام مدني علماني بخصائص عراقية يفصل الدين عن الدولة ، وأن يحيد العمل السياسي العام ووظيفة الدولة ومؤسساتها عن الإستخدام الطائفي والمذهبي . ولهذا يبرز المطلب البديل عن الدولة الدينية هو الدولة العلمانية ، لأن الدولة الدينية تحتكر الحقيقة المطلقة لها والتي يؤمن الأصوليون بإمتلاكها ويحاربون ويعادون كل من يختلف معهم ويخالفهم .

"والعلمانية برفضها وهم إمتلاك الحقيقة المطلقة ، قد تساوي بين كل العقائد ولاتحكم بصحة او خطأ أي عقيدة فهذا ليس شأنها". بل تحترم كل عقيدة وتعمل على إتاحة المجال لأصحاب العقائد المختلفة ليمارسوا عبادتهم وشعائرهم دون وصاية ، وكذلك تقر بحق كل طائفة دينية في بناء دور العبادة الخاصة بها .

فإذا ما حرر التعدد الديني والمذهبي والطائفي في العراق من الإستغلال السياسي والفئويات " يكون مصدر غنى ثقافي ودافعاً للتسامح والإنفتاح ، وكذلك يكون عاملاً لتعزيز الديمقراطية في الحياة العامة . " أما إذا اعتمد معياراً للفرز والتناقض والصراع ، فيمكن أن يؤدي الى شرذمة الشعب والى دمار المجتمع ، فضلاً عن تشويه الدين ذاته.

فالعلمانية والدولة المدنية التي يطالب بها الشيوعيون تعني الزمانية والحداثية وليس الإلحاد كما يحلوا للإسلاميين ان يسموها . وكذلك الدولة اللادينية هي ليست دولة الإلحاد وانما تعني فصل الدين عن الدولة ، وفصل الدين عن السياسة ، وهذا لا يعنى إلغاء الدين أو الإنتقاص منه ، بل هو تعزيزاً واحتراماً له . وهناك الكثير من رجال الدين العقلانيين يطالبون جهاراً بالدولة العلمانية ، لأنهم على دراية تامة بأن العلمانية تحمي الدين من سيطرة الدولة عليه ، وتحمي الدولة من سطوة الدين .

وثائق الحزب الشيوعي العراقي

جاء في المادة (1) من النظام الداخلي للحزب :
" الحزب الشيوعي العراقي إتحاد طوعي لمواطنات ومواطنين يجمعهم الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة والفلاحين والكادحين وعن الحقوق والمطالب الوطنية لسائر فئات الشعب ، والكفاح من أجل تأمين التطور الديمقراطي الحر والمستقل للبلاد ، ولتحقيق التحولات الإجتماعية وصولاً الى بناء الإشتراكية فيها "

هنا وفي أهم وثيقة تنظم حياة الحزب الداخلية ، لم يتطرق الحزب لا من بعيد ولا من قريب الى قضية الدين أو المساس به ، أو حث المنتسبين اليه الى رفض الدين كشرط الإنضمام الى صفوفه .وهذا جواب واضح لكل من يحاول أن يلصق تهمة الإلحاد أو الدعوة الى الإلحاد بالحزب الشيوعي العراقي .

ففي أدبيات الحزب الشيوعي العراقي وبرنامجه السياسي نجد أن الحزب يبحث عن أصل ومسببات عذابات ومآسي الإنسان العراقي في عمق الصراع السياسي والإجتماعي حول علاقات الإنتاج الإجتماعية. ويتخذ هذا الصراع منذ عقود طوال شكل ومضمون المواجهة بين مشروعين متمايزين تماماً " مشروع الدولة الدينية من جهة ، والذي تقف وراءه وتدعمه القوى الظلامية التي تتخذ من قدسية الدين درعاً أيدلوجياً لتحقيق مصالحها الإقتصادية والسياسية الدنيوية الضيقة ، ومشروع الدولة المدنية الديمقراطية من جهة أخرى ، والذي ترفع لواءه قوى الإستنارة والعقلانية السياسية التي تتطلع الى نظام حكم يراعي خصائص التعدد والتنوع الذين يتميز بهما شعبنا العراقي ، بما يصون الوحدة الوطنية "

وما يسعى اليه الحزب الشيوعي العراقي لتوحيد قوى الإستنارة في النضال من أجل الدولة المدنية الديمقراطية ، ومواجهة التطرف والهوس الديني ، لا يعنى أن الشيوعييين يسعون لمحاربة الدين ، وإنما يسعون لإبعاد المخاطر الناجمة عن الدولة الدينية وإقحام قدسية الدين في السياسة .

منذ الحلقات الأولى التي تأسس على ضوئها الحزب الشيوعي العراقي عام 1934 ولحد يومنا هذا حرص الحزب على التعامل مع الدين بإعتباره مكوناً أساسيا من مكونات وجدان المجتمع العراقي ، وتأسست رؤيته على إحترام مقدسات العراقيين وأديانهم - الإسلام ، المسيحية ، اليهودية ، الصابئة المندائية ، الأزيدية والشبك - ولم أجد ضمن بحثي ومتابعتي لبرامج ومواقف الحزب الشيوعي العراقي أي إستهانة بدور الدين في حياة الفرد والإسرة ، بل وجدت الرفض التام لأي إساءة أو الإنتقاص أو المساس بالمقدسات والأديان ، حيث بذل الشيوعيون جهدهم لعدم إثارة مسألة الدين ، مستلهمين على الأقل موقف أنجلز الواضح " إننا لسنا ضد الدين ، بل ضد التطبيق السلبي للدين " . بالوقت نفسه يرفض الشيوعيون العراقيون أن يكون الدين ورقة نزاع في سياق الصراع الإجتماعي . وما زال موقفهم المعارض من الناحية الفكرية والسياسية ضد أي مسعى ، ومن أي قوى إجتماعية أو سياسية لإستغلال الدين في تحقيق أي مغانم أو مآرب فئوية أو طائفية ضيقة تخل بالنسيج الإجتماعي .

شيوعيون مؤمنون
لو وضعنا خارطة الحزب الشيوعي التنظيمية وأحصينا عدد الشيوعيين المؤمنين والمتدينين ، لوجدناهم كثر ، فهناك المسلم المتدين الصائم المصلي والذاهب الى الحج ، وهناك المسيحي المؤمن وكذلك الصابئي المندائي والأيزيدي والشبكي الذين يمارسون طقوسهم الدينية وهم شيوعيون .

والسبب هو :
أولاً - وكما وضحنا أعلاه ، أن الحزب الشيوعي لا يشترط على الراغبين في الإنضمام الى صفوفه أن يتخلوا عن دياناتهم أو مقدساتهم - راجع النظام الداخلي ، المادتين الأولى والثانية في شروط العضوية.

ثانياً - العدالة الإجتماعية التي يسعى الحزب الشيوعي لتحقيقها بإعتبار المواطنة هي التي توحد الشعب العراقي وتحافظ على تماسك نسيجه الإجتماعي ، بغض النظر عن دين المواطن أو مذهبه أو قوميته .

ثالثاً - المساواة الكاملة في شروط العضوية ، فترى المسلم والمسيحي والصابئي المندائي والإيزيدي والشبكي والملحد يجتمعون على طاولة واحدة وفي هيئة حزبية واحدة ، ولا أحد منهم يعرف من هو المسلم أو المسيحي أو غيرهم من الديانات الأخرى، إلاّ إذا كانوا من نفس المنطقة أو العمل .
رابعاً - يجد البعض في إنضمامهم للحزب الشيوعي أن هناك عدالة ومساواة في الحقوق كمواطنين عراقيين بعدما شعروا أن هناك بعض الإضطهاد الإحتماعي ، ولم يجدوا ملاذا سوى الشيوعيين الذين هم من يدافع ويناضل من أجل طمس الفوارق الإجتماعية بسبب الدين أو المذهب أو القومية وغيرها .

خامساً - البرنامج الوطني للحزب الشيوعي ، ونضال الشيوعيين وكفاحهم من أجل المساواة والسعي لتحقيق مطالب العمال والفلاحين والفقراء وتخفيف معاناتهم والحد من إستغلالهم من قبل أرباب العمل والإقطاعيين ، والتي تم تحقيق الكثير من هذه المطالب ، حيث إقتنع العمال والفلاحون والكسبة بأن الشيوعيين هم من حقق لهم هذه المكاسب التي رفعت من مستواهم المعيشي ، ورفعت الحيف عنهم ، فسارع الكثير منهم الى الإنتماء للحزب الشيوعي وهم متسمكين ومحافظين على ديانتهم وتدينهم . وهناك الكثير غيرهم من الموظفين والمعلمين وأساتذة الجامعات الذين إقتنعوا وآمنوا بمسيرة الحزب الشيوعي النضالية من أجل الحرية والديمقراطية وبناء الدولة المدنية ، فأصبحوا أعضاءاً لهم مكانتهم المرموقة داخل الحزب بالرغم من بقائهم على تدينهم والتمسك بمعتقداتهم ومقدساتهم .

فالشيوعيون لم يشغلهم الإلحاد والدين والتدين ، ولا بوجود الإله أو عدمه في خططهم وبرامجهم الفكرية والسياسية ، إنما مشكلتهم الكبرى هي " القضاء على التفاوت الطبقي وتحقيق المساواة بين الناس عن طريق إعادة توزيع الخيرات بينهم توزيعاً عادلاً " .

والتحليل الماركسي لا يؤمن أصلاً بفكرة صراع الحضارات أو الصراع الديني الفكري ، بل ينطلق من مبدأ صراع الطبقات المتفاوته. وهذا ما يؤكده البيان الشيوعي الذي كتبه ماركس وأنجلس عام 1848 " إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية " .

ولهذا لم أرى أي مبرر أو سبب إلصاق مسألة التبشير للإلحاد بالحزب الشيوعي العراقي وبالشيوعيين بشكل عام . فالشيوعيون كانوا ومازالوا يتجنبون بطريقة واعية توجيه حتى أصغر إساءة الى معتقدات الناس أو المساس بها ، لأنها غير مطروحة أصلاً في أجندتهم وبرامجهم السياسية والتنظيمية . وخير دليل على ذلك ما كتبه القيادي بالحزب الشيوعي العراقي الراحل زكي خيري : " في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي الذي انتميت اليه منذ العام الأول لتأسيسه ، لا توجد أية حالة تورط فيها الحزب في صراعه مع المتدينين من أي دين كانوا "


المصادر :
النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
البرنامج السياسي للحزب الشيوعي العراقي للمؤتمر العاشر 2016
كتابات الرفيق فهد
مذكرات زكي خير ( صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم )
البرنامج السياسي للحزب الشيوعي اللبناني
برنامج الحزب الشيوعي السوداني للمؤتمر الخامس 2009

 

ستوكهولم
12 حزيران 2017
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter