|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  11  / 12 / 2025                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 

 

الاثنوجرافيا وثنائية البقاء والزوال
الشاهد على مُر الحياة
مع رواية "أشگندا" لسعيد غازي الأميري

د. صالح الطائي
(موقع الناس)

كما يتعمد المؤمنون بالماء الجاري لينقوا أنفسهم من درن الحياة، عمَّد سعيد غازي الأميري حروفه من أجل أن يمنحها الطهارة لتُعبِّرَ عن مشاعر أمة حاق بها سوء التعامل باسم الرب، مع علم الظالمين أن الرب العادل يرفض أن تتم محاسبة الناس باسمه، فهو واحد لا شريك له، ولا يقبل لأحد ان يدعي أنه شريكه، أو مخول من قبله ليحاسب الناس على معتقداتهم. هذا ما جاءت رواية "أشگندا" (*) لتقوله لنا، ليس لأن جميع الناس لم يسمعوا به من قبل، وإنما لكي يخزنوه في ذاكرتهم ولا ينسونه، ليخلد إلى الأبد، يُذكِّر بقسوة الإنسان تجاه أخيه الإنسان.

وبعمق طقس التعميد بدت رواية "أشگندا" بعمقها وأصالتها وكأنها سرد انبثق من ذاكرة وادي الرافدين الموغلة في عمق الكون والتاريخ، وطيبة عشاق الماء المندائيين، لتشتغل على ذاكرة جماعية عائلية تتقاطع فيها الأسطورة والطقس والدين المحلي، دين المندائية الصابئية الموغل في القدم، مع أحداث التاريخ الحديث بكل وجعها المتوحش الذي أورث النزوح والوباء والعنف السياسي والديني والقتل والتهجير.

وقد تعاطى الراوي ومعه كل شخصيات الرواية مع طقوس المياه والتعميد والموت وكل الطقوس التي تُنظّم بداية ونهاية الحياة المندائية، وكأنه أراد للقصة ان تخلد مثلما هو الماء خالد.

السرد نفسه مر بمراحل زمنية تنطبع على الواقع المندائي، امتدت من الحياة القروية التقليدية التي كانت ترتع على شاطئ النهر إلى تجربة الهجرة والاغتراب والحنين. وهذا شجعني لقراءة الرواية عبر منظومتين مهمتين:
الأولى: الرمز السيميائي ـ الثقافي متمثلا بالماء كمفتاح دلالي من حيث التطهير والولادة والذاكرة المملوءة بالأسى والانتقال بين العوالم، وصولا إلى الطقس كممارسة تعمل على تقنين الزمن والهوية.

والثانية: نظرية الذاكرة/الهوية في أدب ما بعد الاستعمار والمهجِر.
لنستكنه من خلالهما كيف قرأ النص فوضى التاريخ عبر ذاكرة عائلية محلية تحولت إلى مشهدٍ عالمي من الداخل إلى الشتات. ولإنضاج الفكرة ودعم الدراسة سأعمل على توظيف أمثلة من النص ترتبط بمراجع تاريخية وثقافية عن المندائيين وطقوسهم والماء في الأدبين المندائي والعربي ولاسيما مقتطفات الرواية التي تتناول طقس "الإكليلة" والتعميد وذاكرة الماء لندعم من خلالها الحجج.
ففي الأدب والطقوس المندائية، احتل الماء مكانة مركزية، فالماء الجاري "اليردنا" عند المندائيين هو بوابة العبور الروحي. وهو من نتاج مادة الخلق الأولى، إذ تُصوَّر المندائية الحياة بوصفها انبثاقا من مياه النور. وهو أداة الطهر والولادة الثانية، فالتعميد" المُصبَتا" ليس غسلاعاديا، وإنما هو عودة رمزية إلى أصل الوجود للتجدد والشفاء. وهو مستودع الذاكرة، فهناك الكثير من النصوص المندائية جعلت الماء حاملا لأثر الملائكة والقوة الإلهية. ووفقا لهذا الاعتقاد يصبح الماء كائنا حيا، وأصلا للحياة لا مجرد عنصر فيزيائي، وهذا مقارب لقوله تعالى من سورة الأنبياء القرآنية: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}.

أما في التراث العربي فيحضر الماء بثلاث دوائر مركزية، الأولى: دائرة الحياة والنجاة فالعربي ابن الصحراء يرى الماء أساس البقاء، لذا ربطه بالخصب والمطر والسقيا والكرامة والكرم والضيافة. والثانية دائرة الأسطورية الطقسية فالمطر علامة على رضا السماء، ولذا كانت للعيون والآبار عندهم حرمات. والثالثة: الدائرة الروحية القرآنية التي ترى أن الماء أصل الوجود ومنبع الطهارة ووسيط للتزكية الروحية من خلال الوضوء والغُسل والطهارة.

مصطلح "الإكليلة" إشارة إلى طقس ديني مركزي في الديانة المندائية (الصابئية) وللمحتضر قبل الوفاة يرتبط بالموت والانتقال إلى عالم الأنوار، ويُعدّ من أهم طقوس الوداع الروحي للميت. والاكليلة بالمفهوم الفلسفي المندائي مثلما أخبرني المؤلف لفظة تقارب اللفظة العربية "إكليل" اي الطوق او الضفيرة، وتكون مسؤولية رجل الدين، حيث يُلف غصن الآس، أما بشرحه إلى نصفين أو يُؤتى بغصنين، ويلفان تعامدا الى الأعلى مع ترديد نص ديني محدد في كل مرة تلف به الاكليلة. وهونفسه في اكليل التعميد، لكنه يكون أصغر كما هو الخاتم، وهذا الاكليل ممكن ان يلفه أي مندائي حلالي او رجل دين، لكنه يجب أن يردد نفس النص، وتكمل الاكليلة قبل وفاة المحتضر شرطا رمزية للنشمثا قبل المغادرة أي مغادرة النشمثا الجسد، تتوافق مع قدحة اللفة، والمندائية تفسرها كما قبس من ضياء يهبه الخالق للمخلوق التي ستغادر روحه الأرض. ويمثّل هذا الطقس الطريق الرسمي الذي تسلكه "النشمثا" وفق العقيدة المندائية، وهو ما يعادل في أديان أخرى صلوات الجنازة أو القراءات الجنائزية. من هنا أرى أن ظهوره في رواية "أشگندا" أمر طبيعي جدا لأنه جزء أساس من الهوية الروحية والطقسية للمجتمع الذي تنتمي إليه شخصيات الرواية وكاتبها أيضا.

هذا ما أرادت رواية سعيد الأميري إيصاله من خلال رسالتها، للتعبير عن مظلومية شعب كل جريرتهم أنهم أفراد طيبون مسالمون، يريدون عيش حياتهم مثل غيرهم من البشر. من هنا تحولت الرواية إلى سجل للذكرى، بانت ملامحه مع بدء محاولتنا تفكيك البنية السردية والزمنية للرواية، التي شخصنا من مظاهرها المركزية استخدام متكرر لصيغة المتكلم (الراوي) المشارك. وهي محاولة جادة وفاعلة لجعل الرواية سجلاً للذكرى من خلال الذات الراوية التي تحمل عبء التوثيق والحنين. وهو أسلوب يُقرّب النص من رواد الرواية الرافدينية التي تجمع بين السرد الشفهي والتدوين.

فضلا عن ذلك قدّم النص الروائي بنية سردية وزمنية تقوم على تفكيك مركزية الحكاية التقليدية لصالح حضورٍ طاغٍ لـ "الراوي" بضمير المتكلّم، بما يشي بتفضيل "الذات الساردة" بوصفها خزّان الذاكرة ووسيطها الأساسي. فاختيار صيغة المتكلم المتكررة لا يأتي بوصفه مجرد تقنية سردية، بقدر كونه استراتيجية واعية لتحويل الرواية إلى سجل للذكرى، حيث تتقدم الذات لا لتُخبر فحسب، وإنما لتُؤرشف الأحداث، ولتكون شاهدة عليها، ولتُعيد بناء الماضي عبر حساسيتها الخاصة، فيتحول السرد إلى فعل استرجاع يعيد تشكيل الزمن من خلال الحنين، لا من خلال الترتيب التاريخي.

وتتجلّى أهمية هذا الخيار السردي في أنه يقارب الرواية الرافدينية الحديثة التي استطاعت أن تمزج بين السرد الشفهي بصفته ذاكرة جمعية، والتدوين بوصفه تأسيسا للحكاية في شكلٍ كتابي. وبهذا نجح الأميري في استثمار "الراوي المشارك" ليكون نقطة تفاعل بين زمنين، الأول زمن التجربة والثاني زمن الكتابة، ولتتحول الرواية إلى مساحة يتداخل فيها الشخصي والجمعي، والحسي والتوثيقي، والماضي الذي يُستعاد، والحاضر الذي يُنظر إليه من مسافة نقدية. والراوي المشارك هو: شخصية من شخصيات الرواية تُسْرَد الأحداث من خلال منظورها. فهو يروي ما تراه عيونه وتعيشه حياته، لكنه لا يعرف كل شيء، وإنما يقدِّم رؤية جزئية مرتبطة بوعيه وتجربته داخل العالم السردي.

أما متن الرواية فنراه يتنقل بين زمن الطقوس التقليدية وزمن التحولات السياسية أبان حقبة ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وما شهدته تلك الحقبة من ثورات وحروب، ثم يمتد إلى زمن الهجرة والاغتراب. وبرأيي أن مثل هذا التذبذب الزمني يخدم موضوع اندثار الطقوس والهوية، ويمثل محاولة لاستعادتهما وإحيائهما من جديد عبر الذاكرة والسرد، وهي فكرة تخدم موضوع صراع البقاء مقابل الزوال من خلال توظيف الاسترجاع كثيمة بنيوية أساسية. وقد دعم المؤلف سعيه ذلك بأسلوب ولغة نجحا في إيصال الرسالة. إذ جاءت لغة الرواية تشكيلية، حيث تحول النص إلى سجلِّ وصفيٍ غزير بالتفصيل الطقسي والطبيعي من أوصاف الماء والقصب والطقوس. هذا السجل جعل من الرواية نصا أثنوجرافيا من خلال مقاطع وصف الأهوار والفرات، ووصف طقوس التعميد.

والمعروف أن الأثنوجرافيا منهج بحثي يدرس حياة الناس وثقافتهم من الداخل عبر مراقبة عاداتهم وطقوسهم ولغتهم اليومية وممارساتهم الاجتماعية، ثم وصفها وصفا دقيقا وعميقا كما يعيشونها هم. وبمعنى أوسع هي علم وصف الثقافات من خلال الملاحظة والمشاركة والتوثيق وتسجيل التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية. وعندما يُوصَفُ أحد الأعمال الأدبية بأنه يقترب من الإثنوجرافيا فذلك يعني أنه يوثّق حياة جماعة بشرية بكل طقوسهم وتقاليدهم ولغتهم، وكأنه بحث أنثروبولوجي مكتوب بلغة أدبية.

ولتكرار ذكر المصطلحات المندائية وأهمية معرفة معانيها، حوَّل سعيد الأميري روايته "أشگندا" إلى قاموس طقوسي يزود القارئ بتعريفات قد يكون بحاجة إلى معرفتها مثل مصطلح أشگندا، ونشمثا، وطمش، وتاغ، والمرگنا وغيرها، وهو قرار سردي ونقدي رغم مآخذ النقد عليه إلا أن سعيد الأميري أراد من خلاله أن يحفظ المصطلح ويؤسسه في متن اللغة الأدبية، ما يعني أنه كان محاولة لتبسيط التراث وتحويله إلى صيغة سهلة وخفيفة تشبه لغة الأطفال أو وعيهم، بحيث يفقد شيئا من عمقه ورمزيته الأصلية. أي أن الكاتب أحيانا بقصد أو بدون قصد منه جعل التراث يبدو أقل تعقيدا وأبسط مما هو عليه، وأقرب إلى الحكاية الطفولية، بدل أن يكون تراثا غنيا بطقوسه ورموزه ومعانيه العميقة. وقد انبنت الرواية فيما بعد على هذه المصطلحات وفق محاور اختارها الكاتب بعناية.

من حيث المحاور نرى أن المحور المركزي في الرواية هو الماء كمفتاح دال، فهو تطهير وولادة، وهو إشارة إلى طقوس التعميد " المُصبَتا" التي تعني الإرتماس بالماء، وهو ناقل للذاكرة وحامل لقصص الأجداد وكنز ذاكرة ومعادل وجودي وروحي بين عالم الأحياء وعالم الأنوار من خلال الطقوس التي تستعمل الماء والتي جعلت منه وسيطا عبوريا بين الحالات.

إن حضور الدلالات الطقسية في الرواية على غرابتها الظاهرية بالنسبة للقارئ غير الصابئي أو غير المتخصّص يُشكّل دافعا قسريا للوقوف عند الطقوس المندائية الصابئية وتوثيقها سرديا. فالنص لا يكتفي بالإيماء العابر، وإنما يقدم تفاصيل دقيقة لجملة من الشعائر المركزية في الموروث الديني المندائي، مثل الإكليلة والتعميد والمِرْگنّا والتاغ والرِسْتَة.

وإقحام هذه الطقوس مثلما فهمت من الكاتب لم يأت بوصفه زخرفا فولكلوريا، وإنما جيء به كجزء من بناء الهوية الطقسية التي تسعى الرواية إلى تثبيتها بوصفها ذاكرة روحية مهَدَّدة بالاندثار. فبهذا التضمين الطقسي تتحول الرواية إلى فضاء يُعاد فيه تمثيل الطقس نصيا، ويتحول السرد من مجرد حكاية إلى آلية أرشفة ثقافية تحفظ تفاصيل دينٍ قديم في مواجهة تغير الزمن وتشظي الذاكرة الجمعية.

وأعتقد أن اهتمام الكاتب بهذه الجنبة وسعية لتخليد الموروث المندائي هو الذي جعل النص يتحرك بين التوثيق الإثنوجرافي كسرد صاف لتفاصيل الطقس، والقراءة الإنسانية الوجودية في إشارة إلى كيف تُغيِّر الطقوسُ حياة الأفراد؟ وكيف تعالج تجربة الفقد والغربة والهجرة؟ ليتحول النص إلى ذاكرة وهوية. فالرواية تقرأ الهوية كمخزون طقوسي ولغوي من حيث اللغة المندائية وطقوس التعميد وطقوس الوفاة، وهي كلها عناصر تخط الهوية عبر الأجيال. والنص تولى عرض كيف أن التحولات التاريخية مثل الحروب والوباء والتهجير تقوّض هذه البنى.

من هنا أعتقد أن من ضمن دوافع كتابة هذا العمل هو سعي الكاتب للبحث عن جواب شافٍ لسؤال وجودي مفاده: كيف يمكن إيجاد الهوية وإعادة بنائها خارج موطنها؟ وهذا يعني أن الكاتب لم يكتب روايته لأجل المتعة أو كعمل أدبي محظ، وإنما كتبها لتكون سجلا للذكرى المندائية.

أما مدى توافق إيراد ذلك الكم من المصطلحات الطقسية مع البناء السردي الروائي من عدمه؟ فبرأيي الخاص، أن مكان مثل هذه المعلومات الكتب التخصصية لا الروايات الأدبية، والذي بين أيدنا هي رواية وليست كتابا توثيقيا، من هنا كنت أتمنى لو نجح الكاتب في تجاوز الإيغال في تفصيل الطقوس بهذا الشكل الموسع جدا، فمثل هذا الإيغال مثلما يرى المتخصصون يتسبب عادة في إبطاء الإيقاع الدرامي للسرد الروائي؛ أي أن الرواية تميل من خلال التعمق في تفاصيل الطقوس إلى الجانب التوثيقي على حساب بناء حبكة روائية متسارعة في بعض المراحل. ومع ذلك أرى أن الكاتب كان مدفوعا غريزيا للإفصاح عن معاناة محبوسة في صدره أراد البوح بها إعلانا للحقيقة، وانه جازف متحملا النتائج، وكان أهلا لحملها، طالما أن الرواية نجحت في تجاوز الاختبار، وقدمت معلومات قد يحتاجها بعضهم.

فضلا عن ذلك رصدت ثمة ميل في هوامش الرواية إلى الإفصاح التفسيرى عن الطقوس؛ في وقت نرى هناك بين القراء من قد يُفضّل ترك بعض الغموض الرمزي دون شرحٍ مُطوّل ليهتم بذلك بنفسه من خلال البحث عن المعنى. مع أني فهمت من الكاتب أنه كان يرغب بإيصال مثل هذه المعلومات لمن لا يعرف شيئا عن الديانة المندائية وأصولها التاريخية والعقائدية.

وبالتالي أرى أن الرواية لم تقدم حلا قطعيا، بقدر كونها كُتبت لتهندس مشهداً من الحنين والبحث عن الاستمرارية الرمزية، حيث أن الماء جاء رمزا لبقاء الإرث أو اندثاره، وهي ثنائية "البقاء.. الزوال" التي تتقاطع مع مفاهيم ما بعد الكولونيالية والهجرة. وتعني ثنائية "البقاء.. الزوال" صراع الهوية بين أن تبقى أو تختفي. وتتقاطع هذه الثنائية مع مفاهيم ما بعد الكولونيالية والهجرة لأن هذين المجالين يدرسان كيف تحاول الجماعات الحفاظ على هويتها بعد الاستعمار أو التهجير وهذا يمثل (البقاء). وكيف تكون مهددة بالضياع والذوبان في ثقافات أخرى في إشارة إلى (الزوال)

ونستشف من هذا أن الرواية كُتبت أصلا لتعكس هذا الصراع بحثا عن أمر مقلق يراود عقول هذه المجموعة الإنسانية ينبعث منه سؤال وجودي: هل تبقى الهوية المندائية مثلما كانت عبر التاريخ؟ أم أنها ستذوب وتزول بفعل الهجرة والتغيّر؟ ولإدراك هذا المعنى لابد من تفكيك شخصيات الرواية من خلال قراءة نفسية واجتماعية.

من الشخصيات المركزية في الرواية شخصية عبد المير الذي هو أحد أبطال الرواية، فهو مثلما نلاحظ في فصلي "تيه وادي الرافدين" و "مسارات الجذور" يُمثّل العلاقة الحميمة بالطقس والمكان؛ وقراراته وسردياته تحملان عبء نقل الذاكرة، وكأنه صورة طبق الأصل للمؤلف.

أما المرأة الأم ريحانة وبيبي مدلل فتمثل الأيقونة حاملة الطقوس واللغة؛ إذ تبدو عناصر الأمومة هنا مرتبطة بحفظ الممارسات ومراعاة الدور الطقسي داخل الأسرة.

ومن الشخصيات الثانوية المرجع الديني اليلوفا، وهي شخصية تُجسّد العقدة بين السلطة الطقسية والانفتاح على التغيرات. وقد مكّن توتر هذه الشخصيات الكاتب من إبراز صراع التقاليد مع الحداثة.

فضلا عن ذلك تناولت الرواية عدة موضوعات فرعية هامة مثل الموت والعبور وطقوس الإكليلة كإطار مركزي للتعامل مع الموت، وكمشهد للعبور إلى "الأنوار". فمن خلالها التقط النص الحالة الوجدانية المزدوجة الحزن والفرح الإيماني اللذان يتعايشان معا.

ومثله التاريخ السياسي مع وجود إشارات للنزاعات والاعتقالات وتأثير الحركات القومية فهي ربطت الخصوصية بعمليات قوة سياسية أوسع.

كذلك اللغة والكتابة، إذ أن توظيف اللغة العربية بجانب مفردات مندائية بدا كفعل مقاوم للامتصاص الثقافي وكقفل فاصل بين الذاكرة والنسخ، وقد نجح المؤلف بذلك.

وفي تقييم منسجم من خلال قراءة موضوعية للرواية نجد ـ رغم اعتراضنا على الكثرة ـ أن ثراء وصف الطقوس وتوثيقها قد جعل الرواية مصدراً أثنوجرافيا ذا قيمة بحثية. وحضور الماء جاء كرمز مركزي وموحٍ، مرتبط بنسق اجتماعي روحاني متكامل. ومثله صدق صوت الراوي بالإيقاع الذكوري سمح بسرد مفعم بالحنين والعاطفة والشك.

وأعود وأقول: كنت أتمنى لو نجح الكاتب في تجاوز الإسهاب في تفصيل الطقوس، فذلك تسبب في إبطاء الإيقاع الدرامي للسرد الروائي؛ لأن الرواية تميل من خلال التعمق في تفاصيل الطقوس إلى الجانب التوثيقي على حساب بناء حبكة روائية متسارعة في بعض المراحل. واعود وأقول: إن ما يحمله الكاتب في قلبه من وجعٍ بسبب القسوة التي عومل بها الصابئة هو الذي جعله يجازف من خلال خلط التوثيق بالسرد الروائي، وتلك شجاعة محسوبة له، ولا أجانب الحقيقة إذا ما قلت إنه نجح في ذلك. فأنا موقن أنه عمل أصيل في طرحه للهوية المندائية الرافدينية من خلال لغةٍ بحثية وروائية ومصطلحات محلية لم تُستثمر سابقا بهذا التمركز في الرواية العراقية المعاصرة

إن رواية "أشگندا" تجمع بين سرد الذاكرة والتوثيق الطقسي، وتعمل كمحاولة أدبية لإنقاذ معرفة محلية من الاندثار. ونجاحها يكمن في قدرة اللغة والوصف على إحياء تفاصيل طقسية وثقافية بعين روائية. وبالتالي أرى أن قراءتها تقدم مادة غنية للباحثين في الأدب والأنثروبولوجيا الأدبية ودراسات الذاكرة.



(*) سعيد غازي الأميري، أشگندا، دار ميزر للنشر، أبريل 2025.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter