|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  10  / 2 / 2018                                                                                                     أرشيف المقالات

 
 

 

لَهفةٌ دِيستْ فوقَ الرصيف

يحيى علوان
(موقع الناس)

في نهار بهيج ٍ، بعدَ أنْ هدَّها التجوالُ على غيرِ هُدىً في قلب برلينَ ، تقتلُ به ضَجَراً أسوَدَ ، حطّتْ رِحالها في الهاكِشَه ماركت بمقهىً صيفيٍّ على الرصيف ، عندَ طاولةٍ مكسورة الظل ..
طلبَتْ قهوةً وكأسَ ماء .
ساهمةً ، رَفَعَتْ نظّارتها الشمسية إلى منتصف رأسها .. راحت تُمرِّرُ أصابعها بشعرها الكستنائي ... تتطلَّعُ في السُوّاحِ والعابرين إلى أزمنةٍ وأمنياتٍ زركَشَها الصيف...
آه، الصيف! لم يفارقها الحنين لخَدَرِ غفوَةٍ في غَبَشِ الصبح فوقَ السطوح هناكَ في البعيد ، البعيد ! هي رغائب تعتني بها ، وتحنو عليها ، تُربّيها ، تُطفيءُ بها بَحَّةَ ليلِ الضجَرِ حينَ يُنهِكُها الرقصُ مع أشباحِ شجونها.
فتحتْ حقيبتها اليدوية، أخرجَتْ مرآةً صغيرة، تَتَطلَّعُ فيها.. تَتَفرَّسُ في وجهها، لتتأكدَ من تَمامِ مكياجٍ
تدرأُ به عصفَ الزمان ..
...........................
كأنها أُصيبتْ بلكزةٍ حادةٍ في خاصرتها، لمّا لَمَحَته في المرآة !
نظرت من جديد .. إنه هو هو ، دونما أدنى شكٍّ !
أطبَقَت المرآةَ على عَجَلٍ وأعادتها إلى الحقيبة ، كأنها تريدُ إلغاءَ صورةٍ تَتَمَنَّعُ على الحذفِ من "المَذَرْ بُوْرد".. إعتدلَتْ في جلستها ، مثل تلميذةٍ صغيرة!!
حارَتْ في فَرزِ ما إنتابَها من خليطِ مشاعِرَ .. لمْ تفلَحْ !
أهيَ لهفةٌ للقائه بعد عشرينَ عاماً ، في حين أنها تناسته تقريباً ، خلا بقيَّةُ مرارةٍ لأنها لمْ تألف صدوده ولا مبالاته لقرارها ، فأنكرَها قلبه الغر؟!
"تُرى أيةُ لعنةٍ جاءت به هذه الساعة ؟! أم ماذا ؟؟" فكَّرَت.
لَملَمَتْ حالَها وإعتدَلَتْ في جلستها.
يبدو أنه لم ينتبه إلى وجودها ،
جلسَ إلى طاولة صغيرة، ليسَ بعيداً عن طاولتها، مُنشغلاً يقرأ في مجلة كان يتأبّطها .
أرادتْ مغادرةَ المكان ، لكن أُسقِطَ في يدِها حينَ جَلَبَتْ النادلةُ القهوةَ وكأسَ الماء ...
شربتْ جرعةً من الماء . خالَجَها شعورٌ من عدم الأرتياح والضيق من حضوره .. أتكونُ صِدفةً أم أنه كان يتتَبّعُها ؟!

فكَّرَتْ :" لماذا أُغادرُ المكان ؟! عليَّ أنْ أتماسَكَ ولا أُبدي ما يمكنُ أنْ يوحي بأني أهربُ من اللقاء به ...
فما كانَ بيننا أصبحَ من الماضي البعيد .. "
.........................
أسترقَت نظرة خاطفةً ناحيته خَلَلَ نظارتها الشمسية ، تَستطلعُ ردودَ فعله ، إزاءَ وجودها القريب منه .. تَكَسَّرَ الضوءُ ، رأته غاطساً في المَجلّة ، غطَّتْ ثُلثي وجهه ، وما تبقّى حَجَبَتْه سحابةٌ من دخان سكائره .." إذن ما زال الأحمقُ لم يغادر تلكَ العادة الكريهة – التدخين - !" هكذا فكّرَتْ .
بعدَ بُرهةٍ ، نظَرَت إليه .. لما يَزل لم يرفع رأسه عن المجلّة .
داهَمَتها رغبة جارفة لمعرفة ما كان يقرأ.
إنتبهت إلى أن كلتا يديه خاليتان من خاتم ، مما يشي بأنه مازال عازباً لم يتزوّج .."وأنّى له بعد عشرين
سنة من العزوبية ! ومن تستطيعُ العيشَ معه ، بعوالمه الغريبة ومزاجه المتقَلّب كطقس برلين !!"
تناولت جرعةً من قهوةٍ بَردتْ ، سُرعانَ ما أزاحتْ الكوبَ عنها بحركةٍ تَشي بأنها ممتعضة ..
جالتْ بنظرها على المارة ، ثم عادت تنظرُ إليه خطفاً .. لاحَ لها كأنه درويش أو ناسك صوفِيّ ، معتكف عمّا حوله ...
عاد الفضولُ يقرُصُها لمعرفة ما كان يقرأ ...
لاحظت ، وهو يقلب صفحة ، أنها كانت المجلة الفصلية لجمعية الفلسفة .. "إذن لا يزالُ طوال هذه الفترة لم يُبدِّلْ من عاداته وطبائعه !". تذكّرت كيف أنها كانت تَضيقُ بما يحمله من كتبٍ ومجلات إلى البيت ، تَسخرُ من إهتمامه بالفلسفة ، تُقرِّعه كلما تسنى لها :" ما فائدة الفلسفة ؟! الفلسفة لا تُغيِّرُ العالم ! متى تفقه ذلك ؟! نحنُ أغرابٌ هنا ، نريدُ أنْ نعيش ونسافر مثل بقية الخلق، أنت تُبذّرُ المال في ما لا ينفعُ ..!"
أحسّتْ بحموضةٍ في فمها لمّا إستعادت في ذاكرتها ، حياتهما السابقة ... إنتابها ما يشبه الشعور بالنَدَم على فضاضتها معه ، فقد كانَ رقيقاً ، رغمَ ما أشاعته بين أصحابها ، مُهذّباً وليس رجلاً شرقياً من الطراز التقليدي.
أسنَدَت ظهرَها إلى الكرسيِّ ، شَبَكَتْ كفّيها خلفَ رأسها ومدَّدَت جسَدها على الكرسي الخيزران طلباً للإسترخاء من توتُّرٍ شَعَرَتْ به . لكنها لم تَتَخلَّص من فضول مراقبته. راحت تنظرُ إليه بطارفِ عينها من خلال المثلَّث بين الذراع والعَضُد .. لمَحته وضعَ المجلَّةَ على الطاولةِ وأشعَلَ سيكارةً أخرى ..." يـــاه ! كم تغيَّر ..؟! تجعَّدَت بَشَرَته .. شعره ، كان داكناً ، غزاه الشيب وتلوحُ أثارُ صَلَعٍ في مقدِّمةِ رأسه ، فضلاً عن أُخدودينِ على جانبي أنفه ، الذي لم يكن بصورة ما يظهرُ عليه الآن ".. فكّرَت . تحَسَّسَتْ رَقَبَتها ، ثُمَّ ذراعها ، فأفرَدَتْ أكمامَ قميصها عند المِرفق وتناولَت المرآةَ من حقيبتها . نظرت ، ثمَّ أعادتها، مثلَ ممسوسةٍ ، بسرعة إلى مكانها ، كأنها تُريدُ سريعاً إصلاحَ خطأ قامت به!
طرَدت فكرةَ المقارنة بينهما .. !!
خَطَرَتْ لها فكرةٌ عابرة " ماذا لو أنني نَهظتُ من مقعدي ، مشيتُ نحوه وسلَّمتُ عليه ؟ تُرى كيفَ ستكون رِدَّةُ فعله .. هل سيتجاهلني ويحسبُها ضُعفاً منّي ونَدَماً متأخراً على ما فاتَ ؟ أم سيتصرّفُ كجنتلمان ؟! "
عادَتْ وألغَتْ الفكرةَ من أساسها بعنادٍ وتوتّر، نَفَظتْ معه رأسها: " يجب ألاّ ينسى أنني إتّخذتُ خطوتي
في حينها بكامل وعيي وإرادتي ، ولم تكن نزوةً عابرةً !! عليه أن يفهمَ ذلكَ جيداً !
ولكن كيفَ السبيلُ إلى ذلك ، والحمارُ مُنكَبٌّ على مجلَّته التافهة ، لايرفعُ رأسه ، حتى ليتطلَّعَ في المارة والصبايا ؟!"
شَعَرَتْ بمَغَصٍ ، نهظَتْ صوبَ الحمّام ، وتعمَّدتْ أن تمُرَّ قريباً جداً منه ، عساه يرفعَ نظره عن مجلته اللعينة فيراها .. وكيف سيكون ردُّ فعله حينها ! كانتْ تَتَحرَّقُ شوقاً لرؤية ذلك ... مرّتْ وكادتْ تُلامسُ كَتِفه ، لكن دون جدوى !!
لم تفقد الأمل ...
ولما عادت من الحمّام ، تعمَّدَتْ أنْ تتأخَّرَ قليلاً عندَ طاولته وتنادي على النادلة لجلب الحساب .. مؤمّلةً النفسَ أنَّها ستقرَعُ ذاكرته ، فيتعرَّف على صوتها ، الذي طالما طَربَ له وهي تغني ألحاناً أثيرةً لديه حين تكون الأجواءُ رائقةً بينهما ..
شرَعَت تُدندنُ بلحنٍ خافتٍ كأنه الأنين ...
لكن ، هيهات ..!!
فجأةً أزهرَت بداخلها رغبةٌ جامحة لإستعادة أمسياتٍ حلوةٍ مع شُلّة من صَحبه .. نقاشاتٍ ومَرَحٍ ورقصٍ ، كان يمتد أحياناً إلى ما بعد منتصفِ الليل .. لكنها ألغَتْ تلكَ الرغبة ، قَمَعت نصفَها الآخر .. توتَّرَتْ ، أَغمَضَتْ عينيها ، دقَّتْ الأرضَ بقدمها وقالت " لا" مسموعة!!
إستشاطتْ ، زَفَرَتْ من منخريها دُخانَ غَضبٍ كالحٍ .. حَسِبَتْهُ تَعمَّدَ تجاهُلَ وجودها ، فيما كان هو يحكُّ شَحمةَ أذُنه ، مُستغرقاً في القراءةِ ويسجّلُ شيئاً في قصاصة إستخرجها من جيب قميصه ...
حانقةً ، دفعتْ الحسابَ بما هو أقربُ إلى العدوانية ، وغادرَت المقهى تقرعُ بكعب حذائها العالي حجَرَ الرصيف بعنفٍ ، فيما بَقِيَتْ النادلةُ تَتْبعُها بنظرةِ إستغراب ...

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter