|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  8  / 3 / 2016                                 زكي رضا                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

خبز .. حرية .. دولة مدنية

زكي رضا
(موقع الناس) 

منذ أن إنطلقت تظاهرات ساحة التحرير وغيرها من سوح التحرير في بقية مدن بلدنا أواسط العام الماضي كان هذا الشعار "خبز .. حرية .. دولة مدنية" هو الشعار المركزي للمتظاهرين، وهذا الشعار ليس بشعار عفوي تبنته الجماهير ساعة غضب أو شعار آني من الممكن التخلي عنه لصالح شعار آخر دونه قوّة "من الممكن تطويره في ظل ظروف ذاتية جديدة"، بل هو شعار مدروس نابع من إحساس كامل عند هذه الجماهير بالتغيير الحقيقي لشكل الحكم بالبلد أي وبمعنى آخر نبذ نظام المحاصصة الطائفية القومية برمتّه، بعد أن أثبت هذا الشكل المشّوه من أشكال الحكم فشله الذريع في قيادة الدولة والمجتمع وكان ولايزال السبب الاول للخراب الحاصل بالبلد على مختلف الصعد.

وهذا الشعار الذي تبنته القوى المدنية التي لم يخفّ حماسها كما كانت القوى الطائفية تمنّي النفس به حتّى حينما وصلت أعدادها أحيانا الى بضع مئات من المتظاهرين، هو الذي جعل حكومة المحاصصة أن تتبنى قرارات للإصلاح دون أن تلتزم بتنفيذها لليوم. ونتيجة لإستمرار الضغط الجماهيري كان لابد لهذه القوى أن تعمل على إحتواء تظاهرات المدنيين بقوى أخرى قريبة منها جدا ولها قواعد تعاني من الفقر والتهميش، فكان الصدريون بزعامة السيد مقتدى الصدر هم تلك القوى التي تبنت هذا المشروع الذي يريد التغيير فوقيا ولايخرج مطلقا خارج عباءة الدين والطائفة. وعلى الرغم من عدم الإعلان الرسمي عن هذا الهدف الا أن تصريحات المسؤولين الطائفيين رسمت لنا صورة واضحة وهي تتحدث عن خطوط حمر للتظاهرات لا يمكن تجاوزها، وأول بل وأهم الخطوط الحمر هذه على الإطلاق هوعدم المساس بمنصب رئيس الوزراء ليبقى من نصيب التحالف الشيعي "ما ننطيها" وهو ترجمة حرفية لإستمرار نظام المحاصصة.

إن ما يعنيه شعار "خبز .. حرية .. دولة مدنية" من إهداف وهي تغيير شكل السلطة بإبعاد الدين عن السياسة، ترجمها السيد مقتدى الصدر في خطابه الاخير بجملة " شلع قلع" في حالة عدم تلبية مطالب تياره والجماهير وهي من اللهجة المحكية ولا تعني الإصلاح بل التغيير الكامل عن طريق تبديل شكل السلطة. وهنا يلتقي السيد مقتدى الصدر في ما أعلنه مع شعار المدنيين أعلاه، فهل للسيد مقتدى الصدر الإرادة الحقيقية والمصلحة الحقيقية في تبني هذا الشعار الذي يعني ممّا يعنيه كمرحلة أولى، إعادة النظر بالدستور وتعديله بما يخدم العملية الديموقراطية الحقيقية، و سن قانون ديموقراطي ومنصف للإنتخابات، وسن قانون أحزاب لا هيمنة فيه للإحزاب الفاسدة، وتشكيل مفوضّية مستقلة للإنتخابات تهيئ الظروف المناسبة لإنتخابات ديموقراطية وشفّافة لا مكان فيها لأستخدام الدين والمال السحت الحرام لشراء ذمم الناس والناخبين؟ وهل يعرف السيد مقتدى الصدر أنّ أهم سياسات الدولة المدنية هي حصر السلاح بيد الدولة والقضاء على الميليشيات نهائيا، وهل يعرف السيد مقتدى الصدر أن السجون تدار في الأنظمة الديموقراطية من قبل وزارة العدل ؟

لا أريد أن أكون متشائما من نتيجة ركوب الصدريين موجة التظاهرات لترتفع أصواتهم على الأصوات المدنية التي لازالت تتظاهر أسبوعيا لقيادة الشارع نتيجة ضعف التيار المدني وجماهيره مقابل سطوة وهيمنة الصدريين على الشارع، ولا أريد هنا أن أشكك بالنوايا الصادقة للبعض وحديثهم حول الكتلة التاريخية التي بدأنا نسمع ونقرأ عنها كثيرا هذه الأيام. ولكن هل يشكل التيار المدني بضعف إمكانياته المادية والبشرية مع الصدريين وغناهم المادّي "كتياّر وليس كأفراد" والبشري ما يمكن أن نطلق عليه الكتلة التاريخية؟

صحيح جدا من أنّ الكتلة التاريخية هي ليست جبهة بل هي أكثر عمقا وشمولية الا أنها بالنهاية كما يوضح غرامشي نفسه وهو صاحب مفهوم الكتلة التاريخية ستؤدي الى ظهور ظروف سياسية جديدة ناتجة من إعادة ترتيب العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أشكال الصراع، وهذا سيؤدي وفق "الغرامشوية" الى "هيمنة " جديدة لقوى أفرزتها الكتلة التاريخية بعد أن تكون قد أزاحت الكتلة التي سبقتها في الهيمنة على السلطة، كما وعلى هذه الكتلة تقع مسؤولية إتخاذ سياسات جديدة على النقيض من التي سبقتها لبناء الدولة والمجتمع وفق مفاهيم أفرزها شكل الصراع الذي تكون قد حسمته لصالحها.

لأن التنسيق في التظاهرات لليوم هو بين المدنيين والصدريين فقط ، ولم تشترك فيه قوى سياسية أخرى متضررة حتما من سياسات السلطة الحاكمة بعد فشل الطرفين لظروف عديدة ومختلفة من جر أكبر عدد من الجماهير المتضررّة الى التظاهرات المطالبة بالتغيير، فإن الحديث عن "كتلة تاريخية" قادرة على إمتلاك الشارع السياسي والتأثير الجذري والنوعي فيه سابق لأوانه. ولو فرضنا جدلا وجود مثل هذه الكتلة ونجاحها في حسم الامور لصالحها فلمن ستكون الهيمنة بالنهاية وهذا ما طرحه غرامشي نفسه، هل للمدنيين أم للصدريين؟ بحساب بسيط جدا لميزان القوى اليوم وحتّى بالمستقبل المنظور فإن ميزان القوى يميل وبشدّة للصدريين. وهذا يجعلنا أن نطرح سؤالا هو مربط الفرس في نضال شعبنا والتيار المدني على وجه الخصوص ويتعلق بشكل الدولة التي نريدها وتلك التي يريدها الصدريون؟

علينا ان لا نكون متفائلين تحت أي ظرف في أن يمضي الصدريون لا لوحدهم ولا ككتلة تاريخية بعيدا عن إهداف البيت الشيعي، كما وعلينا أن نعود الى مواقف سابقة عدّة أتخذها زعيمهم السيد مقتدى الصدر وتخلى عنها بعد حين في ظل ضغوطات داخلية وخارجية، ويجب علينا أن نعيد النظر بأحلامنا في جدّية ونية السيد مقتدى الصدر ببناء دولة مدنية وفق شعار "خبز .. حرية .. دولة مدنية "، كون الدولة المدنية تعني فصل الدين عن الدولة أي إبتعاد السيد مقتدى نفسه وغيره من رجال الدين عن التدخل بالشأن السياسي.


المشاكل الموجودة في العالم اليوم لا يمكن ان تحلّها عقول خلقتها
... "البرت آنشتاين"


الدنمارك
8 / 3 / 2016



 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter