| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

زكي رضــا
rezazaki@hotmail.com

 

 

 

الجمعة 3/12/ 2010



الشتائم والمثالب وديموقراطية الاسلام السياسي

زكي رضا

في البداية اود القول ، ان عنوان المقالة قد تغير الى عنوانه الحالي ، على الرغم من عدم قناعتي الشخصية به . بعد ان رفضت بعض المواقع الالكترونية نشرها في تموز الماضي ( قبل ان اضيف الها بعض ما استجد من احداث ) . عندما وضعت لها وكما اعتقد البعض ، عنوانا استفزازيا وقتها ، اذ عنونت المقالة بكلمة ( نابية ) من لهجتنا العراقية المحكية وكانت تلك الكلمة هي "سرسرية" . واليوم وعلى الرغم من انني اعتبر الكلمة ، لا تمت بصلة عن ما يقال عن اساءتها للادب ، كما سيأتي ذكره لاحقا . الا انني قررت عدم المجازفة بارسال المقالة ، الى المواقع الالكترونية واهمالها من جهة ، ورغبة في عدم نفور البعض من المقالة حتى قبل قراءتها من جهة ثانية .

وكنت قد اعتذرت للقراء حينها ، وشكرت كما اشكر اليوم المواقع الالكترونية . التي ستنشرها على الرغم من محتواها ، الذي قد يبدو للبعض انه خارج عن المألوف ، او منافيا للادب العام ، او بعيدا عن الاخلاق التي ضاع الكثير منها في مجتمعنا . نتيجة الحروب والحصارات التي كان نظام البعث الدموي ، هو المسبب الاساسي لها . فيما اكمل الاسلام السياسي باحزابه وتنظيماته ، تدمير ما تبقى منها ، من تلك التي عجز البعث عن تدميرها .

يحاول البعض من الكتاب او اغلبهم ، وتأثرا بالموجة الدينية التي تريد اعادتنا الى عصر ما قبل الحضارة . الابتعاد عن ايراد الالفاظ التي بنظرهم تخدش الحياء ، وتجلب لصاحبها اللوم والتقريع ، وامتثالا للظاهر من الاخلاق عند رجال دين ، تركوا الدين غريبا الا من قشوره . والتزموا ( العروة الوثقى ) اي المناصب الحكومية ، لما تدر بها هذه المناصب من اموال وجاه وسؤدد . بعد ان باعوا تقواهم وصدقهم في بازار الدجل ، والضحك على ذقون الناس البسطاء ، مقابل متع الدنيا التي قال عنها الامام علي ، الذي يدّعون موالاته ( يا دنيا غري غيري ) ، فاين هم من هذا القول او من هذا الامام ؟

ويبدو ان هذا النوع من الكتاب او من النقاد ، او دور النشر او الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية . ترفض نشر اي كتاب او بحث او مقالة ، تضم بين اسطرها كلمات ( نابية ) . حتى لو كانت هذه الكلمات ضرورية ، كي تصل بما جاء به الكتاب او البحث او المقالة الى شاطيء الحقيقة ، التي من المفروض على ضفافها ان ترسو سفن النور ، مقابل قراصنة الجهل والتخلف والعتمة .

والمتابع لما جاء في اشعار العرب ومؤلفاتهم ، التي وصلتنا منذ ان عرف العرب النسخ ، او تلك التي تناولها الرواة والموجودة في بطون كتبهم ، وخصوصا من بغداد العباسية ، التي ازدهرت فيها العلوم والثقافة من ترجمة وتأليف في مجالات العلم والادب المختلفة . ومنها القصة ، كألف ليلة وليلة ( وفيه ايحاءات جنسية مباشرة ) وكليلة ودمنة ، او الشعر ومنه شعر المجون . حيث ابي نؤاس والحسن الخليع وحماد عجرد ، والقراطيسي ووالبة بن الحباب وغيرهم ، من الذين تناولوا في هجائهم للاخرين في اشعارهم . كل ما يخطر ولا يخطر ببال تقاة اليوم ، من الذين يكوون جباههم رياءا ، او من ذوي الدشاديش القصيرة على حد سواء . فها هو ابو نؤاس يزاوج في شعره المجون مع ( الكفر حسب مفاهيم اليوم ) ليقول :

هذا غلام حسن وجهه ................... ليست له من خلفه آخره
رب فتى دنياه ليست له ...................... من خلفه آخرة وافره
وآخر فاز بكلتيهما .................. قد جمع الدنيا مع الاخره (1)


اما في الجانب الديني ، فقد وصل الامر بشاعر وفيلسوف فذ كأبي العلاء المعري . ان يشك حتى في الدين وطقوسه ، ليقول ان العقل وليس غيره يجب ان يكون الدليل في صحة الاديان ، اي ان تخضع الاديان لمنطق العقل في تصديقها ، حيث يتلو قائلا :

يرتجى الناس أن يقوم امام ........................ ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الظن لا امام سوى العقل...................مشيرا في صبحه والمساء
فاذا ما اطعته جلب الرحمة ..............................عند المسير والارساء
انما هذه المذاهب اسباب ............................ لجذب الدنيا الى الرؤساء (2)

هذا بالاضافة الى عشرات الفلاسفة والمفكرين ، والمؤرخين والادباء والشعراء . الذين ساهموا في ان تتبوأ بغداد مكانتها في التاريخ ، كعاصمة للعلم والثقافة يحج اليها طلبة العلم والادب من كل اصقاع الدنيا ، ليتزودوا بما انتجته تلك العقول النيرة ، في تلك الفترة الذهبية من تاريخها الغابر .

وعلى الرغم من تلك المكانة التي كانت لذوي تلك العقول ، الا ان الدين و البعض من رجاله . استطاعوا ان يشنوا حينها ( كما اليوم ) هجوما مضادا ، على كل ما هو انساني ومنطقي ، ويحتكم للعقل بتهمة الزندقة . التي طالت العديد ، مثل بشار بن برد وابن الريوندي وابن المقفع وغيرهم . اما ابو حيان التوحيدي ، الذي وجد نفسه وهو المثقف الواعي ، بين مجموعة من الاميين ( كما يجد المثقف العراقي نفسه اليوم ) الذين كانوا يملكون السلطة والقرار ( كما في بغداد اليوم ) ، فقد عزت عليه نفسه وهو العملاق امام اولئك الاقزام ، فقام باحراق مؤلفاته ، والتي وصلت الينا ولحسن الحظ نسخا منها . ومن هذه المؤلفات كتاب اخلاق الوزيرين ، الذي فيه الكثير من المثالب بحق كل من ابن العميد والصاحب بن عباد . بل يمكن اعتبار الكتاب باكمله ، عبارة عن مجموعة من الشتائم والسباب ، وكان له كل الحق في ذلك . كما ولم تخلو كتب الاولين واحاديثهم من كلمات تعتبر كما قلت مسيئة للادب اليوم .

واستخدام كلمات نابية في الحديث او الكتابة ، او الشعر او في القصائد المغناة . لم يقتصر على العامة من الناس او المثقفين فقط ، بل تعداه الى الخلفاء ايضا . فها هو المتوكل العباسي وفي موقف منه تجاه ولده المنتصر ، الذي دافع عن الامام علي . بعد ان استهزأ نديم الخليفة عبادة المخنث بالامام ، ما دعا المنتصر ان ينعت عبادة بالكلب . حينها لم يجد المتوكل الا ان يقول للمغنين : غنوا جميعا

غار الفتى لابن عمه ....................... رأس الفتى في حر امه (3)

اما اليوم فاننا نستطيع ان نعود على سبيل المثال ، الى اشعار الملا عبود الكرخي . وكتاب الكنايات العامية البغدادية لعبود الشالجي ، كي نبحر من خلاله في عالم من الاحداث ، التي اعتمد فيها مؤلفها على العشرات من المؤلفات ، ومنها العديد من مؤلفات علماء دين يشار لهم بالبنان ، وهم يتناولون كلمات تخدش حياء الكذابين واللصوص جهارا ، ولكنهم يتمتعون بها سرا .

اما اذا قرأنا ما جاء في كتب السير والاحاديث بل وحتى التفاسير . فاننا سنرى فيها ما لا نستطيع ان نتفوه به حتى همسا ، بعد ان حول الاصوليون حياة الشعوب الاسلامية الى مسخ ، حيث حولوا المسلم الى انسان عديم التفكير والابداع ، ليسألهم في اصغر اموره الحياتية حتى وان كانت من البديهيات . كما سنرى فيها العجب العجاب حول النبي وزوجاته واصحابه ، وكيفية جلوس المسلمين الى نسائهم وحرثهم لهن وغيرها . وهناك الكثير من الكتب الدينية التي تشغل المرأة فيها والمضاجعة والتقبيل والضم النسبة الاكبر من حجم تلك الكتب مقابل باقي المواضيع الدينية والفقهية .

وهنا اود القول من انني لم اكتب كل هذه المقدمة ، الا دفاعا عن عنوان المقالة الاصلية اي ( سرسرية ) ، التي لم تنشر مثلما ذكرت في تموز الماضي ، لانها تخدش بنظر البعض الحياء العام . فهل كلمة سرسري شتيمة او كلمة نابية ، وهل تخدش الحياء العام ؟

ان كلمة سرسري هي كناية عن ( السفيه العاطل ، وكلمة سرسري ، بالفارسية ، تعني الجهل والحماقة ، ومعناها بالتركية : العاطل عن العمل ، وكانت الحكومة العثمانية ، قد أصدرت قانوناّ سمته : نظام السرسريّة ، فرضت فيه أن يعتقل كلّ عاطل عن العمل ، وليست لديه وسيلة جلية للتعّيش ، وأن تسوقه السلطة للمحكمة ، حيث يحكم عليه بالحبس ، على ان تستعمله السلطة في أعمال العمران ، وتحفظ له أجره اليومي ، حتى اذا انتهت مدّة حبسه ، أطلقته ، وسلّمت له ما تراكم له من أجر ) (4) .
ولكن العراقيين أطلقوا هذه الكلمة على كل شخص يتصرف بشكل بعيد عن الاخلاق المتعارف عليها في المجتمع أو اولئك الذين يكونون سببا في أيذاء الناس سواء بالفعل أم بالقول . ولذا فان المعنى الاصلي للكلمة قد ضاع كما ضاع المعنى الاصلي للعديد من الالفاظ في لغتنا المحكية ككلمة بربوك مثلا والتي تكتب بالكاف الفارسية . والتي يتصور الكثير من انها شتيمة على الرغم من انها تعني (وعاء فخاري بحجم شربة الماء ضيّق الفوهة يستعمل للنارجيلة ، ومن خاصيته انه اذا القي في النهر مالت فوهته الى الجانب فيطفو على سطح الماء دون ان يتسرّب الماء الى داخله ولذا يبقى طافيا على سطح الماء دون ان يغرق) . (5)

وقد نظم الشاعر عبد القادر العبادي ، الملقب : شنون بيتين من الشعر قال فيهما :

قد سقط البربوق في دجلة ............في ليلة ظلماء لا تشرق
لا تعجبوا كيف نجا سالما ........ من عادة البربوق لا يغرق (6)

واليوم لو اردنا ان نطلق وصفا على اعضاء البرلمان العراقي ، الذين حصلوا على رواتبهم وامتيازاتهم الخرافية ، لقرابة خمسة اشهر دون ان يقوموا باي عمل . فاننا لن نجد الا كلمة سرسرية ، بمعناها الفارسي والتركي والعراقي . ولو راقبنا اداء الكتل السياسية وصراعاتها من اجل السلطة لشهور ثمانية ، وترك شعبنا عرضة للتفجيرات والموت اليومي ، والجوع والبطالة والمرض ونقص الخدمات . وارضنا للجفاف والتصحر ، ومياهنا الاقليمية للتلوث الفقيهي ( نسبة لدولة الفقيه ) وتدخل دول الجوار في شأنه الداخلي ، فاننا لن نجد للأسف الا كلمة سرسرية في وصفنا لهم . ولو اردنا ان نصف اعضاء مجلس محافظة او مؤسسة معينة ، تمنع مهرجانا او امسية ثقافية او شعرية او سيركا ، او تقمع الحريات الشخصية باسم الدين ، فلن نجد الا كلمة سرسرية .

اما من يغلق ناد لاتحاد ادباء وكتاب بلده خلافا للدستور ، وببلطجة واضحة ضاربا عرض الحائط الديموقراطية ، التي يبدو انها وسيلة وليست غاية عند هؤلاء الظلاميون فانه سرسري . اما البعض من الكتاب الليبراليين او المتياسرين المؤمنين بالديموقراطية الاسلاموية ، الذين يعتبرونها ( لطائفية بغيضة ) سفينة نجاة العراق ، اذ يطالبون الاخرين بكسر اقلامهم ، والاعتذار الى رجل مرحلة ، يبعث اعضاء حزبه شرطتهم لقمع حريات الناس ، وتكميم افواههم والقضاء بشكل تدريجي ، على آخر ما تبقى للمثقف والثقافة من حصن . فانني اترك القاريء ليجد لهم وصفا يليق بهم .

وكما قام ابو حيان التوحيدي بالامس ، بحرق كتبه احتجاجا على وضع المثقفين السيء حينها ، ومعاناتهم على يد الحكام الاميين ، والجهلة من رجال الدين الذين اصدروا فتاواهم ، بزندقة العشرات من المفكرين والفلاسفة والشعراء . تقع اليوم على عاتق المثقفين العراقيين ، مهمة القيام بعمل رمزي ، وذلك بحرق نسخا من مؤلفاتهم في ساحة الفردوس او شارع المتنبي ، ليصرخوا عاليا ليس من اجل الثقافة فقط ، بل من اجل وطنهم والانسان العراقي ، الذي اصبح الان وحيدا امام هذه القوى الظلامية ، بعد ان خسر آخر خط دفاعي له امام هجماتهم المتوحشة . بانضمام بعض الكتاب الليبراليين الى جوقة الاسلام السياسي من اجل منفعة شخصية بعد ان تخلوا عن شعبهم ، ليتركوه امام غيلان الجهل والتخلف والظلام .

الاسلاميون يطلبون العلى ولو جلس شعبهم على قازوق .
 


(1) النصوص المحرمة تحقيق جمال جمعة
(2) اللزوميات لابي العلاء المعري
(3) ابن الاثير ( 7 / 55 )
(4) عبود الشالجي ، موسوعة الكنايات العامية البغدادية ، الجزء الثاني ، ص 154 – 155 .
(5) عبد الرحمن التكريتي ، جمهرة الامثال البغدادية ، ص 71
(6) جمهرة الامثال العامية البغدادية ج 2 ص 71



الدنمارك
3 / 12 / 2010


 


 

free web counter