|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  27  / 8 / 2015                                 زكي رضا                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الشيوعيون والصدريون

زكي رضا 

لكي لا نحلق عاليا في فضاء التنظير الايديولوجي والفكري علينا اولا تحسس الارض التي نقف عليها ومتانة تربتها ومن ثم دراسة طبيعة أشكال الصراع وأهدافه وسبل الوصول الى هذه الاهداف. لأننا لو لم نجمع النقاط الثلاث أعلاه في بوتقة واحدة ولم نعمل على تحليل مفرداتها بشكل مبسط للغاية وقريب جدا من العقلية السائدة بالمجتمع وبعيدا عن القوالب الايديولوجية فإننا سنكون كمن يريد غزو الفضاء على ظهر حصان. كون الواقع العراقي اليوم وبعد تغييب كامل للعقل وتجلياته وإنحدار الثقافة بفروعها المختلفة الى الحضيض نتيجة عقود من الدكتاتورية، تشير وبشكل واضح وجلي الى سيادة منهج ديني يمتاز بالتخلف والانحطاط الفكري والفشل التام على الصعيد السياسي والأقتصادي والأجتماعي تقوده أحزاب أسلامية طائفية تتغذى من أفكار " مقدّسة" تقودها هي الاخرى المؤسسة الدينية، مما حولّت نسبة كبيرة من الناس الى كائنات تقاد بأجهزة السيطرة عن بعد وهؤلاء هم من يحدد مصير البلد سواء عن طريق صناديق الانتخاب أو بتنظيمهم في ميليشيات شبه عسكرية لها كامل الحرية بالتحرك وضرب من تريد متى شاءت أو شاء من يتحكم بها وبغياب تام للدولة التي إن تدخلت ولم تلتزم الصمت فأنها ستتدخل الى جانب هذه الميليشيات كون أحزابها هي جزء فاعل وأساسي من المشهد السياسي.

نتيجة للأنعطافة الحادّة التي يمر بها البلد اليوم ظهرت على السطح وجهات نظر متباينة في كيفية التعاطي مع مزاج هذه الجماهير ذات النزعات الاجتماعية المتفاوتة والمتناقضة طبقيا في نفس الوقت. وتسخير المزاج الشعبي المعارض والمتنامي ضد سلطة الفساد الدينية بأتجاه إحداث تغيير جذري في شكل الحكم، بعد أن تجاوزت الجماهير خلال تظاهراتها الاسبوعية مسألة الخدمات وتوفيرها الى محاكمة كامل النظام السياسي بإعتباره المسؤول الاول والاخير عن كل الخيبات التي طالت الوطن والناس. وبالحقيقة لو تجاوزنا دور القوى المنادية بالمدنية والتي إشتركت بقوة في هذه التظاهرات التي بدأتها الجماهير بعفويتها كرد فعل على سوء الخدمات والفساد قبل أن تتطور مثلما اسلفنا قبل قليل الى هدف أسمى هو تغيير شكل السلطة وطبيعتها، فإننا أمام جهتين أولهما : بقايا البعث والمرتبطين به حتّى من داخل الحكومة والبرلمان الحالمين بركوب الموجة وإعادة عقارب الساعة للوراء، وهؤلاء لا دور حقيقي لهم وغير قادرين على التأثير بالجماهير ليس كونهم وحزبهم مكروهين من غالبية أبناء شعبنا نتيجة جرائمهم الواسعة، بل كون المحافظات التي تتظاهر أسبوعيا غالبيتها "شيعية" كون المحافظات السنّية أسيرة تنظيم داعش الإرهابي حليف البعث السابق. والجهة الاخرى هي الأحزاب الاسلامية الحاكمة والتي تحملّها الجماهير وزر كل أشكال الفساد والسرقات وأنهيار مؤسسات الدولة، والتي تريد هي الاخرى ركوب الموجة وقيادة هذه التظاهرات!!! ونتيجة للصراعات الداخلية بين هذه الاحزاب المنضوية في ما يسمى بالتحالف الوطني "البيت الشيعي" فإن بعضا من رموزه تريد أن تنتقل من قارب السلطة التي كانت جزءا فاعلا منه للثلاث عشرة سنة الماضية ومساهمتها كما باقي أقطاب حكومة المحاصصة في نهب ثروات البلد ودورها بكل أشكال الفساد والجريمة التي ارتكبتها الى قارب الجماهير، الذي بدأ للتو يتحرر من مستنقع الخوف والرضوخ منتقلا الى محيط الجرأة والتمرد. وعلى رأس هذه الجهات وكالعادة نتيجة تخبطه المستمر وإنتقاله من معسكر الى آخر وتبنيه لتصريحات اليوم ليتبرأ منها غدا هو " مقتدى الصدر" وتياره. هذا التيار الذي يريد مشاركة الجماهير او بالأحرى قيادتها في تظاهراتها ضد الفساد وكأن عرّابيه وهم ينهبون ثروات البلاد كما أقرانهم من أقطاب سلطة المحاصصة الطائفية القومية، لم يكونوا ولليوم جزءا فاعلا من الحكومة والبرلمان التي يتظاهر شعبنا ضدهم. والسؤال هنا هل يريد التيار الصدري التظاهر ضد التيار الصدري!!؟؟

عودة لبعض الآراء التي تطالب بتحالف الشيوعيين العراقيين "هم جزء من الحراك الشعبي ولا يقودون هذا الحراك" مع الصدريين ، أرى علينا العودة الى النقاط الثلاث التي ذكرتها في بداية المقالة والبحث عن أجابات من واقعنا المعاش وعدم الخوض بتجارب تاريخية بعيدة جدا عن واقعنا هذا ومحاولة ربطه بتلك التجارب التاريخية دون الأخذ بنظر الاعتبار الظروف الموضوعية والذاتية لتلك التجارب ، والظروف الموضوعية التي عندنا اليوم، وهذا لا يعني مطلقا عدم الاستفادة من تلك التجارب كون تلك التجارب وغيرها ومنها تجربتنا هي التي تحدد تاريخيا طبيعة واشكال الصراع الذي تخوضه قوى اليسار والقوى الدينية للوصول الى غايتيهما، فهل غايات وأهداف اليسار هي نفسها غايات وافكار القوى الدينية بغض النظر عن المشتركات الاجتماعية بين قواعدهما؟ وهل شكل الدولة التي يعملان على تشكيلها في نهاية المطاف هي نفسها بين الطرفين؟

إن تجارب التحالفات ومنها تجربة اليسار العراقي "الحزب الشيوعي العراقي" أثبتت إن عدم التكافؤ بالقوى بين المتحالفين ونتيجة لغياب الديموقراطية كنهج وثقافة بين القوى السياسية العراقية على مختلف تلاوينها يؤدي بالنهاية الى فشل هذا التحالف وإنهياره وعادة ما يكون الفشل والأنهيار دمويا. لذا ارى هنا إن أي تحالف بين الشيوعيين والصدريين في ظل ميزان القوى الذي يميل للصدريين على الرغم من أشتراكهم في جرائم الفساد والرشوة والقتل على الهوية اثناء أحداث سنوات ما بعد تفجير المرقدين في سامراء يعتبر إنتحارا سياسيا للشيوعيين العراقيين وضربة بالصميم لتظاهرات شعبنا في محاربة الفساد الذي يمثل الصدريين قلبه كونهم يهيمنون على جميع الوزارات الخدمية ولسنوات، تلك التي فشلوا وهم على رأسها من توفيرها "الخدمات ولو بالحد الادنى" وهذا بالضبط ما دفع الجماهير للتظاهر.

إن طبيعة الصراع الذي تخوضه الجماهير اليوم ومنهم الشيوعيين تتقاطع ويجب أن تتقاطع كليا مع الصدريين وغيرهم من الاحزاب المتنفذة بالسلطة ، شيعية وسنية وكردية كون هذا الاحزاب ومن جديد هي المسؤولة عن كل ما جرى ويجري بالبلد وهي التي تحاكمها الجماهير اليوم من خلال شعاراتها وهتافاتها. فالصدريون يحلمون بدولة دينية كي يسلمّوها مستقبلا "للإمام المهدي" حين ظهوره، ومن خلال هذا الحلم يقومون بتربية نشئ كامل على السير في هذا الطريق، أمّا عن دورهم خلال سنوات ما بعد الاحتلال فإنهم قاموا وعلى خلاف الدستور بتعدّيات واسعة وكبيرة على العديد من الاندية الثقافية بحجّة محاربة الخمور كما وانّهم من أعداء الفن والأدب بشكل عام وهذا بنظري ليس عيباً فيهم أنمّا هو جزء من ثقافتهم وسلوكهم التربوي، وكأن الله قد حرّم الخمر وحلّل السرقة والرشوة والفساد. فهل الشيوعيين العراقيين لهم نفس الحلم في شكل الدولة؟

إن الشعور بالظلم والتفاوت الاجتماعي والتهميش ليست سمة مشتركة بين الشيوعيين والصدريين فقط ، بل هي سمة مشتركة بين غالبية أبناء شعبنا الذي يعاني الفقر والبطالة والمرض وفقدان الأمن والخدمات، مع فرق واضح وهو أن القيادات الصدرية على عكس الشيوعية هي جزء متين من نسيج الفساد، فللصدريين ما يقارب الأربعين برلمانيا وعددا من الوزارات ومئات الدرجات الوظيفية العالية في السلكين المدني والعسكري والمتهمين حالهم حال بقية مثلث الفساد الطائفي القومي بسرقة ونهب ثروات شعبنا وتدمير بلدنا.

إن الطريق الوحيد للتغيير المنشود هو إستمرار سلمية التظاهرات وعدم جرّها الى صراعات جانبية لتصفية حسابات بين قوى كانت ولا تزال جزءا مهما من المشهد السياسي الفاسد، فالصراع بين الصدريين والدعوة الحاكم وبين المجلس الاعلى والدعوة الحاكم والصراع بين مكونات البيت الشيعي ، ليس صراعا من اجل مصلحة البلد الذي دمّروه بسياستهم الطائفية اللصوصية، بل صراعا من اجل مصالح هذه القوى الطفيلية وتطبيقها الحرفي كما القوى الطائفية الاخرى لسياسات خارجية هدفها أبقاء العراق ضعيفا وغير مستقر.

على الشيوعيين العراقيين اليوم النظر الى المستقبل بمنظار الجماهير التي عرفت أسرار اللعبة والركوب معها في قاربها الذي عرفت بوصلته طريق الخلاص. أن أي أجتهاد من قبل الشيوعيين يكون على الضد من مصالح الجماهير المتظاهرة من اجل حقوقها وحقوق وطنها سيكون وبالا على الحزب.


الدنمارك
27/8/2015
 








 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter