|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  25  / 7 / 2015                                 زكي رضا                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

إنزلاق المنطقة نحو الحروب بدأ من العراق

زكي رضا 

من الضروري جدا ونحن نعيش حالة الفوضى السياسية والحروب الأهلية التي تعم منطقة الشرق الأوسط وخطرها على السلم الأقليمي وتهديد مصالح شعوبها من خلال أنزلاق بلدانها في حروب مباشرة بينهم أو من خلال حروب بالوكالة، أن نحدد سمات الطبيعة السياسية والبشرية للبلد الذي ساهم مساهمة مباشرة في أندلاع الحروب الأقليمية الكبيرة ما جعل المنطقة بالنهاية أن تدخل في دوامة مشاريع دولية تقودها الولايات المتحدة في سعيها لبناء شرق أوسط جديد يقام على أساس ديني طائفي أثني. أما الحديث عن الديموقراطية والعمل على ترسيخها في المنطقة فأنها ليست سوى كذبة كبرى وتبرير للتدخل المباشر بشؤون المنطقة، فأمريكا التي تريد بناء أنظمة ديموقراطية وتداول سلمي للسلطة في ليبيا وسوريا والعراق على سبيل المثال هي على ما يبدو غير أمريكا التي تغض النظر عن أنظمة الخليج ومعاداتها لكل ما يمت للديموقراطية بصلة، ولا تفكر مطلقا بأي تداول سلمي للسلطة فيها الا اذا كانت الزعامة الوراثية في عوائل فاسدة هي شكل من أشكال الديموقراطية وفق رؤيتها الأنتقائية لهذه الديموقراطية! وهي بنفس الوقت غير أمريكا التي وقفت بكل ثقلها الى جانب الأخوان المسلمين في مصر وهم يعملون على تحويل نظام الحكم فيه الى نظام ثيوقراطي كان يعمل وبمساعدة خليجية على جعل أكبر بلد عربي رهينة بيد الاخوان المسلمين وباقي الحركات الاسلامية لتعود به عشرات العقود الى الوراء، كي تكون مصر بثقلها الكبير بوابة الأنطلاق لمشروع الشرق الاوسط الجديد الذي لازال العمل به جاريا كونه هدف ستراتيجي لامريكا واسرائيل في تفتيت دول المنطقة وأضعافها لآماد غير محدودة، وهي غير أمريكا التي تريد بناء نظام ديموقراطي تحت سطوة الميليشيات التي تقودها أحزاب أسلامية بالعراق، هذه الأحزاب التي تعمل على بناء نظام أسلامي بشكله الأكثر تشوها من خلال أبتعادها عن التحضر والمدنية والتي تعتمد في حكمها على طائفية مقيتة.

لا يتميز العراق عن غيره من بلدان المنطقة من حيث التنوع الديني والقومي والمذهبي، الا أنه يتميز بالقسوة المفرطة من سلطاته المختلفة في تعاملها مع هذا التنوع منذ بداية تأسيس الدولة ليومنا هذا. فالسلطات العراقية المختلفة لم تستطع ان تخفف من عمق الخلافات العربية الكردية المتشنجة طيلة تاريخها الممتد لتسعة عقود والتي بدأت بالمعارك التي خاضتها ضد الكرد بقيادة الشيخ محمود الحفيد سنة 1921 وعشرات المعارك غيرها لينهيها النظام البعثي بقسوة كبيرة في قصفه لمدينة حلبجة بالغازات السامّة وتغييبه ما يقارب لـ 182000 مواطن كردي بريء في ما يسمّى بعمليات الأنفال. ولا يجب أن نغفل ونحن نقول بقسوة الانظمة المختلفة وتعميق الخلافات بين القوميتين الأكبر بالعراق، تعمد السلطات المختلفة تقريبا وسلطة البعث خصوصا في أهمال المدن والبلدات والقرى الكردية وأستثنائها من مشاريع التنمية، وقيامها بتدمير ما يقارب خمسة آلاف قرية كردية وتهجير قاطنيها الى معسكرات "سكنية" أشبه بمعسكرات الاعتقال النازية وأعتبارها " القرى" ساحات حرب يقتل من يعود اليها. هذه القسوة دفعت الكرد بالنهاية وبعد فشل أنتفاضة آذار 1991 التي قمعتها سلطة البعث بقسوة مبالغ فيها كالعادة وبمساعدة أمريكا وحلفائها الى أعلان شبه دولة ليتعمق بعدها الخلاف العربي "السني" الكردي. الذي تحوّل الى خلاف عربي "شيعي – سني " كردي عهد رئيس الوراء السابق السيد "نوري المالكي" الذي نجح ومعه السيد "مسعود البارزاني" بسياساتهما المصلحية المتشنجة تجاه بعضهما البعض في تحويل الصراع العربي الكردي ولأول مرّة بتاريخ العراق الى صراع على مستوى الشارع، وهنا تكمن الخطورة إذ من المحتمل جدا وبعد أنتهاء الحرب ضد تنظيم داعش الارهابي وفي حالة ما بقيت الخلافات بين المركز والأقليم التي يديرها صقور الطرفين لأسباب حزبية وفئوية ولسعة الفجوة بين الشعبين، أن تشتد بين الطرفين " الخلافات" أكثر حول تصدير النفط والمادة 140 والميزانية وغيرها من المشالكل العالقة وبدفع من قوى دولية وأقليمية لبروز صراع جديد أكثر خطورة من الصراع الطائفي الذي عاشه العراق سنوات ما بعد 2006 خصوصا وأن ميزان القوى قد تغير بعض الشيء لصالح السلطة "الشيعة" التي حصدت بعض الأنتصارات في حربها ضد تنظيم داعش الأرهابي، ما يجعلها أن تكون ذات ظهير شعبي "عشائري – ميليشياوي" وهي تخوض صراعا قادما محتملا ضد الكرد.

أن عمق الخلافات العربية الكردية يقابله خلافا عميقا آخرا بين شيعة العراق وسنّته، هذا الخلاف كان واضحا لحدود طيلة تاريخ الدولة العراقية عدا فترة ثورة 14 تموز " بدأت خلافات الثورة مع الكرد عام 1961". فشيعة العراق تعرضوا لقسوة كبيرة طيلة تاريخ العراق الحديث حتى ساعة أحتلاله، فالحكومات العراقية المختلفة كانت تنظر اليهم بأستمرار على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية وطابورا خامسا فلم يكونوا كنظرائهم السنة يحصلون على مراكز مؤثرة في مواقع الدولة المدنية منها والعسكرية، وكان الكثير منهم ومعهم الكرد الشيعة المعروفين بأسم (الكرد الفيلية) لازالوا يحملون شهادات جنسية عراقية تعتبرهم من التبعية الأيرانية عكس العرب السنّة الذين يعتبرون مواطنون أصلاء ومن الدرجة الاولى كونهم من التبعية العثمانية في مفارقة غريبة لمثل هذا القانون الذي يعتبر التبعية للأجنبي أساسا للمواطنة! أن التهميش الكبير للشيعة ومحاربتهم حتى في ممارسة طقوسهم من قبل السلطات العراقية ومن خلال سلطة البعث على الخصوص، ولأنهم كأغلبية كانوا وقودا لحروب الحكومات المختلفة الداخلية منها والخارجية، ولكثرة عدد ضحاياهم في الحروب الداخلية والحرب العراقية الأيرانية وحرب الكويت دفعتهم ومعهم باقي أبناء الشعب العراقي عدا سنّة العراق في محافظاتهم الأربع والتي أسماها النظام بالمحافظات البيضاء، أن يفجروا أنتفاضة آذار أثر أنسحاب الجيش العراقي المخزي من الكويت. وكما مع الكرد فقد تعامل النظام البعثي مع الشيعة بعد فشل الأنتفاضة بقسوة قلّ مثيلها "أستخدمها رفاقهم البعثيون السوريون في حمص وحماه" بين أنظمة الحكم في المنطقة ، حين دُكّت مدنهم المقدسة بعشرات الصواريخ ودفن الآلاف منهم في مقابر جماعية لازال العديد منها مجهولا. ونحن نتناول قسوة السلطة في تعاملها مع العرب الشيعة والكرد علينا أن لا نغفل عن دورها في عملية أفراغ العراق من أتباع الديانات الأخرى غير الاسلام من البلد، فاليهود العراقيين تعرضوا لعملية تهجير بشعة "الكرد الفيليون لاحقا" أقترنت باسوأ مصطلح عرفه شعبنا وهو "الفرهود" وفتحت السلطات الباب أمام هجرة الآلاف من المسيحيين حينما كانت تمنع غيرهم من السفر، كل هذا لأجل التغيير الديموغرافي وأنهاء التنوع الديني والمذهبي والقومي في البلد. وقد أدّت هذه الممارسات الشوفينية والطائفية بالنهاية الى فشل السلطات العراقية المختلفة ومنها سلطات اليوم في تشكيل هوية وطنية بين أبناء البلد الواحد، هذا الفشل في تشكيل الهوية الوطنية هو الذي يعزز اليوم مواقع القوى الطائفية والقومية بالسلطة على حساب مستقبل البلد ووحدته وتطلعات شعبه للعيش بكرامة وهذا الفشل نفسه هو المسؤول عن عدم أستقرار البلد منذ الاحتلال لليوم.

أن قسوة السلطات المختلفة وعلى الأخص سلطة البعث الثانية لم تقتصر في تعاملها مع المواطنين فقط بل تعدّتها الى قسوتها في تبديد ريع الصادرات النفطية وهي الدخل الأكبر والأهم للدولة في بناء جيش من أكبر الجيوش في المنطقة وتسليحه بمختلف أنواع الأسلحة التي دُمرّت في معارك خاسرة ولتباع أخيرا الى بعض دول الجوار كخردة، وتبقى قسوة سلطة البعث على الارض الزراعية العراقية وموارد البلد المائية شاهدا على وحشية هذا النظام الذي حوّل العراق من بلد ذو أكتفاء ذاتي من المحاصيل الزراعية الى بلد مستورد لها، كما تسبّب من خلال تجفيفه للأهوار وتغيير مجرى بعض الأنهر في تغيير كبير بالمناخ وزيادة التصحر ليهدد بجريمته هذه المستقبل الغذائي لأجيال عديدة قادمة. ولكي نكون منصفين في موقفنا من تبديد الثروة الوطنية عهد البعث الاسود علينا الأشارة الى تبديد أكبر وأوسع لهذه الثروة والتي لم تدخل الخزينة العراقية مثلها على مر تاريخ العراق من قبل حكومات المحاصصة. ولو أردنا الدقّة اكثر فاننا أمام أكبر سرقة وتبديد لهذه الثروة بالتاريخ من قبل الاحزاب الطائفية والقومية المتنفذة، عندما نعرف أن مجموع ما دخل الخزينة العراقية من أموال نتيجة تصدير النفط منذ بدء التصدير لحد 9 نيسان 2003 لا يساوي ما دخل الخزينة خلال فترة ما بعد الاحتلال الامريكي ولليوم دون أن تبني قوى المحاصصة مشفى واحد أو معملا واحدا على سبيل المثال طيلة فترة حكمها منذ الأحتلال لليوم، علما إن ما دخل الخزينة العراقية وفق بعض الارقام وصل الى 1000 مليارد دولار.

لقد بدأ الفرز الطائفي على مستوى الدول في المنطقة مباشرة بعد نجاح الثورة الأيرانية وأعلان قيادتها عن عزمها على تصدير الثورة، ما جعل السلطات السنّية في العراق والسعودية والبحرين والكويت والتي يتواجد فيها مواطنون شيعة من تعزيز قبضتها عليهم وتهجير مئات الآلاف منهم كما جئنا على ذكره من العراق وأستيراد الالاف من السنة العرب والآسيويين ومنحهم الجنسية في البحرين لتغيير الطبيعة الديموغرافية فيها لصالح السنّة، هذا الفرز الطائفي ظهرت آثاره لاحقا وان بدرجات متفاوتة في بلدان عدّة من بلدان المنطقة. فلو تجاوزنا لبنان لعودة بوادر النزاع فيه الى عام 1975 والتي استمرت لما يقارب الـ15 عاما، فأننا سنرى نزاعا طائفيا في المنطقة يبدأ من العراق الذي ورث معارك جرت على أرضه بين فرق اسلامية عديدة منذ مقتل عثمان بن عفّان ليومنا هذا مرورا بالصراع الصفوي العثماني الذي كانت تدور رحى معاركهم في العراق لما يقارب الثلاثة قرون ذهب ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين سنّة وشيعة.

في بدايات القرن الماضي نشأت حركات أصلاح عربية وإن على نطاق ضيّق بالبداية نتيجة شيوع الأمية بمعناه اللغوي والفكري لأبتعاد البلدان العربية "عدا لبنان لحدود" عن التواصل الفكري والثقافي والأدبي والفلسفي مع الغرب لعقود طويلة، وحالما أستطاعت هذه الحركات الأصلاحية بعد عقود قليلة أن تترجم نشاطاتها من خلال شعاراتها القومية لتشكل احزابها فأنها لم تجد مفرا وهي تعيش بين مجتمع متخلف نتيجة طول فترة الاحتلال العثماني لها وذو جذور دينية، الا ان ترتكز على الأسلام كدين وفلسفة وأن لم تكن تبغي ذلك في قرارة نفسها لتضعه في صلب شعاراتها وأدبياتها مستفيدة من عملية تحديث الفكر العربي الأسلامي التي بدأت عهد "محمد علي باشا" في مصر وأمتدت الى بلدان عربية عدّة وفي مقدمتها بلدان المشرق العربي في الشام والعراق تلك التي حمل رايتها طلائع المثقفين القوميين . فالمثقف القومي وهو يعمل ضمن هذه الأحزاب ومنها البعث وضع قوالب قومية "دينية" لا يمكن الخلاص منها فعندما يتحدث عن التراث فأنه يعني التراث العربي – الأسلامي وعندما يتحدث عن التاريخ فأنه يعود بذاكرته الى التاريخ العربي – الأسلامي وعندما يجادل بالفكر فأنه يجادل بالفكر العربي الأسلامي وهكذا. فعلى رغم الخلاف الكبير بين الأسلام الذي يعتبره الأسلاميون مفهوما أوسع بكثير من القومية "العروبة هنا" وبين القومية العربية فأننا نستطيع أن نتوصل الى الهدف الذي تبتغيه هذه الأحزاب خصوصا تلك التي قادت بلدان متعدة القوميات والاديان والمذاهب كالعراق، هذا الهدف هو أحتواء أو أذابة جميع المسلمين من قوميات غير عربية والذين يتحدثون لغات غير العربية في بوتقة القومية العربية عن طريق الأسلام. وإذا ما أردنا أن نعود الى جذور التزاوج القومي الأسلامي من ناحية التراث الذي يستند عليه القوميون والبعثيون ونبحث بدقة في العلاقة بينهما فأننا نراهما لا يتمايزان عن بعضهما كونهما يتغذيان من بيئة تراثية واحدة. ان الأنظمة القومية العربية ومنها من حكم العراق ليست الوحيدة في نظرتها تجاه القوميات التي تعيش في بلدانها ومحاولة تذويبها في بوتقة قوميتها الرئيسية، بل تشترك معه بلدان أخرى كتركيا وأيران في عهديهما العلماني والأسلامي.

على الرغم من أن الأسلام بالأحرى وليست العروبة هو الذي حمل راية تقدم المجتمعات الاسلامية في بعض جوانب الحياة والمعرفة عن طريق الشعوب التي دخلت الاسلام بحد السيف والتي يطلق عليها أسم الفتوحات - الاحتلال - فأن المثقفين الاسلاميين يعيدون " ثورية" الاسلام الى محاولته الاولى عهد محمد في انهاء حالة التشرذم القبلي والعشائري في طريقه لبناء دولة قومية عربية - اسلامية قوية، وإذا أخذنا وجهة نظرهم هذه وقارنّاها بما يجري اليوم في غالبية البلدان الاسلامية ومنها العراق فأننا سنصل الى نتيجة تدل على فشل تلك السياسة والاستراتيجية التي حملها الاسلام معه وتقهقره الى نقطة الصفر، كون القبائل والعشائر اليوم هي التي تتحكم بمفاصل العديد من البلدان الاسلامية وشعوبها وهي تعيد وفق الرؤية الفكرية للاسلام نفسه وليس غيره عن طريق أطنان من التفسيرات غير العقلانية لنصوص الدين، هذه الشعوب الى عصر الجاهلية التي عمل الاسلام على "نبذها" لهدف أكبر حينها. وهذا يجعلنا ان نستخلص فشل ما يسمى بالاحزاب الاسلامية اليوم وهي تعمل في بيئات عشائرية وقبلية محضة وتتغذى عليها كما الفطريات في قيادة الدولة والمجتمع. وأذا كان الأسلام يريد وقتها أخراج العرب من براثن الجهل والتخلف "بثوريته" فأن الواقع الذي تعيشه الشعوب التي تعتنقه اليوم وعلى رأسها الشعوب العربية يشير الى عودة مفزعة الى واقع اكثر جهلا وتخلفا وتشرذما أذا ما وضعنا امكانيات البشرية اليوم والأمس من علوم وفنون وثقافة وغيرها من سبل المعرفة في كفتي ميزان.

لم يكن حزب البعث العربي الأشتراكي وغيره من الاحزاب القومية كالأحزاب الناصرية والتي تدور بفلكهما بعيدين عن تلك التشكيلات والأرهاصات الاولى لحركات الاصلاح العربية فكريا، كما أنهما لم يكونا بعيدين أيضا عن فكرة تزاوج الاسلام "الثوري" مع القومية العربية، التي شغلت مساحة واسعة من المشهد السياسي لتلك الفترة مع الفكر اليساري خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والعمل من خلال هذا التقارب على محاولة أستنهاض الشعوب العربية لخوض معارك "مصيرية" خصوصا بعد الهزيمتين العربيتين الكبيرتين والتي يطلق القوميون العرب والبعثيون عليها النكبة والنكسة على التوالي وهما في الحقيقة هزيمتان ثقيلتان مهدتا لاحقا لهزيمة كاملة للفكر العربي. هذا الفكر الذي كان يقود البلدان العربية بأحزاب السلطة حفر قبرا عميقا لبلدانها بعد ان تشوهت كل ملامح التنمية وخططها ولتبدد الثروة الوطنية لبلدانها في مجال التسليح وسوء الأدارة وليزداد الفقر بين ابناء "شعوبها". أن فشل الاحزاب القومية ومنها البعث بحل مشاكل شعوبها الأقتصادية والأجتماعية ومغامراتهم العسكرية أضافة الى قمعهم للقوى اليسارية وغزلهم مع القوى الاسلامية وخصوصا مصر عهد السادات أدى بالنهاية الى وقوع الدول العربية في براثن الاسلام السياسي.

إن القمع الوحشي لأنتفاضة آذار 1991 من قبل البعث كان بوابة لدخول العراق في أتون صراع طائفي شيعي - سني ليس على مستوى الشارع العراقي كما اليوم لقسوة السلطات حينها في تعاملها مع مثل هذا الصراع، بل الى حركات المعارضة العراقية في المنفى التي بدأت منذ ذلك التاريخ بالتكتل على أسس طائفية شيعية وقومية كردية بالأساس لعدم ثقل اليسار العراقي والقوى الديموقراطية وضعف حركات القوميين العرب على محدوديتها. أما سنّة العراق فلم يكونوا جزءا من التكتلات السياسية خارج الوطن كونهم لم يعارضوا النظام بشكل عام بل عملوا على ربط أنفسهم للأسف الشديد ولليوم مع النظام والبعث. فعدم مشاركة المحافظات "السنية" الاربع في الانتفاضة ضد نظام البعث كان من الاسباب التي ادت الى فشل الانتفاضة حينها، ولو كان أبناء هذه المحافظات قد أنظموا الى جماهير شعبنا وقتها لتجنب بلدنا كل سنوات الحصار ومآسيه ولكان العراق ليس كعراق اليوم.

هناك العديد من السياسيين والمثقفين من الذّين يحاولون جهد الأمكان ولعدم رغبتهم في تحديد مواقع الخلل البنيوية في المجتمع العراقي وغياب الروح الوطنية عند قطاعات ليست بالقليلة منه، القفز على حقيقة مهمة جدا وواضحة للعيان وهي أن العراق في أفضل حالاته كان عبارة عمّا يشبه الكانتونات الطائفية والقومية حتّى في المدن المختلطة سكانيا. فالمدن والبلدات في أقليم كردستان كانت ولازالت ذات صبغة كردية ونادرا ما ترى فيها وجودا عربيا عدا موظفي الدولة من خارج الأقليم وأجهزة الأمن والأستخبارات وقوى الجيش، ونفس المظاهر لكن بشكل طائفي نراها في مدن الأنبار وصلاح الدين والنجف وكربلاء والعديد من مدن وبلدات الفرات الاعلى وحوض دجلة. ولو أخذنا مدينة بغداد كمدينة ذات خليط سكاني ديني وطائفي وقومي فأننا نستطيع ان نحدد أسماء هذه الكانتونات وطبيعتها الطائفية او الدينية او القومية، فالأعظمية سنّية والكاظمية شيعية ومنطقة الفضل سنية والمناطق المحيطة بها كعقد الاكراد شيعية والثورة شيعية والبتاويين مسيحية ومنطقة التوراة في شارع الكفاح " غازي سابقا" كانت يهودية وكمب الارمن أرمنية وهكذا.

من الطبيعي أن لا يبقى الصراع السني الشيعي حبيس العراق لوحده خصوصا بعد أحتلال العراق وحلّ مؤسساته الأمنية والعسكرية من قبل الحاكم الامريكي " بريمر" وهو نفسه مهندس نظام المحاصصة الطائفية القومية الذي جعل العراق دولة منهارة بمعنى الكلمة وبكافة المجالات. فمثلث المحاصصة الشيطاني الذّي جاء به المحتل الأمريكي لم يبقي نتيجة صراعاته الغبية وفساده من العراق الا أشلاء بلد وشعب ممزق دينيا وطائفيا وقوميا. إن غزو العراق كما جاء في العديد من الوثائق كان له هدف واحد لاغير وقد نجح الأمريكان فيه نجاحا منقطع النظير، هذا الهدف لم يكن سوى أذكاء الحرب الطائفية التي رفعت راية تقسيم العراق عاليا، وقد ساهمت أضلاع مثلث الشيطان التي تتحكم بسياسة البلد اليوم في تطبيق الخطّة الامريكية - الأسرائيلية بنجاح كبير أمّا الحديث حول بناء نظم ديموقراطية فأنه ليس سوى أضغاث أحلام .

إن موقع العراق الجيوسياسي والذي كان مسرحا لحروب طائفية طاحنة عهد الصراع العثماني الصفوي ناهيك عن الصراعات الطائفية بين أبناء شعبه والحروب التي خاضها المسلمون ضد بعضهم البعض منذ الأحتلال الأسلامي لليوم، يؤثر "موقعه" بشكل مباشر على محيطه الأقليمي سلبا وأيجابا. وإذا كان مارد الصراع الطائفي بالعراق لقرون عديدة قد ظل حبيس قمقمه العراقي من دون أن يؤثر بمحيطه فأنه وبعد الأحتلال الامريكي إنطلق بكل عنفوانه ليكون سببا لصراعات حتّى في بلدان متجانسة قوميا ودينيا وطائفيا مثل ليبيا على سبيل المثال. وهنا تحديدا علينا البحث عن الأسباب التي أطلقت مارد الطائفية من قمقمه العراقي وجعله يحلّق عاليا في سماوات البلدان العربية مهددا وحدة ترابها ومستنزفا ثرواتها ومعرقلا بالتالي مستقبل أجيالها القادمة لحدود بعيدة و قاسية.

إن مهاجمة الكويت وإحتلالها من قبل النظام البعثي "المنهار" كان بداية النهاية لأنهيار حلم وطموح المشروع القومي العروبي، هذا المشروع الذي فشل في بناء الدولة الوطنية نتيجة أستخدام الأنظمة العربية ومنها القومية العنف الممنهج حيال شعوبها وسعيها في طريق بقائها بالسلطة الى تشويه البنية التقليدية لمجتمعاتها، بل وصل الأمر بها الى التدخل بشكل إرهابي في حياة الناس اليومية. فالمواطن كان يشعر بأنفاس الأجهزة الأمنية حتى داخل غرفة نومه ما اضطره الى ان ينغلق على نفسه خوفا من تبعات أي أمر تعتقده السلطة جريمة، وقد وصل أرهاب السلطة بالعراق مثلا الى الحد الذي أبتعد فيه المواطنين عن تسمية أبنائهم بأسماء معينة تضعهم وأبنائهم في دائرة الشك عند مراجعة دوائر الدولة وخصوصا العسكرية والأمنية.

أن حرب تحرير الكويت والحصار الأمريكي للعراق رسَما سياسة جديدة - قديمة الهدف منها تحطيم حدود سايكس بيكو ورسم خارطة جغرافية جديدة تأخذ بنظر الأعتبار أمن أسرائيل بالدرجة الأولى. وفي هذا السياق ولتأكيد وجهة النظر هذه علينا العودة الى أتفاقيات " أوسلو" إذ كان الامريكيون وهم يضغطون على الرئيس الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات" ليوقع على الأتفاقية صريحين جدا عندما قالوا له "إعلم أنك من منطقة قابلة لتعديل الحدود والبشر في أي وقت".

لقد كان العراق نتيجة السياسات المغامرة لسلطة البعث الركن الاساس في بعثرة الاوراق السياسية بالمنطقة العربية، فبعد الحرب العراقية الأيرانية والتي دخلها مدللا بدعم سعودي - خليجي - عربي غير محدود، عاد وبعد عقد من زمن تلك الحرب ليكون نتيجة مغامرة الكويت نظاما مكروها من جميع البلدان العربية وعلى رأسها السعودية ودول الخليج الأخرى. ولعدم قدرة النظام "حتّى ساعة إنهياره" من إيجاد حلول لأزماته العديدة نراه يهرب للأمام في حملة "إيمانية" ليؤكد على غياب العقل العربي والأسلامي في حل المشاكل التي يواجهانها منذ إنهيار الدولة العبّاسية لليوم.

إن الحروب الطائفية والأهلية التي نراها اليوم في العراق وسوريا واليمن وليبيا ومحاولات إذكائها في مصر وتونس والجزائر لها إضافة الى البعد الديني والطائفي وهو الواضح للعيان من خلال الصراع بين أيران وحلفائها الشيعة في العراق وسوريا واليمن ولبنان وبين السعودية وبلدان الخليج وحلفائهم من الدول السنّية ، بعدا آخر هو البعد الاقتصادي، متمثلا بالغاز القطري وطرق تصديره الى أوربا. وإذا كانت السعودية ومعها بلدان الخليج والدول الأقليمية الاخرى لعبت وتلعب دورا مهما في أستمرار الصراع الطائفي بالعراق من أجل تحجيم أيران وبحجّة الدفاع عن السنّة، فأن قطر تلعب دورا أكبر من حجمها بكثير وهي تبحث عن طرق مواصلات لتصدير غازها الى أوربا. وفي طريقها هذا عملت على إنهيار الأوضاع الأمنية في سوريا بدعمها وتمويلها للمجموعات الارهابية الأسلامية بعد رفض سوريا طلبا قطريا لمرور غازها الى أوربا عبر تركيا والتي تتعارض مع سياسة سوريا بالألتزام في أتفاقاتها مع حليفتها روسيا التي تحاول قطر منافستها في سوق الغاز الاوربية. كما وإن قطر ومعها بلدان الخليج الأخرى عملوا بالأضافة الى سعيهم للهيمنة على العالم العربي والذي نجحوا فيه الى حدود بعيدة نتيجة أمتلاكهم للثروة، الى محاولات عديدة من أجل إبقاء الحصار مستمرا على أيران التي تشترك مع قطر في إمتلاك غاز حقل الشمال الذي يمثل اكبر حقول الغاز بالعالم، والذي تستغله قطر لوحدها نتيجة حصولها من الشركات الغربية على التكنولوجيا التي تساعدها على تجميد الغاز المستخرج وتحويله الى غاز مسال لغرض تصديره.

إن الأسلام السياسي الذي ورث الأنظمة القومية العروبية التي فشلت في ترجمة شعاراتها طيلة نصف قرن ليس بأفضل حالا منها بل على العكس تماما، فالأنظمة القومية العروبية بان فشلها في تلبية حاجات بلدانها بعد مرور عقود على وصولها للسلطة على عكس الأسلام السياسي الذي فشل في تجربته منذ الدقيقة الأولى سواء كان على رأس السلطة كما بالعراق والسودان ومصر مثلا أو في المعارضة كما في سوريا والجزائر. كون هذا الاسلام السياسي تفرقه نقاط اكبر مما يوحدها سياسيا ودينيا ومذهبيا. إن الشعوب العربية كما مرّت بفترة العهد القومي العروبي وتذوقت فشل مغامراته فأنها تمر اليوم بتجربة الأسلام السياسي الأكثر بشاعة من سلفه. وإذا كان الإسلام السياسي قادرا اليوم نتيجة خطابه الطائفي ليس الّا على أستقطاب الجماهير التي كانت موزعة الولاء بين القوميين واليساريين لعقود، فإنه ونتيجة عدم أمتلاكه لبرنامج سياسي قادر على حل المعضلات والمشاكل التي تمر بها المجتمعات العربية فأنه سيترك مكانه كما القوى القومية العروبية لقوى جديدة تنهض من تحت ركام الخوف والجهل والخراب، لكن بعد أن تدفع هذه الشعوب نتيجة غياب القوى السياسية القادرة على ترجمة مأساتها وأنتكاساتها ومطالبها للعيش كالبشر ، الثمن غاليا وغاليا جدا من أرواح أبنائها وثرواتها.

وكما كان العراق هو الركن الأساس في أندلاع الحروب بالمنطقة العربية "عدا الحروب العربية – الأسلامية" فإنه سيكون الركن الاساس في أنتهاء الصراع الطائفي إذا ما إستقرّت أوضاعه، وهذا الأستقرار ليس شأنا داخليا ولا رأي فيه للعراقيين مطلقا. بل هو شأن إقليمي تتحكم فيه إيران الخارجة من أصعب مفاوضات مع الغرب وعلى رأسها أمريكا منتصرة، والسعودية ومعها بقية بلدان الخليج التي تنظر الى هذا الأنتصار بمرارة، كما وإنه شأن دولي تتقاطع فيه مصالح بلدان عديدة على رأسها الولايات لمتحدة الامريكية وإسرائيل. فهل هناك ضوءا في نهاية النفق العراقي المظلم بعد الأتفاق الأيراني - الأمريكي حول البرنامج الايراني النووي؟ وهل هناك ملاحق سرية ترسم ملامح الوضع السياسي المستقبلي بالمنطقة؟

الاوهام عادة ما تعيش طويلا.


الدنمارك
25 / 7 / 2015 
 








 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter