|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  18  / 11 / 2015                                 زكي رضا                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يد العبادي مغلولة إلى عنقه

زكي رضا
(موقع الناس) 

عادة ما يكون لأية حكومة برنامج عمل تعمل على تنفيذه خلال سنوات حكومتها، والحكومة الناجحة هي من تنفذ الجزء الأكبر من برنامجها وفق خطط مدروسة وتبعا لسعة ذلك البرنامج والأمكانيات المادّية والبشرية التي تعمل على تذليل الصعوبات التي تواجهها. ولو أخذنا جميع حكومات ما بعد الأحتلال كمثال لرأينا أنها كانت بلا برامج وإن طرحت برامج عمل فأنها غالبا لم تستطع تنفيذها أو لم ترد تنفيذها لأسباب متعلقة بصراعات الكتل المهيمنة والصراعات الحزبية داخل نفس الكتل وأستشراء الفساد في جميع " مؤسسات" الدولة. هذا الفساد الذي أبتلع خلال فترة وزارتي حزب الدعوة السابقتين بزعامة المالكي مبالغا فلكية تقدر بأكثر من سبعمائة مليار دولار، دون أن نلمس أية عملية بناء خلال ثمان سنوات، بل رأينا تراجعا مريعا في الخدمات والأمن ما نتج عنه بالنهاية ضياع ثلث مساحة البلد وسقوطها بيد عصابات داعش الإرهابية.

بعد "فوز" المالكي بالإنتخابات الأخيرة وبغض النظر عن الطريقة التي فاز بها فأنه ولأسباب مختلفة أهمها الصراعات الحزبية داخل التحالف الشيعي "الوطني" ووجود فيتو كوردي وسني أنتخب السيد حيدر العبادي رئيسا للوزراء خلفا له. وكما سلفه فإن العبادي لم يطرح برنامجا واضحا كون الخزينة خاوية والفساد ينخر "مؤسسات الدولة" وأصابع القائد الضرورة في كل مكان من تلك "المؤسسات" والإرهاب يفتك بالمواطنين والبلد ، ما دعاه "العبادي" وتحت ضغط الشارع وبعد تدخل المرجعية الدينية لاحقا الى رفع راية الإصلاح، كرأس حربة لمحاربة الفساد وإعادة ما بقي من هيبة للدولة التي حولها سلفه الى دولة ميليشيات ومافيات. فهل العبادي قادر على الإصلاح وما هي أدواته؟

إن كان العبادي يعوّل على الإصلاح من خلال قنوات البرلمان والقضاء فأنه كمن يحرث في الهواء كون هاتين المؤسستين هما أصل الفساد الذي ضيّع الثروة الوطنية. لذا فأن طريقه نحو الإصلاح إن كان جادا فيه يمر بطريق آخر غير طريق هاتين المؤسستين الفاسدتين، ولكن هذا الطريق بحاجة الى حلفاء قادرين على أسناده وهو يخوض معركة ليست بالسهلة أمام حيتان حزبه وكتلته وتحالفه وكذلك أمام الفاسدين من القوى السياسية التي تشكل حكومته، فهل توفر للعبادي أمثال هؤلاء الحلفاء؟

بعد أن بدأت تظاهرات شعبنا قبل أسابيع وبعد أن تدخلت المرجعية الدينية الى جانب هذه الجماهير وهي تتظاهر بشكل سلمي مطالبة بـ " خبز .. حرية .. دولة مدنية" ووقفت بكل ثقلها الى جانب العبادي وهو يرفع راية الإصلاح، توقع الكثير إستغلال العبادي هذه الظروف وتراجع حيتان ومجرمي الفساد مؤقتا أمام ضغط الجماهير للبدء بحملة إصلاحات واسعة تعطي له مصداقية وللجماهير أملا بالتغيير الحقيقي، ولكننا وبعد كل هذه الأسابيع نرى إن يد العبادي مغلولة الى عنقه فلا يستطيع أن يبسطها ليعمل بها إنما بقيت أسيرة حزبه ليكون ظلا باهتا للمالكي وسياسيا فاشلا فرّط بأفضل فرصة منحت لسياسي منذ الإحتلال لليوم.

إن العبادي الذي رفع راية الإصلاح بيد نراه يرفع الهراوة باليد الاخرى ليس لضرب الفاسدين بل لضرب أنصار الإصلاح الّذين يتظاهرون أسبوعيا وبشكل سلمي لتعزيز مواقعه هو وليس غيره لكي ينفذ "برنامجه الإصلاحي" الذي سمعنا جعجعته دون أن نرى طحينه. إن إعتقال المتظاهرين ونشطاء الحركات الاحتجاجية السلمية وضربهم وأستخدام أخس الممارسات الاخلاقية التي ورثها الدعاة من البعثيين الطغاة كما جرى اليوم أمام مجلس النواب وبعد حصولهم على الموافقات الاصولية ، تشير الى أن العبادي غير جاد بسياسة الإصلاحات وهو كغيره من أبناء حزبه والطاقم السياسي الفاسد المهيمن على السلطة منذ الاحتلال لليوم يعمل على اللعب على عامل الوقت لأمتصاص غضب الجماهير التي تتظاهر أسبوعيا.

إن من يريد الإصلاح أيها السيد العبادي لا يقمع ويعتقل حلفائه وظهيره السياسي بل ينزل معهم الى ساحات التظاهر بنفسه. جرّب وشارك المتظاهرين يوم الجمعة القادمة تظاهراتهم تحت نصب الحرية لترى الجماهير تشكل أسواراً لحمايتك من بطش رفاقك في حزب الدعوة الفاسد ولتبدأ بعدها عملية الإصلاح وأنقاذ الوطن، لن يمنحك التاريخ أكثر من فرصة واحدة وها هي أمامك فأستغلها كي لا تجلس بعدها ملوما محسورا.

ما أغلى الوطن على القلوب الطيّبة المنبت ... "فولتير"

 

الدنمارك
18/11/2015









 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter