|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  16  / 10  / 2026                                 زكي رضا                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

لماذا يثور إيلوان ويصمت عبد الزهرة..

زكي رضا
(موقع الناس) 

إيلوان، طالب فرنسي عمره سبعة عشر عاما وينتمي الى عائلة برجوازية، ويدرس في مدرسة ثانوية راقية في منطقة ارستقراطية بباريس. أشقر وفرنسي ابا عن جد، وهو بذلك ليس اسمر البشرة او من اصول مهاجرة لتحميله مسؤولية الحراك حقدا على فرنسا، لبق ومتحدث يتمتع بكاريزما وثقافة واسعة كما تقول الصحافة الفرنسية، ليصبح وهو يعتمر الكوفية الفلسطينية ومقبلا (جان ميلانشون) زعيم حزب فرنسا الابية اليساري، رمزا طلابيا واجتماعيا يطالب بتحسين التعليم في فرنسا، ليشمل جميع الطلبة ومن مختلف الطبقات الاجتماعية.

إيلوان القادم من عائلة برجوازية لم يشتهر بسبب الكوفية الفلسطينية، ولا بتقبيله لزعيم حزب فرنسا الابية، بل لانتقاده الحكومة في سياستها في مجال التعليم نتيجة الضائقة المالية التي تمر بها فرنسا اليوم كما العديد من البلدان الاوربية نتيجة الحرب الاوكرانية - الروسية وارتفاع اسعار الوقود في العالم. فمن خلال انتقاده التفاوت الشاسع في فرص التعليم بين الاحياء الميسورة والفقيرة المهمشة، يطالب الدولة بتحمل مسؤولياتها في هذا الملف.

في المقابل دعونا نتخيل عبد الزهرة، الطالب العراقي الذي ينتمي الة عائلة شبه معدمة وتعيش في العشوائيات، حيث الفقر والجوع والحرمان وانعدام شبه تام للخدمات، إذ تفتقر مدارس عبد الزهرة وعبد السادة الى بيئات تعليمية نظيفة ، هذا ان كانت المدارس التي يدرسون فيها مدارس حقيقية، ليس من ناحية البناء والخدمات فقط، بل والاهم هو من حيث التعليم وجودته، في بلد التعليم فيه ينحدر نحو الاسوأ يوما بعد الاخر.

دعونا الان طرح السؤال التالي: لماذا يتظاهر إيلوان وهو البرجوازي الدارس في مدرسة ثانوية راقية، لا تقارن بالمطلق بأية مدرسة في عراق الانبياء والائمة والمقدسات! مطالبا في تعليم جيد لابناء الفقراء ، بينما يصمت عبد الزهرة عن مطالبته بحقه وحق امثاله من الفقراء، الذين وان تخرجوا بجهودهم الذاتية يوما، فانهم لن يجدوا فرصة عمل في بلد تقوده احزاب المحاصصة نحو الموت.

أما السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يستطيع إيلوان، الذي ينتمي إلى بيئة ميسورة ويدرس في مدرسة راقية كما قلنا، أن يرفع صوته مطالبا بحق أبناء الفقراء في تعليم جيد، بينما لا يتحول حرمان عبد الزهرة وأمثاله في كثير من الأحيان، إلى حراك طلابي واسع يتناسب مع حجم الأزمة التي يعيشونها دراسيا واجتماعيا واقتصاديا؟ هل المشكلة تكمن في عبد الزهرة نفسه أم في البيئة التي نشأ فيها ويعيشها، أم في النظام السياسي والاجتماعي بالبلاد؟ أم في قلة او انعدام الوعي والخوف من السلطة واذرعها المسلحة التي تتسلح بفتاوى جاهزة من رجال الدين والمؤسسات الدينية ، ام من اليأس وفقدان الامل بالتغيير، ام كلها مجتمعة؟

هل إيلوان شجاع وعبد الزهرة جبان!؟ كلا ، فشجاعة إيلوان نابعة من نظام ديموقراطي وتلاحم طلابي كبير، ودعم من نقابات طلابية وعمالية، واحزاب يسارية نشطة، حتى وصل الامر في ان بعض اليمينيين يقولون ان اليسار هو الدولة العميقة في فرنسا! ولو راجعنا تاريخ طلبة العراق عندما كان هناك وعيا مجتمعيا، وحينما كانت هناك نقابات نشطة ويسار فاعل ، وغياب التأثيرات العشائرية والطائفية والدينية من تلك التي تتحكم بالشارع السياسي اليوم، كان عبد الزهرة كما إيلوان ، بل واكثر منه شجاعة، كون الموت على عكس إيلوان كان يتربص بعبد الزهرة في المدرسة والحرم الجامعي وفي الشارع. ولو تركنا تظاهرات طلبة العراق في تاريخه المعاصر ، فاننا نرى عبد الزهرة يتقدم المتظاهرين، ويقدم الشهداء في انتفاضة اكتوبر/ تشرين، من اجل تحقيق آمال شعبه في حياة حرة كريمة.

ليس المطلوب هو تقليد فرنسا او غيرها من البلدان، ولا تحميل عبد الزهرة مسؤولية ما صنعته سياسات الاحزاب الفاشلة، بل أن نتعلم وعبد الزهرة كيفية تحويل الشعور بالظلم إلى وعي ، وكيفية تحويل الوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى ضغط اجتماعي قادر على فرض التغيير بقوة الشارع، بعد فشل صناديق الاقتراع في تحقيقه. وهذا يتحقق بوجود ثقافة التضامن بين الطلبة واالمدرسين والنقابات والاحزاب اليسارية والديموقراطية ومنظمات المجتمع المدني.


 

الدنمارك
16/10/2026
 
















 


 








 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter