| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 16 / 8 / 2026 زكي رضا كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الكتاب بين بغداد وبراغ
زكي رضا
(موقع الناس)لم يكن الكتاب بعيدًا عن الذائقة البغدادية منذ العهد العباسي، إذ كانت بغداد وقتها زاهرة ومتمدنة مقارنةً بمدن أخرى غيرها، بل ومن الممكن أنها كانت أكثر مدنية مما هي عليه اليوم، إذا ما قارنا وضعها بين مثيلاتها من المدن وقتها ووضعها بين الكثير من المدن اليوم. وقتها كان العراق واحدا من أهم مراكز نسخ الكتب، وكانت عملية النسخ تجري يدويا، اما مكتباتها فكانت عامرة بالمئات من كتب الفلسفة والطب والفقه والنحو وغيرها من حقول العلم والأدب. وكان تداول الكتب يتم عبر من كانوا يُسمّون بالوراقين، الذين كانوا يستنسخون الكتب ويجلّدونها في منطقة كانت تسمى (ربض وضّاح) كما ذكر اليعقوبي في كتابه البلدان، وقد عرف (ربض وضّاح) بوجود عدد كبير من حوانيت هؤلاء الوراقين ، علما أن أغلب شوارع بغداد وقتها كانت تبيع الكتب وفق بعض المؤرخين. وقد ازدهرت دكاكين الوراقين لا سيما مع نشاط ترجمة أمهات الكتب، وذكر اليعقوبي ان عدد حوانيتهم تجاوزت المئة حانوت، وكانت هذه الدكاكين أشبه بدور النشر والمكتبات التي نعرفها اليوم. والمفارقة التاريخية أن (درب زاخا) كان أيضا من المواضع المرتبطة بالكتب والوراقين، وتقول بعض المصادر التاريخية من دون تأكيد إنه كان يقع في "موضع شارع المتنبي الحالي أو قريبا منه".
وفي بغداد العباسية وقتها برز علماء كبار ممن برعوا في مجالات أو أختصاصات عملهم ، كحنين بن إسحاق في الطب والترجمة، وثابت بن قرة في الرياضيات والفلك، والخوارزمي في علم الجبر والخوارزميات (Algorithm)، التي اشتق اسمها من اسمه، وأصبحت الخوارزميات اليوم اساس للبرمجة والذكاء الاصطناعي. كما برز الكندي والفارابي وغيرهما من الفلاسفة والأدباء والشعراء والعلماء، إلى جانب رجال دين تبحّروا في الفقه الإسلامي وكان لهم دور كبير في تطور المذاهب الفقهية.
انتكس الكتاب ومعه حقول العلم والثقافة والأدب بعد دخول المغول بقيادة هولاكو بغداد عام 1258 م، إذ دمرت المكتبات والمدارس العلمية، وأُحرقت آلاف الكتب والمخطوطات، ورمي مثلها في نهر دجلة، ليدخل العراق مرحلة التصحر الفكري لقرون طويلة. أما في فترة الحكم العثماني للبلاد، فتحولت بغداد التي كانت يوما مدرسة ومنارا للعلوم والآداب إلى عاصمة مهملة نادرا ما تجد فيها مكتبة أو دار نشر.
بعد الاحتلال البريطاني للبلاد بدأت الحركة الثقافية تتطور شيئا فشيئا، فافتتحت سنة 1920 مكتبة مكنزي من قبل الأسكتلندي كينيث مكنزي في رأس القرية بشارع الرشيد. وانتشرت بعد افتتاحها العديد من المكتبات التي كان لها دور كبير في تعزيز حقول الثقافة والمعرفة، بعد أن وفرت كتب عالمية مترجمة للعربية وبلغات أخرى للجمهور، مع الأخذ بنظر الاعتبار المكتبات الدينية في النجف ودورها في تعزيز حقل الثقافة خصوصا في ميدان الشعر والنثر، علاوة على الكتب الدينية. ومع انتشار الكتاب كجزء أساس من المعرفة، وتعدد الأحزاب والمنظمات السياسية العلنية منها والسرية، وإصدارها لصحفها ومجلاتها، وافتتاح المدارس والكليات ودخول المرأة ميدان العلم والدراسة بدأ الوعي بالانتشار بين فئات مختلفة من العراقيين.
لم يصل العراق في عهد ما بعد تأسيس الدولة في مجال القراءة وانتشار الكتاب، ونشاط الحركة الثقافية والفنية، إلى ما وصل إليه سبعينيات القرن الماضي. ويعود ذلك النشاط الثقافي والمعرفي وانتشار المكتبات، كمكتبة التحرير ومكتبة الطريق (تابعة للحزب الشيوعي العراقي) ومكتبة النهضة والمكتبة العالمية، وغيرها من تلك التي يزخر بها شارع المتنبي، ومثيلاتها في مدن وبلدات العراق المختلفة، ناهيك عن أكشاك بيع الصحف التي كانت توفر المجلات العراقية والعربية وأعداد من الكتب المختلفة، إلى استقرار الوضع السياسي بالبلاد سنوات 1973-1979. ووقتها انتشرت مقولة تقول: القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ. فهل هذه المقولة لا تزال موجود عند جيل ما بعد الاحتلال، أو تلك الأجيال التي عاشت حروب النظام المدمرة وقسوة الحصار الاقتصادي، الذي حرم العراقيين نتيجة الفاقة والعوز من أبسط مقومات الحياة، حتى أصبح الكتاب منذ ذلك التاريخ إلى اليوم ترف فكري، لا مكان له في مجتمع يشد خطاه وبسرعة لافتة نحو مزيد من الأنحدار الثقافي والتخلف.
بعد انتهاء عصر الهواتف الأرضية وعدم الحاجة لوجود هواتف عمومية في أكثر بلدان العالم، انتهت مظاهر مشاهدة أكشاك الهاتف في شوارع مدن العالم المختلفة، وتم جمعها وإتلافها أو وضع بعض منها في متاحف خاصة. لكن هناك دول نهجت نهجا مختلفا مع هذه الأكشاك، ومن هذه الدول تشيكيا وعاصمتها براغ.
للشعب التشيكي حضور كبير في المكتبات العامة، كما تظهر الإحصائيات أن جمهورية التشيك "تضم إحدى أكثر شبكات المكتبات في العالم نسبة إلى عدد السكان". وعوضا عن أن تنتهي أكشاك الهاتف في براغ كما حدث في مدن أخرى بأن تتلف، جرى تحويل أعداد منها وبمبادرات من ناشطين مدنيين وبمساعدة مؤسسات مختلفة، الى مكتبات صغيرة توفر مختلف عناوين الكتب للجمهور. والمثير هو أن المواطن يتبرع بنفسه لهذه الأكشاك بما لا يحتاجه من كتب، ليأتي مواطن آخر ليستعير كتاب منها دون وجود موظف أو مراقب. والأكثر إثارة هو أن المواطن يستطيع الاحتفاظ بالكتاب الذي استعاره إن أراد، أو يعيده إلى نفس الكشك أو غيره بعد إتمام قراءته!
لقد وصلت الحالة الثقافية بالعراق اليوم مقارنة بما كانت عليه البلاد سنوات السبعينيات وقبلها، إلى مستوى متدنٍ جدا، وفشلت الدولة وقد يكون عن عمد، في إعادة الحياة لحقل الثقافة والمعرفة، وأصبح الكتاب ترف فكري بين اوساط ملايين الشباب العاطل وشبه الأمي. وبالمقابل ازدهرت "ثقافة" الغيبيات، فترى كتب لا علاقة لها مطلقا بالثقافة التي يعمل العالم على ترسيخها في مجتمعاته، منتشرة على أرصفة الكتب في شارع المتنبي وغيره، كما أصبحت القراءة ومنها قراءة الصحف، حالة غريبة إن لم تكن شاذة على الرغم من تراجع الصحافة الورقية! وشخصيا تعرضت لموقف أشارك به القارئ ليتعرف إلى ما وصلنا إليه اليوم من تخلف فكري وثقافي كنا نتميز بها قبل عقود. بداية عام 2024 ووسط العاصمة بغداد اشتريت ثلاث صحف من أحد الأكشاك، وذهبت إلى مقهى قريب لأشرب الشاي منتظرا صديقا كنت على موعد معه، وأثناء شربي للشاي أخرجت احدى الصحف لقراءتها، وبعد لحظات وأنا أرفع رأسي، شاهدت عددا لا بأس به من رواد المقهى ينظرون إليّ بتعجب، فما كان مني إلا أن أضع الصحيفة في حقيبتي حرجا وأغادر المقهى، عائدا بذاكرتي إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما كان جميع رواد المقاهي تقريبا يقرأون كتابا أو صحيفة أو مجلة، ويبدأ بينهم حوار في مختلف مجالات الحياة اليومية.
الاسلام السياسي يروّج اليوم لعراق الاسلام والمقدسات لكنه لا يعمل بأول كلمة جاء بها الوحي لمحمد قائلا: إقرأ، بل هدف هؤلاء الظلاميين اليوم هو: لا تقرأ، وهذا ما نشاهده من محاربتهم لمهرجانات القراءة بغض النظر عن دوافع المنع الواهية، كما حدث في مهرجان الناصرية مؤخرا. فكلما إزداد أعداد جيش الأميين وأنصاف الأميين زادت قوة هذه الجماعات، كون غياب الكلمة والكتاب والثقافة والوعي على علاقة طردية بهم، والثقافة والكتاب والوعي على علاقة عكسية بهم، لذا تراهم يعملون على زيادة رقعة الجهل والتخلف بالمجتمع.
كشك هاتف تحول الى مكتبة في براغالدنمارك
16/8/2026