|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  12  / 8 / 2014                                 زكي رضا                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



مهام ملّحة أمام السيد حيدر العبادي

زكي رضا

لا أحد يتوقع ان يحل السيد العبادي مشاكل العراق المتراكمة بين ليلة وضحاها، وليس من المنطق بشيء الطلب منه بمثل هذا الحل خلال فترة زمنية قصيرة، بل على العكس فأن معالجة الأرث المدمر الذي تركه سلفه "نوري المالكي" يحتاج الى سنوات طويلة تفوق فترة السنوات الاربع التي سيقضيها في الحكومة بكثير. ولكن هذا لا يمنع السيد "العبادي" بل يتطلب منه وبالسرعة الممكنة بدء الخطوات الاولى في ترتيب البيت العراقي بهدوء وبعيدا عن المواقف المسبقة تجاه أية قضية عقدية من تلك التي تمتلئ بها الساحة السياسية، كما وعليه البدء بمد جسور الثقة مع شركائه بالعملية السياسية كي يخطو وأياهم خطوات ثابتة وإن ببطء، لأعادة الهدوء والأنسجام بحدود معقولة الى المشهد السياسي قبل البدء الحقيقي بأصلاح ما تم تدميره.

أن السيد العبادي له دراية واسعة بحجم المشاكل التي تعصف بالبلد وأشكالها كونه كان قبل أن يتصدر المشهد السياسي اليوم قريبا جدا من دائرة أتخاذ القرار، ومساهما الى حد بعيد في صياغة الكثير من سياسات حزب الدعوة الحاكم التي صبغت بأسم " دولة القانون " الحياة السياسية العراقية بالخراب والدمار على الاقل خلال السنوات الاربع السابقة. فهو يعرف الاسباب الحقيقية للأخفاقات وما كان يجري خلف الكواليس ما أدى بالنهاية الى أنهيار الوضع الامني وتعريض وحدة البلاد للخطر وأنعدام الثقة بين أقطاب العملية السياسية والتردي الكبير في وضع الخدمات ما أثّر سلبا على حياة المواطن.

أن النقطة التي على السيد العبادي الانطلاق منها في سباق ماراثون أعادة العراق الى السكّة الصحيحة هي شعوره من أنه يمثل العراق وليس طائفة معينة ولا حتّى حزب معين، لأنه إن خضع لهذه العقلية في الحكم فأن الوضع سوف لن يختلف عمّا كان سابقا بل قد يجنح نحو الأسوأ، خصوصا وأنه أمام حرب مفتوحة من رفاقه القدامى والذي سيدفعه الى تشكيل حزب سياسي جديد يخرج بالضرورة من معطف حزب الدعوة من جهة، وأمام تحديات هائلة وملفّات ساخنة سيتقدم بها شركاءه بالعملية السياسية لأعادة النظر بها وفق معطيات الواقع الراهن من جهة أخرى. ما يتطلب من السيد العبادي أبداء براغماتية ومرونة كبيرة في التعامل مع هذه الملفات وأعطاء الأهمية القصوى في اللحظة الراهنة الى أعادة السلام وأستقرار الأمن كونهما المفتاح الرئيسي لحل باقي مشاكل البلد.

أن تمدد داعش السريع وهو الخطر الاكبر الذي يهدد وحدة البلد والسلم المجتمعي لم يأتي من قوة هذا التنظيم الارهابي أبدا، بل جاء كنتيجة منطقية للفشل الحكومي الذي كان سمة مميزة لسلطة الفرد الواحد الذي دأب خلال سنوات حكمه على صناعة الأزمات التي كانت تستنسخ بعضها وتشتد كلما كنا قريبين من حدث سياسي كبير أو على ابواب أستحقاق أنتخابي. وكانت نتيجة هذه الأزمات ، أنعدام الثقة بين مكونات شعبنا ما جعل لداعش حواضن في مناطق مذهبية معينة بعد شعورها بالتهميش، ما ساهم أضافة الى تصعيد التوتر بين المركز والأقليم وضعف الجانب الاستخباري وعدم بناء جيش وطني حقيقي بعيد عن اللعبة السياسية كما في البلدان الديموقراطية، الى أن تحتل هذه العصابات مساحة تقدر بثلث مساحة البلد، وما نتج عنها من أهوال وجرائم بحق مكونات شعبنا جميعها وخصوصا المكون المسيحي والمكون الأيزيدي. وهذا الملف تحديدا يجب أن يكون الملف الاول على مكتب السيد العبادي منذ هذه اللحظة، مستفيدا من الدعم السياسي الامريكي والغربي والايراني والاقليمي والداخلي، مع مقبولية واضحة وأرتياح من قبل المؤسسة الدينية الشيعية ممثلة بمرجعية النجف.

أعتقد أن السيد العبادي يعرف اليوم وبعد هذه التجربة الطويلة في السياسة العراقية، أن الحل السياسي والامني هما الاساس في أية مشكلة قد تواجهه مستقبلا "ستواجهه حتما"، كون الحل العسكري والعنجهية بوصف الخصوم على أنهم فقاعات وغيرها من الاوصاف، لا تجدي نفعا في سوق السياسة خصوصا وأن للقوى السياسية العراقية النافذة والمهيمنة على المشهد السياسي أجندات غير وطنية ومرتبطة بدول أقليمية وأجنبية لها مصلحة كبرى في أن يبقى العراق أسير دوامته هذه.

أن العراق بحاجة اليوم الى مؤتمر وطني واسع يضم جميع القوى السياسية الممثلة بالبرلمان والتي خارج البرلمان من المؤمنين بالعملية السياسية ووحدة الوطن وأراضيه لتجاوز محنته هذه ورسم خارطة طريق حقيقية، تطرح فيها على طاولة النقاش والبحث جميع الملفّات العالقة والتي كانت سببا في أشتعال الحرائق بالبلد وبالعملية السياسية برمتها. وأن خير من يدعو لهذا المؤتمر وكعربون لجماهير شعبنا وعهدا لهم بالعمل جهد الامكان على تجاوز جميع السياسات الخاطئة السابقة هو السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي. الذي من منصبه هذا وبنكران ذات من أجل العراق وشعبه يستطيع البدء وفق حقوقه وواجباته الدستورية بالعمل على أطفاء الحرائق واحدة تلو الاخرى بتأني وصبر، أبتداءا بتعزيز السلم المجتمعي وأنهاء مظاهر التسلح وأعادة السيطرة على أجزاء البلاد المحتلة وحل المشاكل مع الكورد وفق السياقات الدستورية والعمل على تطبيق المادة 140، وبناء جسور الثقة مع أبناء المناطق "السنية" لعزلها عن تنظيم داعش الأرهابي كمقدمة لسحقه بتنفيذ المطالب المقبولة منها والتفاوض على غيرها ضمن سقوف زمنية معقولة على أن لا تؤثر على الامن الوطني ومن دون القفز على الثوابت، ومن هذه الثوابت محاسبة كل من تلطخت يديه بدماء شعبنا أو تآمر على الوطن طبقا للقانون.

أن تحجيم الميليشيات الشيعية والسنية ستعتبر من المهام الصعبة التي ستواجه السيد حيدر العبادي، خصوصا وأن سلفه قد أطلق لها العنان لملئ فراغ الجيش الذي فشل تسلحيه وبناءه وفقا للثوابت الوطنية نتيجة الفساد والطائفية، ومن هذه المليشيات وأهمها وأكثرها سطوة على الشارع مستفيدة من غطاء السلطة السابقة هي عصابات "عصائب أهل الحق"، وتبقى عصابات بدر وخروجها العلني بقيادة وزير في كابينة الحكومة أكبر وصمة عار في جبين حكومة المالكي، خصوصا وأنه أكد ومعه زعيم تلك الميليشيا في أوقات سابقة على أن تلك الميليشيا قد تمّ حلها، وعندما نشير الى الميليشيات هنا فعلينا أن لا نغفل بالمرّة الاشارة الى تلك السنية منها والتي تحمل السلاح وتقف في طريق بناء العراق الجديد حالمة بأعادة عقارب الساعة للوراء.

يبقى تعديل الدستور الذي كتب على عجالة وفي ظروف سياسية بالغة الدقة حينها أمرا غاية بالأهمية كونه " الدستور" هو صمام الأمان لمجمل العملية السياسية وتحركها على أرض صلبة، ولن يتم توفير فرص التقدم السياسي بالبلد والدستور يحمل بين دفتيه العديد من المواد القابلة للتأويل وتلك التي تناقض بعضها البعض.

أن أمام السيد العبادي الكثير من المهام الصعبة والمعقدة سواء على الصعيد الداخلي أو الأقليمي والدولي ولن يستطيع حلّها لوحده دون مساهمة شركاءه بالعملية السياسية بشكل فاعل وحقيقي متحملين بدورهم قسطهم في دفع عجلة العملية السياسية المتعثرة للامام، ليثبتوا لشعبنا وناخبيهم على الاقل من أنهم قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم في تعديل سفينة الوطن التي جنحت كثيرا نحو بحار الدماء التي سالت وتسيل لليوم. أن ترك السيد العبادي لوحده وعدم التوصل معه لحلول ببدء أزالة آثار سلفه، سيدفعه وهو خريج نفس المدرسة الحزبية كما المالكي الى أن يتحول الى " مالكي " آخر وهذا ما لا يريده الجميع كونه سيكون القفزة الأخيرة للعراق نحو الفوضى والمجهول.


نظام ديموقراطي حقيقي يحترم الدستور هو الضمانة الاساسية لوحدة الوطن وسعادة شعبه.


الدنمارك
12/8/2014

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter