| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

زكي رضــا
rezazaki@hotmail.com

 

 

 

الجمعة 12/11/ 2010



الوقف الشيعي وسيرك مونت كارلو

زكي رضا

للفرح والحزن طقوس قد تختلف من شعب الى آخر ، ومن حقبة زمنية معينة الى اخرى . الا انهما لايستغنيان عن ادوات هي أشبه بالموروث المقدس ، في ممارسة واشاعة الظاهرتين . وعندما نقول المقدس فاننا نعني توارث ، ليس الادوات نفسها لانها تتطور بتطور الانسان ، ومحيطه وطبيعة حياته التي لاتعرف التراجع ، الا في ظل انظمة تحكم بنصوص مقدسة . بل توارث الاجواء المصاحبة عند ممارسة تلك الطقوس ، التي تتوارث حتى شكل الملابس و احيانا ديكور المكان ، الذي تقام فيه تلك الطقوس الى حد ما . اما عند ممارسة طقوس دينية او مذهبية ، فحتى الحوار والايقاعات ( والموسيقى التي تتطور في مجالات الفرح ) . تبقى رهينة للزمن الذي بدأت منه تلك الطقوس ، لتتوارثها اجيال المؤمنين بها كجزء متمم لطقوس مقدسة . حيث يتداخل فيها الخيال والدجل ، والخزعبلات والاساطير وخوارق القصص ، كي تكون مؤثرة في العقل والضمير الجمعي . خصوصا في الفترات التي تتخلف فيها تلك المجتمعات ، فكريا وعلميا وثقافيا ، نتيجة لاوضاع اقتصادية سيئة او سياسية مضطربة . حيث ينحسر كل ما يتعلق بالعقل والعلم والمنطق الى المقاعد الخلفية ( الى حين من مسرح حياة تلك المجتمعات ) ، لصالح الجهل والتخلف ، الذي يبدأ باحتلال الصدارة عن طريق تبني الدولة ، لطائفة من القوانين التي تبعث الحياة في رمم افكار بالية ، مستندة الى رجال لايرون من الحياة على هذا الكوكب ، الا طريقا الى عالم آخر اي الموت . وعليهم ان يتزودوا والمجتمع بزاد ما بعد الموت ، وبالتالي فان ثقافة الحزن وما يتعلق بها من طقوس ، تكون الحجر الاساس في مثل هذه المجتمعات . اما الثقافة وادواتها من مسرح وسينما وموسيقى ، وغناء وقصة والادب بشكل عام ، وكل ما له علاقة ببعث الحياة في المجتمع ، فانها تغدوا كفرا يجب محاربته باسم الله ونتاجه اي الدين . وهذه الحرب ( المقدسة ) يقودها دوما ، رجال منحوا انفسهم صفة القداسة وانهم ظل الله على الارض اي رجال الدين . وذلك من خلال مؤسساتهم الدينية ، والاحزاب التي تنهل من افكارهم ووصاياهم ، ويحصل هؤلاء السياسيون على بركاتهم ، حيث يكملون بعضهم بعضا ، في تكريس الجهل والتخلف في المجتمع ، وتحويل البشر الى قطعان من البهائم ، كي تسهل قيادتهم الى حيث يبتغون .

والدول بشكل عام عدا الدول التي تحكم باسم الشريعة ، او تلك التي لرجال الدين فيها ومؤسساتهم السطوة على سياسييها . تخصص ليس نسبة من ميزانياتها فقط ، لاشاعة الثقافة في المجتمع عن طريق مؤسسات مختلفة . بل ترعى المثقفين والادباء والفنانين ، وكل من يستخدم الكلمة وسيلة للاقناع وليس التهديد والتكفير والسلاح . كما تقوم المؤسسات الثقافية ، وبدعم من الدولة نفسها ، بتبني النشاطات الثقافية والفكرية للعمل سوية مع المؤسسات التعليمية ، من اجل بناء مجتمع متعلم مواكب للتطور والتحضر ، الذي اصبح سمة من سمات العصر . وتتنافس هذه المؤسسات فيما بينها ، في رعاية الاماسي الشعرية والثقافية ، واقامة الندوات والمهرجانات المختلفة . كالمهرجانات الغنائية والمسرحية والسينمائية ، ومهرجانات الكتاب والزهور والفولكلور وغيرها الكثير . وتبقى العملية التربوية والتعليمية للطفل ، والبحث المستمر عن الاساليب العلمية والنفسية ، واقامة المهرجانات المختلفة له ، تشغل الحيز الاكبر من بال السياسيين والتربويين ، وعلماء النفس والادباء والفنانين ، وكل العاملين في المجال الثقافي . لما للطفل من اهمية في بناء المجتمع ، باعتباره اللبنة الاولى وحجر الاساس ، في بناء مجتمع انساني النزعة والتوجه. لان تعليم طفل وتربيته في اجواء سليمة ، واشاعة الفرح والسعادة في حياته ، واقرار القوانين التي تحميه . ستجعل منه مستقبلا انسانا مستقلا ، يعشق الحياة ويقدم عليها بقوة وشغف ، كي يصبح انسانا ايجابيا وفعالا في المجتمع .

ولو فتشنا اليوم عن الطفل ومساحات الحزن والفرح عنده ، في عراق الجهل والامية والتخلف ، عراق العمائم التي تتدخل في صغائر امور الناس وكبائرها ، عراق الاحزاب الاسلامية الطائفية ، التي تتصدر المشهد السياسي منذ الاحتلال ولليوم . دون ان تكون قادرة على تلبية حاجات الناس اليومية ، بعد ان سرقت وتسرق البلد بالمفرق والجملة ، واشاعت الفوضى في اركانه كما المحتل الامريكي ، والبعثيين والقوميين وبهائم القاعدة . لرأينا ان الطفل والفرح الذي يحتاجه ، قد ضاع بين الارهاب والفقر والمرض ، وبين الحزن وطقوس العزاء اليومية ، التي يخترعها المعممون باستمرار ، لتصبح من مستلزمات الحياة اليومية للناس وللاسف الشديد . واليوم الذي سيحولون فيه العراق او المناطق الشيعية على الاقل ، الى حسينية كبيرة وعزاء دائم ، ليس ببعيد في حالة استمرار الاوضاع في البلد كما هي عليه اليوم .

ان الاطفال في عراق اليوم لا يستطيعون رؤية الفرح ، الا من خلال عيون رجل الدين . وهذا بدوره لا يرى الفرح الا في مناسبات مقدسة عنده وهي طائفية في الغالب ، والتي هي اهم بكثير حتى من عيدي الفطر والاضحى عند المسلمين . وشكل الفرح عند الاطفال في هذه المناسبات ، ليس كشكل الفرح عند بقية الاطفال في مناسبات اخرى في عالمنا هذا . اذ انه ( الفرح ) مرتبط برموز مقدسة ، عليهم ان يحسبوا لها الف حساب ، وهم يمارسون لعبهم ولهوهم البريء ، امام عشرات العيون التي تراقبهم ، لتحصي دقائق السعادة التي يتمتعون بها .

والان هل سرقة الفرحة من الاطفال ، تختلف عن سرقة صوت انتخابي ، او مال او عقار او مصرف ، او مفردات البطاقة التموينية التي يعتمد عليها الفقراء ، او رواتب الضمان الاجتماعي المخصصة للايتام والارامل ، او مال عام دون وجه حق كرواتب اعضاء البرلمان الحالي لليوم او اي سرقة اخرى ؟ ودعونا هنا ان نطرح على انفسنا السؤال التالي ، هل سرقة الوقف الشيعي ، الفرحة من عيون الاطفال تعتبر سرقة ام لا ؟ وان كانت سرقة وهي فعلا كذلك ، فهل تأثيرها هو كتأثير السرقات التي اشرنا اليها ، وما هي شدة ضررها على المجتمع ؟ اعتقد ان سرقة الفرح والمرح من الاطفال له تأثير اكثر تدميرا من السرقات الاخرى ، التي يكون ضررها آنيا او مؤقتا . حيث سرقة الفرح من الاطفال ، والتي يضاف اليها اهمال الحكومة للمدارس ورياض الاطفال ، وحصر ثقافة الطفل بالثقافة الحسينية ، كما جرى قبل فترة في محافظة كربلاء . عندما جاء التربويون !! في احدى رياض الاطفال ، بتابوت يمثل احد الائمة وجعلوا الاطفال يبكون عنده او يتباكون ، سينشيء جيلا مشوها لا يعرف من الحياة سوى اللطم والبكاء ، والحزن الدائم والشعور بالذنب في جريمة لم يقترفوها وحدثت قبل اربعة عشر قرنا .

ومشكلة الغاء عروض سيرك مونت كارلو قبل ايام ، في مدينة البصرة ( وقبلها الغاء مهرجان بابل من قبل مجلس المحافظة) من قبل الوقف الشيعي ، يعتبر جريمة بحق الطفولة قبل اي شيء آخر ، هذه الطفولة التي لم تعرف طعم الحياة الزاهي ، حالها حال الاطفال في كثير من بقاع الارض . خصوصا الدول الغنية في ثرواتها كالعراق ، منذ بداية حروب الطاغية وليومنا هذا . والمشكلة هنا ليست بالغاء مهرجان او سيرك يستمتع به الاطفال ، بل المشكلة هي في الدولة اساسا ، هذه الدولة التي تتبادل المراكز بينها وبين مجالس المحافظات والوقف الشيعي . لتعطيل الحياة الثقافية في البلد باسم الحفاظ على المقدسات ، ولا اعرف هنا ما هي قدسية ارض اهديت للوقف الشيعي من قبل شخص ما ، وهل كانت هذه الارض مقدسة قبل ان تكون وقفا ام ماذا ؟

وان وافقت الدولة في ظل ظروف معينة على اقامة مهرجان معين ، طلب رجال الدين والاحزاب الاسلامية من مجالس المحافظات ان يستخدموا صلاحيتهم لالغاء ذلك المهرجان لقدسية المحافظة مثلما حدث في بابل !! . وان وافقت مجالس المحافظات على اقامة مهرجان او اقامة سيرك او عرض مسرحية مثلا ، فان الوقف يعمل على الغاء الامر لان الارض التي يقام عليها الحدث هي وقف اسلامي . وفي النهاية ستصبح الثقافة وكل ما يتعلق بها من المحرمات ، التي لا يستطيع شعبنا تذوقها ، لانها رجس من عمل الشيطان على ما يبدو .

والمشكلة على المدى البعيد هي الثروات المكدسة والتي تتكدس عند هذا الوقف ، وعدم معرفة اوجه صرفها ، واثراء الاحزاب الطائفية المشروع وغير المشروع ، واستعدادهما مستقبلا لشراء الكثير من الاراضي والدور والعمارات ، باسم اشخاص معينين ليهدوها الى الوقف مقابل عمولة معينة ، عندها تزول الدولة لصالح الطائفة ورجال دينها ومؤسساتهم .

وللحد من جشع المؤسسة الدينية في امتلاك الاراضي والعقارات ، فان الدولة مطالبة عن طريق المؤسسة التشريعية ، بسن القوانين الكفيلة بعدم تحويل العراق الى وقف اسلامي مستقبلا ، لما فيه من خطر على الدولة نفسها ، لان الوقف سيكون حينها ولامكانياته المادية الضخمة ، وتأثير رجال الدين على العوام من الناس ، دولة داخل دولة .



الدنمارك
12 / 11 / 2010


 


 

free web counter