|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  20  / 2 / 2018                                  د. م  يوسف شيت                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

مؤتمر الكويت، هل يعمّر (يعيد بناء) العراق؟

 د. م.  يوسف شيت
(موقع الناس)

كانت مبادرة الكويت في احتضانها لمؤتمر "إعادة البناء في العراق" بمثابة دعوة إيجابية لمساعدة العراق لانتشاله من وضعه الاقتصادي المتعثّر منذ عقود، خاصة الوضع الحالي وهو يئّن تحت وطأة أحزاب الإسلام السياسي والأحزاب القومية المختلفة التي أرهقت عقول الناس بالفكر الطائفي المتخلّف والقومي المتطرف. لو نجحت هذه المبادرة، وهذا ما يتمناه كلّ عراقي غيور على عراقه، لاختصر العراق، قبل كلّ شيء، زمنا مهما للمضيء إلى الأمام لأننا خسرنا أكثر من خمسة عقود ونصف من البناء، وفي مقدمة ذلك بناء الإنسان المتحضّر الخالي من كلّ أنواع الأحقاد والذي بدونه لا يبنى عراق سائر في موكب حضارات الدول المتقدّمة، بناء على أساس تركيبة مكوناته القومية والدينية والطائفية وطبقاته الاجتماعية.

هناك تفاوت كبير في النظر إلى نتائج هذا المؤتمر من داخل وخارج العراق. ولكن مايهمّنا هي نظرة العراقيين بكلّ اتجاهاتهم السياسية والاجتماعية والفكرية إلى هذا المؤتمر. هناك من يتحدّث من السياسيين كون المؤتمر فشل، تشفيا برئيس مجلس الوزراء السيد العبادي، ومعظم هؤلاء من حزب الدعوة المنقسم داخليا والأحزاب الإسلامية الأخرى في التحالف الوطني وبعض من هؤلاء يطالب العبادي بالانسحاب من الاتفاق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة كون الأخيرة لم تف بوعودها في مساعدة العراق وتقديم منح وقروض لإعمار العراق، ومنها المناطق التي ساهم التحالف الدولي في تدميرها منذ عام 2003، ثمّ الحرب ضدّ داعش بعد استيلاءه على مساحات واسعة من العراق لتحريرها. هناك من يرى بأن نتائج المؤتمر كانت جيدة وليس بالضرورة أن تجمع كافة المبالغ المطلوبة (88 مليار$) تحت قبة المؤتمر لأن هناك مستثمرين من داخل وخارج العراق والسعي جار لجذبهم: ولكن كيف يمكن جذبهم بدون بيئة عمل صالحة؟ هناك من يرى بأنّ نتائج المؤتمر متواضعة لا تفي بالغرض المرجو منه وهو إعمار المدن والقرى المهدّمة والبنية التحتية وإرجاع النازحين إل ديارهم، وهؤلاء من أصحاب مقولة " أحسن من ماكو" وهم أقرب إلى الواقع الذي يعيشه العراق حاليا.

تمّ الحصول على مبلغ 30 مليار$ على شكل منح وقروض واستثمارات، منها من دول الخليج وتركيا ما يقارب 10 مليارات$ ولهذه الدول أجندة يعمل على تنفيذها أحزاب ومنظمات وشخصيات ناشطة داخل وخارج الحكومة العراقية، أمّا الدول التي لها أقوى الأجندات وهي إيران وأمريكا لم تساهم بتقديم الأموال، مع العلم أنّ أمريكا، وعلى لسان رئيسها ترامب تدّعي بأنّها صرفت على " تحرير العراق" أكثر من تريليون$ (1000 مليار$) وعليها استرجاع هذه المبالغ والعراق يملك ثان احتياط نفط في العالم!!! وكان الرئيس الأمريكي ترامب قد علّق بعد لقاءه وفد عراقي برئاسة العبادي في آذار 2017 ونشرته مجلة نيوزويك الأمريكية قوله: "قابلت أبرع مجموعة لصوص في حياتي، لقد منحنا بغداد 1,7بعد عام 2014 مليار $ كمساعدات إنسانية لإعادة إعمار البنية التحتية ولكن المبالغ تبددت"، وكذلك مسئولون في غرفة التجارة الأمريكية يتحدّثون عن صعوبة الاستثمار في العراق بسبب جوّ الفساد. وهناك شكوك في وصول الكثير من هذه الأموال إلى إيران، واتهامات أخرى بحصول إيران على أموال عن طريق المضاربات في بيع وشراء العملة التي يطرحها البنك المركزي والتي تقدّر ب4 مليارات$ سنويا. وإيران هي أكثر الدول تدخلا في الشأن العراقي وتصريحات المسئولين فيها تصل إلى حدّ الإهانة للعراق وحكومته التي لم تردّ ولا تستطيع الردّ عليها. العراق الآن بين فكّي كمّاشة أمريكا وإيران اللتان تصارعان على النفوذ في المنطقة، هذا بالإضافة إلى أطماع تركيا والسعودية! كيف يمكن إعادة بناء العراق؟ وما المقصود بإعادة البناء؟ لأنّ الخراب بدأ منذ استحواذ البعث على السلطة في شباط 1963 مرورا بحروبه الداخلية والخارجية والحصار المدمّر ثمّ الاحتلال الذي خلّف الإرهاب والفساد حتى دحر داعش المدعوم من بقايا البعث المنهار. هذا هو أحد الأسباب المعيقة لإعادة البناء. والسبب الثاني هو: هل يقبل المستثمر أو مانح القروض العمل بدون شروط تسهّل عمله وتدرّ له أرباح، بغضّ النظر عن حجم هذه الأرباح كبيرة كانت أم صغيرة؟ في مقدّمة معوقات العمل هو الإرهاب والفساد الذي يبتزّ المشاريع عن طريق الرشوة أو تهديد الميليشيات والجريمة المنظمة أو أعمال إرهابية أخرى من قبل بقايا داعش، خاصة في المناطق المحررة منه التي هي بحاجة ملحّة لإعادة إعمارها وعودة سكّانها النازحين. لم يلمس أي عراقي أو متابع للشؤون العراقية بوجود توجّه جاد من قبل الحكومة الحالية، ليس فقط في مكافحة الفساد، بل حتى البدء في مكافحته ، وأصبحت قضية الفاسد ووزير التجارة السابق حسن السوداني مجرّد واجهة انتخابية لا علاقة لها بالفساد ولسبب بسيط هو شموله بقانون العفو العام لسنة 2016 وفق الفقرة العاشرة من المادة الرابعة، حيث سيسدد المحكوم ما بذمته من أموال قبل إطلاق سراحه. ( مادة "رائعة" فصّلت على مقاس اللصوص وتشجيعهم على جرائم الاختلاس وسرقة أموال الدولة وإهدار المال العام). لم تتخّذ الحكومة أية إجراءات بتنفيذ شعار "حصر السلاح بيد الدولة"، لا زالت هناك ميليشيات سائبة، البعض منها ترعاها أحزاب متنفّذة، تبتز المواطنين وحتى الأجانب. السبب الثالث هو الوضع السياسي المتدهور، سواء بصراعاته بين الأحزاب التي تنعكس سلبا على أداء مجلس النواب وتشلّ إقرار الكثير من القوانين المهمة التي تؤدّي إلى استقرار تدريجي للأوضاع في العراق، أو في أداء مجالس المحافظات، هذا بالإضافة إلى المشاكل المتراكمة بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان.

ما تطرقنا إليه هي أسباب رئيسية دعنا عن الأسباب الثانوية. والسؤال هو، هل يقبل المستثمر الأجنبي أن يعمل مع فاسد غير كفوء أو، هل يسلّم مانح القرض الأموال إلى الفاسدين للتصرّف بها؟ التربة الحالية ليست مهيئّة لإعادة الإعمار المنشود، هناك خراب سببته حروب النظام السابق وجاء الاحتلال والإرهاب ليزيدا عليها خرابا وامتناع نظام المحاصصة عن أي عمل لتأهيل البنية التحتية لإعادة الإنتاج الزراعي والصناعي وبناء دور السكن والاهتمام بالمؤسسات الصحية والتعليمية. أي العراق بحاجة إلى أضعاف المبالغ التي تقترحها الحكومة لإعادة الإعمار. والسؤال الأخير هو، هل خلا العراق من أصحاب الأيادي البيضاء والضمائر الحية أو من أصحاب الكفاءات؟ طبعا لا، العراق مكتظ بهؤلاء، إلاّ أنّ أصحاب المصالح الذاتية والحزبية هم المهيمنين، حاليا، على دست الحكم وهم يحافظون على نظام المحاصصة الذي جلب لهم المليارات وسيحاولون، بالتعاون مع أسيادهم، بكل الوسائل الاستمرار بهذا النظام المقيت، فهل يفلحوا؟؟؟










 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter