|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  8  / 1 / 2026                                 يونس عاشور                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الإسراف والتبذير وأثرهما السلبي على الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

يونس عاشور *
(موقع الناس)

الإسراف هو مجاوزة الحد القانوني، وصرف الشيء فيما لا ينبغي أو أكثر من الحاجة، ويُعدّ نقيض الاقتصاد، لأنه يبقى في حالة الافراط والتفريط، فالبذخ المالي هو أحد أوجه الاسراف الذي يتشدّق به البعض أمام الآخرين فتراه ينفقُ على نفسهِ الكثير من الاحتياجات والحاجات الحياتية التي ليس لها دواعي إلزامية سوى، التكديس والمباهاة والتراكم الاعتباطي، هذا عدا الزيادة في استهلاك الأكل والشرب الذي يحتلّ المرتبة الأولى بين المسرفين والمبذّرين حيثُ يتسابقون في فنون الانفاق على هذا الجانب بمستوى الإفراط والإكثار كل ذلك من أجل إقناع الذات وحبّ الظهور وإشباع الشكليات الزائفة التي تُساهم في تدمير الواقع الاجتماعي والاقتصادي متغافلين أنّ هذا المفهوم وهذا المنحى له أضرار جسيمة على الأبدان بما تشكله من أزمات وأمراض جسدية ونفسيه مستعصية إنْ أفرطَ الانسان في التمادي دون النظر الى طريقة وكيفية توظيف الاعتدال الوسطي الذي يجنّب الانسان الويلات والأزمات الصحية والجسدية ومن ثمةَ ضمانة استقرار هيكلية المجتمع ونموه اجتماعيًا واقتصادياً سليمًا على حساب كل فرد كان يتحمل المسؤولية الأخلاقية اتجاه ذاته ومجتمعه، وعندما يذعن الانسان إلى القواعد الأساسية التي تجعل منه إنساناً متقدّماً ومُبصراً بمثالب الاسراف والتبذير في شؤون الحياة آنئذٍ لا يتأثر بالمقولات والكلمات التي تأتي من هنا وهناك والتي هدفها الحط من قيمته المكانية والاقتصادية، من هنا فإن على الانسان الواعي الحرص والتفكير في ماهية كيفية إدارة شؤون حياته على أساس التنظيم والتخطيط بميزان العقل الراجح لوضع الأمور في إطارها الممكن والمنتِج.

وقد بينَ القرآن الكريم حقيقة النهي عن الاسراف في آيات عدة منها (بسم الله الرحيم ، وَكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) - سورة الأعراف آية31.
وفي آيةٍ أخرى تذل على أن المبذرين هم أخوان الشياطين حيث قال تعالى في محكم كتابه الكريم (بسم الله الرحمن الرحيم، وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) -سورة الإسراء آية 26-27.
إذن ورد النهي عن الإسراف والتبذير معاً لما لهما من مساوئ وأضرار على حياة الانسان.
لذا يجب التأمل في المفهوم والمضمون للآيتين السابقتي الذكر.

إن مفهوم الاسراف قد يتشعّب من حيث المفهوم والمضمون في شون الحياة ليصل بذلك أيضاً الى حالة الأفعال والأقوال التي قد يُمارسها الانسان، فهي أيضاً إحدى ركائز الإسراف، لأنّ الفعل والقول الذي يتجاوَز مفهُوم الاعتدال يضل في حالة الدوران واللامعنى للشيء وكثرة الأفعال والأقوال التي ليسَ لها غاية على الصعيد الخطابي المُتَرجَم والهادف إنما تصب في خانة الضياع والجهد الجسدي الذي يبذله الانسان من وقته في أشياء لا تغني ولا تُسمن من جوع فيكون بذلك عرضةً للاستمرار والتكرار في التجاوز للحد المحدود، من هنا يقتضي على الانسان ممارسة الاختصار في الأقوال والأفعال التي تؤدي إلى ترجمة القول والفعل الى معنى واقعي ملموس، فخير الكلام ما قل ودل أما أن يخوضَ الانسان في مناقشات عقيمة وخطابات غير سليمة تؤدي الى الفشل واللامعنى فإنّ ذلك مضيعةً للوقت ولِجهد الانسان وممّا يترتب على ذلك الفعل أيضاً حينما يقوم الانسان بعملٍ ما ويقضي فيه الساعات والأوقات دون جدوى فإنه بذلك مصداق أيضاً للإسراف في الفعل الذي لا يُعطي نتائج أوغايات ملموسة.

وفي هذا البحث الهام أردنا مناقشة بعض القضايا الاجتماعية الخاطئة التي تساهم في عملية إفسال بذرة الإسراف والتبذير على واقعنا الاجتماعي وفي مناحي شتى نحن قد نمارسها ولا نلتفت اليها أو أننا قد نلتف اليها ولكنّنا نسترسل فيها حتى الغرق في وحلها، ولو سعينا للتأمل في مضامينها ومكوناتها بشكل متأن وعقلاني لأدركنا انها عادات وتقاليد خرافية قد ابتدعناها وانتهجناها في واقعنا الاجتماعي وجعلناها جزءاً لا يتجزأ من تراثنا الثقافي ومفهومنا الاجتماعي وذلك دون جدوى، من هنا فإنه من اللازم إعمال العقل بصورة دورية مكانيزمية نشِطة وفعالة مستغرقةً التفكير الصائب حتى يتسنى لنا مغادرة المفاهيم العتيقة والتي لا تصب في مصلحة الفرد أو المجتمع بل الهدر المالي الغوغائي الذي يقود إلى الضياع التام.

وكثيرة هي العادات والتقاليد والمفاهيم التي تكمن في مفهوم الاسراف نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
• موضوع الانفاق على الزيجات (الأعراس):
يُلاحظ على كثير من الناس الاستغراق في بذل المصروفات وإنفاقها بشكل مفرط على الزيجات الاجتماعية بحيث يصبح هذا الانسان مضرباً للمثل بين الناس، فتراه ينفق الكثير من الأموال على الحفلات والصالات والأعراس والضيافات العشوائية بشكل يتجلى مضمونه في التباهي والتفاخر الذي يغلب عليه حبّ الظهور وبالطبع ان ذلك الشيء نابع من عدم التفكير الصحيح والسليم ذلك أن التفكير الصحيح والسليم هما اللذان يقودان الانسان الى الوسطية والاعتدال في الأفعال وعدم السقوط في وحل الاسراف.

إن عملية الانفاق الزائد على الزيجات الاجتماعية لهو أمر مستهجن يتسبب بتراكم الديون المادية على الانسان ويجعله للسنوات عديدة مدان مادياً بحيث يكون هذا الانسان عنصراً يعمل خارج النطاق الأسري والاجتماعي لأنه مشغول بذاته ومنهمك في تسديد الديون التي قد تراكمت عليه لسنوات وسنوات إن لم تكن تتجدد حسب الاندفاع وراء التفعيل الذاتي، فالتكاليف الباهظة التي قد تكبدها من أجل الانفاق على هذه الزيجات والضيافات والدعوات المفتوحة هي التي تجعل الانسان فيما بعد يعيد الحساب تلو الحساب فيما يخص حساباته ونفقاته، من هنا فإنه يقتضي النأي بالنفس عن هذه النفقات المبهظة مادياً والمرهقة نفسياً. وبالطبع إن ذلك يؤثر سلباً على نفسية الانسان فيما بعد فيجعله دائم التفكير في عملية العد التصاعدي والتراكمي ذات البعد الحسابي البنكي والذي قد ينتهي بعد سنوات طوال قد أنهكت حياة الانسان، وبعيداً عما إذا كان الانسان متمكناً مادياً أم لا؟ فإن ذلك يعكس منهج الثقافة الصحيحة والسليمة التي يتحلى بها الانسان إزاء التدبير والتفكير بشكل ناصع وجلي.

الانسان العاقل هو الذي يزن الأمور بميزان العقل والحكمة فيعمل هذه الزيجات في إطار الاعتدال والوسطية وفي حدود متطلباتها بالحد الأدنى وألا يكلّف نفسهُ فوقَ طاقته بحيث يتطلع الى أبعد من ذلك بحيث ليس من الواجب عليه أن يُعقد تلك الزيجات والحفلات في صالات الأعراس الفاخرة وغيرها والمكلفة مادياً بل عليه أن يفكر في بدائل تكون متناسبة مع وضعه الاقتصادي والمادي.

قد يتمكن الانسان اختصار هذه الموضوعات والتقليل منها في أماكن لا تكون مكلفةً من الناحية المادية وكل إنسان عليه أن يكون مستقلاً بتفكيره وألا يقع رهينةً لتفكير غيره كالانصياع الى أوامر الآخرين وما يملونَهُ عليهِ من إملاءات ليست في صالحه هو بل ربما قد تكون في صالح الآخرين.

لنتخلّص من هذه العادات والتقاليد الاجتماعية البائسة والهشة وعلينا ان نتعلم من المجتمعات الاقتصادية الناجحة كيفية التدبير والتوفير والنجاح، أما أن نعيش حالة التبذير في المال والاتجاه نحو إعداد الولائم الكبيرة والبوفيهات والزينات واللافتات واستقبال الكم الهائل من الضيوف والزوار وغيرهم من الشخصيات التي يهتم بها الانسان من أجل الظهور والكلمة وفي ذلك مصداق للتباهي والتفاخر والرياء والسمعة أيضا.

• الإسراف في مظاهر العزاء.
مما يؤسف له الانسان أيضاً في هذا السياق هو ظاهرة الاسراف في المآتم والعزاء فترى مظاهر الطبخ التي تفوق الاحتياج الإنساني وقد تشمل هذه المناسبات المواد الغذائية الكثيرة والمتعددة والتي قد نراها ملقيةً على الشارع في حال الزيادة وعدم الاستفادة منها في حين أن البعض من الناس الفقراء لهم بأمس الحاجة اليها نظراً لعدم القدرة على جلب هذا النوع من الطعام أو الغذاء المتنوع.

المقتضى ان نختصر هذه المراسيم والبروتوكولات التي لا داعي لها فمراسيم العزاء هي الأخرى تكلف الانسان مادياً عندما يفقد له اخ عزيز وقد تتراكم الديون عليه كل ذلك من أجل إعداد تلك العزائم والولائم التي يقدمها للناس وللمجتمع.

صحيح ان الانسان يحتاج الى هذه الأمور في المناسبات الأليمة ولكنه يقتضي عليه النظر بعين الاعتبار الى التقليل والاختصار وعدم الاسراف وتحويل هذه المناسبات الى جوٍ من الأطعمة والأشربة يغلب عليها الكثرة في الأكل والشرب.

إن المجتمعات الراشدة هي التي تقنّن هذه المصروفات وهذه الولائم في مثل هذه المناسبات وان لا تحاول العمل على كثرة وإيجاد ولائم وأكلات ومشروبات من جميع الأصناف وخاصة من ينتسب الى الدين الحنيف يجب عليه ان يستوعب مفاهيمه وتشريعاته على اصوله المعنوية التي تدعوه الى عدم الاسراف والتبذير في مثل هذه الحالات والمناسبات.
إذن ممارسة الاعتدال والوسطية لهوأمر مهم لا إفراط ولا تفريط.

• الإنفاق الزائد على موضوع البناء.
يُلاحظ على البعض من الناس عندما يريد الشروع في بناء منزل وهو مقتدر مادياً فتراه ينفق كل ما عنده من أجل بناء هذا المنزل فيضع رأس المال كله في بناء هذا البيت لكي يوصمه بالتزويقات والأشكال الهندسية الجذابة في مساحته وهيئته وربما يستغرق بناء هذا المنزل الكثير من السنوات حتى يكتمل ويصبح قابل للعيش والسكن لأن المساحة والهندسة المعمارية تستغرق ايضاً مدة زمنية لا يستهان بها عن الشروع في دارسة تكوين هذا المشروع وربما اصبح هذا الأمر ملاحظاً عند الكثير من الناس حيث ينفقون الكثير من السنوات والمتابعة لأجل الانتهاء من مشروع بناء منزل ولماذا كل هذا التعب وقضاء الوقت الكثير والانفاق الزائد على بناء منزل ، صحيح ان الانسان يطمح ان يكون لديه منزلاً جيداً لكي يستمتع به لكنه ليس بالضرورة ان يكون منزلاً كبيراً ومكلفاً من الناحية المادية فالإنسان في هذه الحياة يجب عليه ان ينظر الى الأمور بميزان العقل كما اسلفنا ذلك فإذا فرضنا ان الانسان يمتلك مبلغاً من المال فلا يجب عليه انفاقه كله في مشروع واحد بل يجب عليه ان يصرف هذا المال في عدة مشاريع إن هو ابتغى ذلك وإلا أبقى جزءاً من ماله في دائرة الادخار لكي يستفيد منه مستقبلاً عند الاحتياج وفي هذا الصدد قد قيل " احفظ قرشك الأبيض ليومك الأسود" فالظروف الحياتية قد تباغت الانسان في كل حين فعلى الانسان ان يكون جاهزاً ومتريثاً لها على قاعدة المواجهة العاقلة والتي تتسم بالإمكانات المادية والجسدية معناً حتى نتخطى كل ما هو عائق وجسيم.

• الابتعاد عن كثرة المشتريات.
إن كثرة الذهاب الى الأسواق او التسوق ليس لها مردود اقتصادي إلا صرف الكثير من المال وذلك لا يتجلى إلا بعد عدة سنوات حينما يمعن الانسان النظر ويحسب حساباته فيجد ان تلك الحسابات قد ذهبت وصٌرفت في الأسواق التي ليس لها دواعي إلزامية صحيح ان الانسان يحتاج الى السوق ولكن ضمن الاحتياج وضمن الحدود اما ان يكون الاسراف والتبذير حاضراً في ثقافة الانسان فإن ذلك يصدق عليه كثرة المشتريات والمصروفات فالابتعاد عنها لهو خير مجال ينقذ اقتصاد الانسان من الضياع والهلاك.

وعندما يتفكر الانسان في حقيقة هذه الأسواق او التسوق ان صح التعبير فإنه يجد فيها الاستهلاك والانفاق الكثير لذا على الانسان ان يقلل من الذهاب الى النزهات ذات الطابع الانفاقي للمال حتى ينأى بنفسه عن المصروفات التي لا تلزم حياته بل إن قصدها فسوف تدمر اقتصاده وعدم بناء حياته المستقبلية.

إن كثرة المشتريات تكمن في عدم الحاجة الى الشيء الذي يحتاجه الانسان فالمواد الغذائية يقتضي ان تكون ضمن الاحتياج الاعتيادي وان لا تدخل ضمن الافراط والتفريط بل على قاعد الوسطية حتى يتمكن الانسان من النجاح في عملية خلق واقع اقتصادي جديد يستفيد منه الاخرون عندما يتسم بالمفهومية الصادقة.

إن تكريس مفهوم المشتريات ضمن عدم احتياجات الاسرة للصرف لهو امرٌ خطير يعكس الحالة اللاواعية لتصرفات الانسان فتراه يصرف الكثير على نفسه وعائلته بما لا حاجة لهم فيه إلا التكديس والإضافة وقد يلاحظ ان بعض المواد الغذائية في بعض المستودعات المنازل تنتهي بحيث لا ينتبه لها الانسان ام ربة الاسرة وذلك لكثرة المواد والأشياء في المطبخ ومستودعه الغذائي.

على الانسان ان يعمل دوريات تفتيشية للمواد الغذائية بين فترة وأخرى عما إذا كانت الصلاحية منتهية ام لا لكي يتجنب الخسارة التي تعود عليه بالأثر السلبي.

وكثيرة هي الأمور التي تحتاج منا الى تأمل وتفكير واعي يجنبا ظاهرة الاسراف وعواقبه النفسية والاجتماعية عبر الاعتدال في الانفاق والتخطيط المسبق للمشتريات ومن ثمة وضع ميزانية محددة والتقليل من المظاهر الاجتماعية مع تغيير نمط التفكير من الاستهلاك المفرط إلى الادخار والإحسان واليقظة من نتائج وعواقب ظاهرة الاسراف.

 


* كاتب وأكاديمي فلسفي
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter