| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 6 / 2 / 2022 يونس عاشور كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
محطات وإضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجيه (7)
في الحاجة إلى إستحثاث مبدأ الوعي الأخلاقي..!يونس عاشور *
(موقع الناس)حينما بدأ الجميع من أهل "مدينة الصّمت" يرى في صاحبنا القدرة والأهلية والجدارة والأسلوبية التي كانَ يتمتّعُ بها في مفهوم التخاطب معهم على أسس منطق الحوار والقواعد الأساسية لفن التخاطب مع الآخر المبنية على المرتكزات البنيوية في مخرجات الخطاب العقلاني، أسّس ذلك لمنهجٍ جديد في كيفية خلق حالة من الوعي لدى الجميع مما دفعَ بهم إلى تطبيق هذا المبدأ والدفع به نحو التفعيل وذلك لكي يكون منطلقاً لحيثيات فن التعامل الخلاق الذي يعمل على خلق استحثاث لحالة الوعي الأخلاقي الذي يعتبره الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو أنّه بمثابة إحساس مرهف فطري غريزي يوجه الإنسان إلى أفعال الخير، قد يتّخذ طابع نوع من الرضى الموجه للذات أو حالة من القلق والتوتر والتأنيب، وهذا الإحساس متجذر في الطبيعة الإنسانية ذاتها، على اعتبار أنّ هذه الطبيعية طبيعة خيرة، مبنية على محبّة الخير للجميع فالوعي الأخلاقي فطري غريزي في الإنسان، مما يعني أن الإنسان يتجه طبيعياً إلى قبول الخير ورفض الشر لأنّ الوعي الأخلاقي كما يعتبره روسو هي أحاسيس جوانية تساعد الفرد على توجيه سلوكه في كيفية ممارسة العلاقات الخيرة مع الآخرين والقدرة على ممارسة فن التخاطب والتقارب مع الطرف الآخر القائم على جماليات الحوار الهادئ والأنيق والبعيد عن الاعتباطات التي لا تخدم الهدف والغايات الإنسانية النبيلة.
إذن عندما أدركَ الجميع من أهل " مدينة الصمت " قيمة هذا الجوهر العقلاني الآنف الذكر حينئذٍ ساهم ذلك أيضاً في جعلهم مجتمعاً حضارياً يشارُ إليه بالبنان، فالجانب العلمي والمعرفي في الوعي الأخلاقي يخلق حالة من التسوية والموازنة والتنظيم الذاتي في تقويم وصهر شخصية الإنسان نحو التكامل الإنساني الخاضِع لضوابط ونظم التربية الفكرية الصحيحة وبدون ذلك لا تستقيم شخصية الإنسان إلا على منطق الفوضى والغوغائية. من هنا فقد ركّز التربويون على إبلاء هذا المنحى اهتماما بالغاً إزاء تقويم شخصية الإنسان وبناء عقليته بالتغذية الراجحة التي تحقق له التوازن الداخلي لتهيئة النفس بالتبيؤ مع المحيط الخارجي بحيث يكون منصاعاً إلى نُظم ومفاهيم سلوكية تجعل منه فرداً صالحاً وعنصراً فاعلاً في كيفية التوجيه والتفقيه للمجتمعات الإنسانية التي تسعى لأن تبني منظومتها الحضارية بهذه المفاهيم والقيم، وما فائدة الأموال والثروات التي يمتلكها الإنسان إذا لم تكن لديه مثل هذه التوجهات والأهداف السلوكية الصحيحة التي تعمل على استقطاب الناس إليه لأنّ عامل التصحيح والتنقيح يبدأ من هنا!، من المشتركات والمنطلقات والغايات والأهداف الكبرى في تجلي معالم الشخصية السوية حيث الأصل الأخلاقي في معرفة المفصل الانطلاقي الذي يؤسس إلى قاعدة أساسية مفادها الاتزان والنضوج العقلي والهدوء السلوكي النابع من التكوين الأساسي لبنية الشخصية الإنسانية الهادفة.
وبالرجوع إلى أهل مدينة الصّمت فهم لم يكونوا في بادئ الأمر على قدرٍ عال من فهم واستيعاب هذه المفاهيم والنظريات والنظم الآنفةِ الذكر إلا بعد مقدم صاحبنا لهم حيثُ أثّر وجوده على أفكارهم وشخصياتهم مما جعلهم يتوجّهون إليه وشخصية "صاحبنا" قد أعطت وقدمت وصحّحت ما كانوا جاثمين عليه من مفاهيم وأفكارٍ خاطئة في حياتهم، فقد كانوا على وضعية لا تقبل منهج التغيير أو التطوير لأن منهجهم كانَ منهجاً إعتيادياً في التعامل مع بعضهم البعض فلم يكن تعاملهم سلوكياً صحيحاً مبنياً على قواعد وبنيات تنظيمية تهدف إلى خلق حالة الوعي السلوكي لدى الفرد.
لقد لازمتهم هذه الوضعية لفترات زمنيَة طويلة ممّا جَعَلَ البعض منهم أن يعيش حالة السأم والملل من ذلك المنهاج لأن الإنسان إذا لم تكن لديه توجهات وغايات في هذه الحياة فإنه بالطبع سوف يسأم من الشيء المعتاد اللاهدفي وبالتالي قد تنشب الفوضى في حياته وإذا نشبت الفوضى في حياته ضاعت أهدافه ومنطلقاته، وقد كانَ لمجيء صاحبنا دوراً هاماً في توجيه شريحة من الناس إلى معرفة الأهداف الحياتية الحقّة فلا يكفي في الإنسان أن يكون متعلماً بدون غاية أو رؤية، وكم من أناس قد رأيناهم يحملون شهادات علمية ومعارف تراكمية لكنهم يفتقدون إلى المنطلقات الجوهرية لمعرفة الصفات الأخلاقية التي تنطلق من الرؤى والتطلعات التي توصل بهم إلى الهدف والمحصّلات النهائية والتي من شأنها تحقيق كامل المكتسبات والمنجزات على أرض الواقع.
وبعدما مُضي سنواتٍ عديدة في تلك المدينة فكّر صاحبنا بالسفرِ والخروجِ منها إلى مكانٍ آخر كما هو هدفه ووظيفته المبنيّة على ممارسة دور التوجيه والتفقيه والإرشاد وإفادة الناس بالموضوعات النافعة في شؤون حياتهم وقد كانت لتلك الممارسات آثار ونتائج أعطت مفاعيلها ومدلولاتها على صعيد الفكر وتحولاته والعمل التقني وممكناته الناجعة مما كان لهما أثراً بالغاً في استحثاث رغبات الناس حول تدارس مقولات وأفكار صاحبنا العقلانية مع بعضهم البعض وهذا ما دفع بالكثير منهم إلى أن يتدارسوا نظرياته الفكرية التي تركها لهم وهم يَتَمَنّونَ لو انّه كان قد بقي معهم لسنوات طوال لأنّه بالنّسبة لهم يُعتبر كمرجعٍ فكري يُستفاد منه على صعيد الإنتاج الثقافي والمعرفي المتّسم بالعطاء اللامحدود.
لقد توجّه صاحبنا فيما بعد نحو خارج المدينة وذلك من أجل الحصول على قِسطاً من الراحة والاستجمام وبعيداً عن الضوضاء والصخّب والتحديّات التي تُحِيطُ بالإنسانِ أينما كانْ!
بدأ الحزن يخيّم على أهل "مدينةِ الصّمت" حينما وصلهم نبأ سفره ومغادرته مما كان ذلك عامِلاً في إحباط نفوسهم لأنهم قد عقدوا عليهِ آمالاً وتطلعات إنسانية كبرى لإرساء مفاهيم العدل والمساواة وتطبيق القانون بين الناس ، ولم يكن في حسبانهم بأنّهم سيفاجئون بنبأ خروجه في يومٍ من الأيام.
قررَ صاحبُنا أخيراً المسير خارج حدود "مدينة الصمت" وأثناء مغادرته في الطريقِ رأى من بعيد غابةٍ كبيرة فقرر الذهاب اتجاهها ليجتازها عبر طريقٍ آخر يوصله إلى هدفه ومن ثمّة استكمال مسيرته العملية والعلمية.
عندما وصلَ إلى الغابة رأى هنالك كوخاً متواضعاً يقطنُ بداخلهِ شيخ مُسِن، في بادئ الأمر لم يكن صاحبنا يتوقّع بأنّ ثمّة أحدٍ ما يقطن هذا المكان! اقترب شيئاً فشيئاً ونادى بصوته هل من أحدٍ ما هنا؟!!..
سَمِعَ صوتاً خافتاً يقول نعم نعم يا هذا ...!!
من المتكلّم؟!
فقال صاحبنا: السلام عليكَ يا صاحب الدّار..
الشيخ المسن: وعليكم السلام يا بني تفضّل إلى الداخل.
فقال صاحبنا للشيخ المسنّ: ما لجلوسك هنا أيها الشيخ الكبير؟!
فقال له هذا مسكني المتواضِع عَمِلْته بجهدي منذ زمنٍ قريب حتى أُقيم فيهِ وابتعدت عن ضوضاء هذا العالم الصاخب..!
فتعجّب صاحبنا من قوله، وقالَ لهُ: ما اسمك يا هذا؟ وماذا تفعل هنا لوحدك؟
ألا تخاف الذئاب المفترسة؟..
الشيخ المسن: أسمي عبد الله، الذئاب المفترسة يا هذا أصبحت أليفة بالنّسبة لي!..
لكنّ الخوف كل الخوف ليس منها بقدر ما هو من أناس قد تركتهم وابتعدت عنهم خوفاً من افتراسي لأنهم أخطر شيء يهدّد حياة الإنسان..!
صاحبنا: ومن تقصد بالناس الخطرين؟!
الشيخ المسن: الخطرون هم أولئك الذين لا همَّ لهم سوى أنفسهم ومصالحهم الذاتية التي تقتضي محاربة الآخر ومناوئته، وأنا أحد أولئك الضحايا الذين ابتعدوا وهربوا من مدينتهم بسبب التهديد الوعيد الذي قد تعرضت له منذ زمن بعيد..!
صاحبُنا: إذن أينَ أهلك أيها الشيخ الكبير؟!
الشيخ المسن: لقد قُتِلوا جميعهم بسبب الحروب الأهلية التي تسببَ بها الأعداء والطامعين إلاّ أنّني والحمد لله نجوتُ بنفسي إلى مأوىً آخر ولذت بالفرار منهم بمفردي للجوء إلى هذا المكان النائي.!
صاحبُنا: هل من احدٍ ما معكَ يقوم بإسداء الخدمة لك لإعداد الطعام والشراب هنا؟!
الشيخ المسن: ها ها ها أنّني يا بني لا أتكلّف في كل هذا، فالشيء المتاح لي هُنا هو هذا البئر الذي تتغذّى منه الأشجار فأنا أستقي منهُ حاجتي، وأمّا الطعام فهو كثير هنا فالثمر يتساقط بين فينة وأخرى على هذا الكوخ مما يتيح لي الاستفادة منه خاصةً وأنّني لا استطيع الحركة كثيراً بسبب تقدّمي في العمر..!
صاحبُنا: الحمد لله هذا شيء طيب أن تقتات قوتك بنفسك في هذا المكان..!
الشيخ المسن: إنّها مشيئة الله.
فكّر صاحبُنا في وضعِ هذا الشيّخ المسنّ وتعجّب من كيفية أُسلوب حياته لكنّه بدأ يسترسل معه الحديث في موضوعات شتّى، وما أثار الدهشة أيضاً لدى صاحبنا من ذلك الرجل المسن هو تجلي سمة "الوعي الأخلاقي" في شخصية إضافة إلى ذكاءه وحذاقتة رغم كِبر سنّه... هذا ما سنحاول التطرق إليه والحديث عن خصائص كِبار السّن في الحلقة القادمة....!
* كاتب وأكاديمي فلسفي