|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  5  / 2 / 2026                                 يونس عاشور                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الأسس الفكرية والأخلاقية في بناء الحضارة الإنسانية.

يونس عاشور *
(موقع الناس)

عندما يغيب العقل وتغيب المعاني السامية عن فكر الانسان فإنه بذلك ليسَ له قيادة على الاتجاه التوجيهي والتحفيزي، وما دور العقل/ اللوغوس هنا إلا كفاعل ولاعب رئيس وموجّه بحيث يقوم بتوجيه الذات نحو التفكير وإعمال الفكر والتغيير الفعال والبنّاء وترسيخ قيم السمو والأخلاق في كيان الانسان ليصبح بنّاءً ومعطاءً وفاعلاً على جميع الصعد الحياتية، من هُنا فإنّ العمليات التي يمرُّ بها الانسان من مقاربات أو مقارنات سواءً كانت حسابات أو معالجات نهائية تصحيحية وتوفيقية منها إنما تخضع لمفهوم مبدأ العقل الواعي ومدى حضوره في الجانب المعنوي والغائي لأجل تأسيس بنية شامِلة يرتكز عليها عند عملية البناء والتشييد العملي ووضع اللبنات الأساسية لانطلاق المشروعات البنيوية وبالطبع إنّ هذه السيرورة ليست بالأمر الهيّن أو سهل المنال وإنما هي عملية معقّدة وشائكة ومركّبة حيث ترتكز على منطلق مفهوم البصيرة والعلم بكنهه الشيء من حيث أنه شيء يكتنفه الغموض ويحتاج الى تفكيك وقراءة وتشريح ميثودولوجي، فالمسار العلمي والمعرفي يتصل مباشرةً بالجانب التحصيلي والاجتهادي وكأنه ديمومة وصل واتصال لكي يؤسس منطلقات وأبعاد بيانية للمراحل المستقبلية الواعدة وبالطبع إن ذلك يستدعي الجانب الجهدي النفسي والروحي المعنوي لآليات تفكير الانسان الذي ينطلق من توجهات الخير والعطاء والعمل الصالح لأجل مصلحة الانسان فالإنتاج والتخطيط والتنظيم هي عوامل بنّاءه ولكنها تحتاج الى من يمتلك عقلاً فاعلاً ومؤثراً على الصّعيد الذاتي والموضوعاتي.

والعقل الواعي هو الذي يمتلك رؤية شمولية ونزعة كلية وخاصةً فيما يقترن بترسيخ عامل الأمن والاستقرار في حياة الانسان لأنه يدفع بالتنظيم والتخطيط إلى مستويات متقدمة من القابلية الإيجابية إلى الإنتاجية التفاعلية المثمرة فهو يشكل ضمانة منفردة لاستقرار وديمومة البذل العطاء والبناء المبنيتين على انطلاقة خلاقة، من أهم مقوماتها الاستقرار الحياتي والمعيشي وهذا ما سُنحاول الحديث عنه فيما بعد من حيث أنّه يعمل على تجذير مبادئ القواعد الاجتماعية العامة التي تولي للإنسان زخماً من العمل التواصلي وبالتالي الانطلاقة الانسيابية السلسة الخالية من جوّ التعكير السلبي الذي قد يتضمن الفوضى وإشاعة التشويش إزاء العمل المراد تنفيذه، وكلما استشرت الركائز والخصائص الهامة آنئذٍ تكون للإنسان الجدارة للبذل والعطاء ومن ثمةَ أخد زمام الأمور باتجاه المحافظة على قاعدة الشيء في قبال تفكيكه وبعثرته او تدميره وقولبته باتجاه التلاشي والاضمحلال واللاظهور وما إلى ذلك من أمور قد لا تخدم حياة الانسان ولا تعمل على بناء صورته الحقيقية وهويته الإنسانية وتوجهاته المستقبلية.

إذا لم يكن هنالكَ منظومة فكريه وأخلاقية توجيهية رائدة مؤسِسة لموضوعية الموضوعات القيمية لأمن واستقرار حياة الانسان باعتباره له حقوق وواجبات فإنّ ذلك قد يؤسّس الى بعثرة جهازه الفكري وبالتالي ضياعه في اتون الفوضى بمعنى آخر عدم تحديد ملامح الإنجازات الحياتية الهامة التي كان من المفترض أن تلعبَ أدوراً رئيسية في سبيل الوصول الى الأهداف والغايات على الصعيد التنفيذي وهنا تكمن مسألة الفطنة والحكمة والفهم والاستيعاب الذي يحدد واقعية الشيء ودراسة ماهيته ومدى أهميته من حيث توظيف القياس الصحيح من حيثيات وخطوات دقيقة ترمي لرسم البيانات والآليات الواجب توافرها عند الشروع في أمرٍ ما فالبنيات الفكرية (دراسة – علم – معرفة – ثقافة) هي تلك الأولويات التي تحتّم على الانسان أن يشرع في بناءِ منظومة حياته ومستقبل توجهاته التي تخدمه وتخدم مجتمعه حتى ينال ما يصبو إليه من قيم وسمو وتقدم وغيره ولعل المخرجات الصحيحة والحقيقية
The right Outcome هي تلك النتائج الملموسة والمنتجات المباشرة الناتجة عن فاعلية الأنشطة والمشروعات المُنَفّذة ذات المعايير المطابقة لمبدأ الجودة والضمانة النهائية الحاسمة.

إذن الأسس الفكرية والأخلاقية عندما تندثر من قاموس فكر الانسان فإنه بذلك يتجه نحو الانحدار والتعاطي السلبي اتجاه القضايا الحياتية فلا هو يصبح فاعلاً مؤثراً في مجال الابداع والتحفيز ولا هو لاعباً محفّزاً في مقام التوجيه وتعزيز دوره السوسيولوجي الذي يحثه على عمل الخير من أجل خلق مقومات أسمنتية صلبة تساعده على بناء ذاته وبناء مجتمعه وتكوين معالم حضارته الإنسانية بما تحقق له من مكاسب وإنجازات.

إن ما نحتاج إليه في العصر الراهن هو بناء الأسس الفكرية والأخلاقية للإنسان ومن ثمةَ بناء الأهداف والغايات التي تساعده على تكوين ذاته للاستفادة منها في مجالات الحياة المختلفة لأنها تعتبر تحولاً هاماً في صيغتها البنيوية والمؤسسية لذاتية الذات.

نحن بحاجة الى استخدام التفكير المنهجي لمواجه تحديات الحياة وتحويلها الى فرص استثمارية كبرى نستطيع من خلالها معالجة الأمور المستعصية عبر اكتشاف الحلول وإيجاد الفرص المؤاتية التي تخدم معنى مفهوم تأسيس حضارة إنسانية منبثقة من روح العطاء والبناء.

من أهم العوامل والأسس في عملية بناء حضارة إنسانية هو إيجاد عنصر التربية والتعليم الذي يخدم العقل الإبداعي بحيث يكون هذا التعليم متوجهاً ومستقصِداً الإنسان من الناحية السيكولوجية والبراغماتية ومن ثمةَ الارتكاز على أسس بيانية جلية وحديثة ومطوره تساعده في التقويم والنظر ولعل أهم القضايا التي يجب علينا النظر إليها هو عملية التفكير في استحداث برامج جديدة تواكب عصر التحولات العلمية الآنية وما قد وصلت اليه الأمم والشعوب من قفزات هائلة على الصعيد الفكري والثقافي وما يتعلق بتطوير الأنماط والأساليب الحياتية التي تميز الإنسان عن باقي الأمم الأخرى من حيث النظم السياسية والموارد الاقتصادية والخصائص المعرفية التي تتميّز بسرعة التطور في ميادين الحياة المختلفة.

وقد دعت العلوم الأنثروبولوجية الى المساهمة في تحفيز التطور الثقافي والفكري والتواصل المعرفي الذي يؤسس إلى علاقات وبنيات مجتمعية عمادها التوافق التطوري والتطابق التصوري الذي تبني عليه دراسة السلوك البشري لخاصية الانسان وعما إذا كان يحتاج الى تأهيل وتوفيق سيكولوجي يساعده من تجاوز العوائق التي قد تقف حائلاً في طريقه إزاء القضايا المصيرية التي تنضوي تحت خلق بيئة آمنه تحقق قابلية الإبداع والتطوير نحو مختلف المسارات والمجالات بما فيها النظم السياسية والاقتصادية والتاريخية والخصائص المعرفية عبر الاستفادة أيضاً من تاريخ الحضارات والشعوب واستيعاب الإيجابيات من السلبيات منها وفيما يخص المراحل المتقدمة منها.

وفي هذه المقالة سنحاول التركيز قدر الإمكان على شرح مختصر لهذه المفاهيم وما تتضمنه من مشمولات ومدلولات منهجية على الصعيد العلمي والتنفيذي الذي يساهم في عملية خلق الابداع ومن ثمةَ إنتاج الثقافة والفكر بشقيهما المهني والتقني لإعادة رسم الخريطة الصحيحة في كيفية بناء حضارة مدنية وإنسانية تتسم بمعالم متعدد الأطوار لتعطي سمة بارِة عن سيميائية المجتمع إذا كان حقيقةً يتسم بمفهوم الحضارة من خلال أهم العناصر التي يجب توافرها في مشارط البناء لهذه المعاني.

• التطور الإنساني للمجتمع.
لسنا هنا في وارد الحديث عن التطور الإنساني من الناحية البيولوجية أو الانثروبولوجية كتنوع جيني او أصولي التي تطال مراحل تغيرّه أو نموّه وإنما مقصدنا هو التطور الإنساني للمجتمع/ الرقي من حيث النشاط والسيرورة والحركة الدائمة نحو إحراز التقدم فالمجتمع الذي يبحث عن الغائيات هو ذلك المجتمع الذي تكون له بصمات ونقاط وسمات وخصائص جوهرية تساعده من تحقيق المكاسب والامتيازات الخاصة به عن غيره وذلك عندما يدأب في إيجاد مفهوم التطور الإنساني (ثقافة – فكر- سلوك) عبر القفز فوق التأخر والتقاعس، فالتطور هنا هو دينامية تحصيلية في انتاج نظم التغيير الذاتي والسعي للحصول على معايير ومميزات تكون لها الأفضلية وعلى مدى عقود من الزمن بحيث يكون الانسان هو الفاعل والمحرك وبالتالي ملامسة طبيعية التحول الديناميكي للعمل وعلى سبيل المثال فإن تحسين جودة الحياة هي واحدة من مفاعيل التطور الإنساني للمجتمع وقد تشمل المسكن والوظيفة وإنتاج الأغذية المختلفة والتي تحتوي على مواد طبيعية وغير صناعية عندما تستهدف الجانب الصحي والإنساني وكلما تطور الانسان نحو السعي في بناء ذاته ومجتمعه فإنه يحصل بذلك على نتائج مُميّزة ومهمة على صعيد زيادة القدرة والدفع بها نحو الإنتاج وعدم التهاون أو التراجع الذي لا سمح الله إن حصل فقد يخلق واقعاً مريراً لخلخلة النظم الإنسانية.

إذن الحاجة الى التكيّف العملي مع حاجيات ومستلزمات ما تفرضه الحضارة على الانسان من توفير مسكن وسيارة وطائرة وقطار وغيره من هذه الاختراعات التي يحتاجها الانسان لأنها تمس جوهره الإنساني ولأنها تعكس واقعه العقلاني الذي قد نذر نفسه لأجله للحصول على هذه المنتجات التي ستعكس صورة انطباعية وإيجابية لدى المجتمعات الأخرى فيما لو كان له توجه واندفاع نحو احرازها واقتنائها.

المجتمع الزراعي والصناعي أو الإبداعي في المجال التجاري هو المجتمع الذي يتسم بخصيصة الإنتاجية مما يدفعه الى عدم الاحتياج إلى الآخرين الا القليل وفي حدود الممكن لأنه قد أعتمد على ذاته في عملية الإنتاج وتحقيق نوعية رغباته (الاكتفاء الذاتي).
التطور الإنساني الحقيقي في مجمله يشمل السلوكيات والعادات الحسنة البعيدة عن التطرف والغلو وكل أشكال العنف التي قد تسبب المشكلات والعوائق وإذا حدثت هذه الأمور بين أبناء المجتمع فإن يفقد توازنه كمجتمع إنساني يفترض فيه التطور باتجاه الجانب الحضاري.

• وجود عامل الأمن والاستقرار.
من اللازم إرساء عامل الأمن والاستقرار الذي يساعد على الاستمرارية في العطاء فوجود الأمن هو داعم ومحرّك رئيس للإنسان باستشعاره المزيد من الرغبة في العمل ومواصلة السير نحو الإبداع والعطاء وذلك عندما توجد البيئة المؤاتية له وتتوفر السبل الآمنة معه فإن ذلك من شأنه خلق عجلة تنموية حضارية ومن ثمةَ إفسال بذرتها الأولية التي تنطلق من غائية التكوين عن واقعه الحياتي من خلال ما قد أعطى وأنتج واستمر في بذل التضحيات من أجل نيل واحراز مفهوم الحضارة ليكون وساماً له يتشرّف به عند المجتمعات الأخرى من حيث السمعة والاعتبار والتقييم.

التوعية العامة بأهمية وجود الأمن والاستقرار لما لها من تأثيرات ومؤثرات بنيوية تؤسس مناحي عملياتية يكون لها المخرجات والنتائج المثمرة على الواقع الإنساني والحضاري وبدونه يفقد الانسان أهم منطلق من منطلقات المفاهيم الأساسية التي تدعم التوجهات المصيرية بالنسبة للإنسان.

ولو تأمل الانسان الى المجتمعات الرائدة حضارياً لأدرك ان سر سبب وجود التقدم لديها هو عامل الأمن والاستقرار من حيث فاعليته ومدى تأثيره تأثيراً بالغاً على حياتهم العامة.

المجتمعات الفوضوية هي التي ليس لها اتصال تفكيري بأهمية مقومات الجانب الحضاري والثقافي ومدى انعكاسه السلبي على الواقع الاجتماعي فهي دائماً تنشب فيها الصراعات والتفكك الاجتماعي والحروب لعدم إمكانية تحقيق الأمن والاستقرار لأن الفوضى تولّد المشكلات والاشكاليات التي لا تجد لها حلاً سريعاً بل يبقى الانسان في دائرة المتاهات التي لا تحقق له النظر والفكر والقدرة على الإنتاج في مستويات شتى مما تنعكس سلباً على واقعه الذاتي والاجتماعي.

• المقومات الأساسية لمفهوم الحضارة.
1- الموارد الاقتصادية:
ثمة العديد من المقومات والمكونات الرئيسة التي تنهض بمفهوم الحضارة وتجعله واقعياً وذلك عندما يكون عامل الإنتاج مستهدفاً للسلع والصناعة وتوفير كافة الخدمات التي يحتاج إليها الانسان والغير.
الخدمات المتزايدة تساعد على تكوين الوفرة الخدماتية وعندما يكون الجانب الخدماتي في أرقى وجوده لدى الانسان فإنه بالطبع سيعكس الحالة الإيجابية لديه ولن يكون هنالك تعثر أو توقف بالنسبة للأعمال المختلفة لأنّ الانسان الذي ينخرط في الأعمال والمناشط المختلفة انما تكون لديه سبل وطرائق نحو تعددية العمل الخلاق.
وتكمن أهمية الموارد الاقتصادية في أمور شتى منها الموارد الطبيعية والموارد البشرية ورأس المال وزيادة الأعمال التي تشمل التنظيم والتخطيط والتوزيع السليم في قنوات صحيحه وآمنة.

2- المقومات الفكرية والثقافية.
ويقصد بها الجانب العقدي والفكري أو الإيديولوجي الذي يعتقد به الانسان ويتفرع هذا المفهوم ليصل الى القيم والأخلاق والفنون وباقي الأفكار الأخرى التي تنبثق من التوجهات إبان اعتقاد الانسان بشيء ما وعليه فإن هذه العناصر تعتبر من أهم مقومات بناء الجانب الحضاري لثقافة وفكر الانسان وهي الأسس الداعمة وبالطبع إن هذه المفاهيم الآنفة الذكر إذا انبثقت وفق الشرائط والأسس الفكرية الصحيحة الخالية من صنوف التعقيد او اللبس الفكري المشوش آنئذ تفعل مفعولها وتحقق مطلبها لأنها تعمل وفق الحراك الثقافي الضامن لخلق وعي إنساني حضاري بما له من أهمية كبرى على مستوى دراسة التراث والتاريخ والآداب والفنون.

3- وجوود النخب الفكرية والفلسفية.
من اللازم عند التفكير في قيام حضارة إنسانية يجب أن يكون هنالك نخب من الساسة والمفكرين والفلاسفة فإنهم يعتبرون كالهرم والطليعة والواجهة لأي مجتمع فهم المرآة النابضة للمجتمعات والمحركة لها ولتقويم مفاهيمها وتوجهاتها ومنطلقاتها الفكرية والفلسفية. فوجود مثل هذه النخب هي بمثابة الإشعاع التنويري للإنسان فمن اللازم الاهتمام بهذه الفئات والنخب التي تشكل الداعم الرئيس لقيام النهضة والحضارة والتعليم وكافة أشكال المناهج التنويرية الأخرى بما فيها العلوم والفنون وغيرها وكلما كان هنالك فلاسفة ومفكرون كانت البيئة الثقافية تنبض بالمخرجات والنتائج المثمرة إذا كيف تُبنى الحضارات عبر التاريخ إذا لم يكن هنالك ثمةَ شرائح ونخب فكرية وفلسفية خاصة بحيث يكون لها الدور القيادي في تنور وتوجيه المجتمع نحو تحفيزه للتعليم والتثقيف والتفكير والدخول في مناحي الحياة العملية على أساس التوجهات الإبداعية والمؤهلات العلمية الفاعلة في ميادين الحياة.

• وجود الهندسة المعمارية.
من أهم مقومات وصيرورة الحضارة هو وجود الهندسة المعمارية كتخصص وكدراسة وكفن يُفترض تواجده في المجال الأكاديمي وبشكل مستشرٍ حتى يكون له العطاء والترجمة على الواقع العملاني والميداني لأعمال التخطيط والتنظيم العمراني وكيف أنّ الطراز والأسلوب والهيكل يقتضي أن يتّخذ طابع الطراز والأسلوب والنظام البنائي المتميز من الناحية المعمارية، فالتشييد يحتاج الى رسم هندسي دقيق حتى يُعطي انطباعية إيجابية وجمالية لأي مشروع بنائي يقوم على التصورات الهندسية وتنفيذها بأسلوبٍ تقني من هنا فإنه من اللازم الاهتمام بهذا الجانب المهم والتحفيز عليه ومحاولة توضيحه وشرحه ضمن الأطر والأساليب التي تخدم صيرورة الحضارة وما لها من انعكاسات على واقع المجتمع الفاعل.

نحن بحاجة إلى تحفيز شريحة كبيرة من أبنائنا الطلاب بأن يتوجهوا في دراستهم نحو اختيار التخصصات العلمية والهندسية الهادفة التي تخدم مجالات الحياة الواسعة وخاصة فيما يتعلق بمصير المجتمع ومدى تحديد هويته وخصوصيته الثقافية والفكرية بحيث يكون له حضور في المجال الدراسي والأكاديمي الجامعي لأن ذلك من شأنه ينتج المنتجات التي يكون عليها الاعتماد والاستناد في كيفية ممارسة الفن والتصميم والتخطيط الجمالي والوظيفي على الصعيد البياناتي الذي يدعم المشروعات البنيوية المتعلقة بالجانب المعماري والحضاري للصورة المراد تنفيذها وإنجازها على نحو يعطي سمة الحضارة والمدنية للمجتمع.

إن التنسيق والتخطيط يعطيان صوراً جمالية بارزة لسمات المباني الأنيقة بما تحوية من جمع بين التراث والحداثة إذا كانت التقنية تعمل وفق الأطر التي تساعد الجمع بين التنسيق والتنظيم والتخطيط العمراني للمباني الهندسية.

• أهمية وجود السلم الأهلي بين طبقات أبناء المجتمع.
إن ما تغفله الدراسات بهذا الخصوص في مجال بناء الحضارة المدنية والانسانية هو عدم الالتفات والاعتبار الى أهمية وجود السلم الأهلي بين كافة شرائح المجتمع وتنوعاته العرقية والمذهبية والطائفية فمن اللازم أيضاً ان يكون للسلم حضوراً فاعلاً على المستوى الاجتماعي بكافة أطيافه وتوجهاته لأن ذلك يعمل على الاستقرار كما اسلفنا ذكره من الناحية الأمنية والوظيفية لممارسة الأعمال المختلفة وحيث أنه من العناصر التي تعمل على وأد الفتن والمشكلات كان لا بد من وجود الأرضية والقابلية التي تهيئ المجتمع لإرساء معالم الأمن والاستقرار حتى يصل الى العيش الرغيد والهناء السعيد عبر التلاحم والتعاضد الاجتماعي فيما بينه وهذا ما يشكل وجه المشهد الحضاري الحقيقي لأي مجتمع يسوده السلم الأهلي.

تلكم كانت أبرز السمات والخصائص المنهجية التي تساعد على بناء مفاهيم فكرية وأخلاقية وحضارية للإنسان تحتاج منا إلى إعادة النظر والمساهمة في إبراز القراءات والدراسات ذات البعد الإستراتيجي والأكاديمي الذي يغني الحقل المعرفي باستمرار مع محاولة تلمس الوظائف الأساسية ضمن المستويات لهذه الأبعاد حتى يتسنى لنا السير باتجاه معرفة الطرائق المؤدية لاكتشاف متطلبات بناء الحضارة الإنسانية.


* كاتب وأكاديمي فلسفي
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter