| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 26 / 10 / 2022 يونس عاشور كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الحداثة والهوية:
من الإنتاج التقني إلى الاستهلاك الأنوييونس عاشور *
(موقع الناس)ليس ثمّة شكٌّ بأن للحداثة فواعل تحويلية لفكر الإنسان بقدر ما لها من اختراقات واجتياحات بنيوية لثقافة فكر الإنسان، فهي تحويل الجواهر إلى علاقات وللماهيات إلى سيرورات وللغايات إلى وسائل. أنها تدنّس كل مقدّس وتؤرِّخ كلَّ أبديّ، وتبخّر كل ما هو صلب وفعلها أشبه ما يكون لذلك السائل المذيب لكل المواد فما أن يقع على أي موضوع حتى يحلّلهُ ويفكّكهُ وعلى حدّ تعبير المرحوم الأستاذ محمد سبيلا في إحدى دراساته عن مفاعيل الحداثة وأساليبها التكتيكية.
منظومة الحداثة عادةً ما تستقصد فكر الإنسان بحيث يكون هذا الأخير هدفاً أولياً لاستدراجه في فلكها ومعالمها الاقتصادية ومساراتها الفكرية وأنماطها الثقافية ،كما هو الحال في إنتاج وعرض أشكال التقنية الخدماتية بشتى أشكالها وصنوفها وخاصةً فيما يتعلق بوفرةِ وسائل الاتصال الالكتروني الحديث فهذه المعطيات التقنية الحديثة تقوم بدور المداهمة في اقتحام عقل الإنسان وثقافته وكل أشكال سلوكياته وأدبياته الثقافية والفكرية جاعلةً منهُ نَسقاً استهلاكياً لتلك المعطيات التي تقوم بتغيير هويته ورسم هوية أخرى له بحيث يكون تابعاً للأنماط الثقافية التي تروج لها هذه الحداثة العصرية، وقد بدا جلياً ومؤخراً بأنّنا لم نعد قادرين على التحكم بذواتنا أو نأيها عن استعمال هذه المستلزمات والخدمات. فالتّلقي اليوم أصبح إلزامياً وليس اختيارياً، استهلاكياً ضمن التوجه البشري العام لهذه الصناعات والحداثات الفائقة التطوير من قبل شركات التصنيع العالمية الكبرى العابرة للقارات التي تحتل اليوم موقعاً استراتيجياً مهمّاً على الصعيد الكوسموبوليتي، وعلى سبيل المثال لا الحصر ففي الولايات المتحدة الأمريكية ثمّةَ الكثير من هذه الشركات العملاقة وغيرها في دول أُوروبا وآسيا باتت تتحكّم في مصير السوق العالمي وذلك من أجل الإنتاج التقني واستقطاب الإنسان في عملية استهلاك ذاتي مبرمج والذي لا ينفك عن التوقف أو الانتظار في لحظة ما لاستخدام هذه الأدوات، فهذه الشركات الآنفة الذكر هي المصدّر الرئيس للتقنيات العملاقة، والترويج التنافسي اليوم بات قائماً على امتيازات عالمية ومواصفات صناعية عالية الدقة في النوع والجودة.
لقد اخترقت وسائل الاتصال الصناعي والالكتروني كافة أشكال الحياة اليومية، فالدول والحكومات والشركات والمؤسسات والنقابات الجمعية تدأب اليوم لاقتناء أكبر قدر ممكن من هذه الأجهزة والأغراض لتوظيفها في المسار الأمني والفكري والثقافي، فمثلاً موضوع مكافحة الإرهاب يتطلب وجود هذه التقنيات والأدوات الدقيقة للمؤازرة في الحدّ من استشراء الجريمة المنظمة التي تستهدف كافة النواحي الأمنية والاجتماعية وغيرها.
يتمثّل النّمط الاستهلاكي الحداثي اليوم في مجالات صناعية كبرى أهمها وسائل الاتصال الالكتروني والصناعي بأنواعه كالهاتف والسيارة والراديو والتليفون والطائرة والقطار التي باتت تشغل حيزاً كبيراً في الحياة اليومية فهذه الوسائط أصبحت ليس غنىً عنها في عالم اليوم وتمثل لبّ الاستهلاك الذاتي للإنسان المعاصر.
إن النّمط الاستهلاكي الآخر بدأ يضرب بجذوره في كل مكوّن من مكونات الحياة الاجتماعية والثقافية العصرية الحديثة، واحدة منها على سبيل المثال التوجُّه نحو استثمار كيان المرأة في تسويق أعمال الموضات والدعايات والاعلام لها التي تتمثل في إنتاج الماركات والاكسسورات والألبسة الباهرة التي تستجذب الجمهور، لأنّ هذا المنعطف يشكل ربحاً وافراً أعلى لتلك الشركات والمؤسسات التجارية الكبرى فـ "نجوم السينما، المشاهير، الأبطال الجماهيريين بالمصطلح العصري، يعملون على تغذية هذا المنحى بصب المال في إناء بطن الحداثة ليكون مصدراً للدخل المادي الهائل للشركات والمؤسسات التجارية، فالتسمية لهذا النوع من النّمط الاستهلاكي هو تدجين وتطبيع انصهاري بين الرغبة والذات، أو بين الأنا والآخر.
* كاتب وأكاديمي فلسفي